المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

مراقبون: البرلمان التركي أمام مسؤولية تاريخية وعليه الإسراع في “قوننة نوعية” لعملية السلام

9

تبرز اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، ضرورةٌ ملحّة لأن يمضي البرلمان التركي قُدماً، وبخطواتٍ ملموسة، نحو مرحلة “المأسسة القانونية” التي تضمن استدامة عملية السلام مع المكوّن الكردي، وحماية العملية من التقلبات السياسية بشكلٍ عادل، وذلك وسط الأنباء المتواترة عن إمكانية الشروع في هذه الخطوات خلال الفترة المقبلة.

ويؤكد مراقبون أن المماطلة في إرساء دعائم قانونية لعملية السلام، أو عدم اتخاذ خطواتٍ قانونية مناسبة، لم يعد خياراً مقبولاً، بل مخاطرةً قد تعيد العلاقة إلى المربع الأول. وبالتالي، يتطلب المشهد الراهن أن يتحمّل البرلمان التركي مسؤولياته التاريخية عبر إصدار حزمةٍ من القوانين النوعية، منها ما يتعلق بوضع القائد عبدالله أوجلان نفسه، ومنها ما يتعلق بعملية السلام ككل.

قانون شامل من أجل السلام

والعملية في أمسّ الحاجة إلى إصدار قانونٍ شامل من أجل السلام، على أن يمثّل الوثيقة القانونية والسياسية التي تضع خارطة طريقٍ واضحة لمستقبل العملية، والتي-كما أعلن القائد عبدالله أوجلان سابقاً-تدخل مرحلتها الثانية، والتي أسماها بـ “مرحلة البناء الاجتماعي”، التي يجب أن يواكبها إطارٌ قانوني.

ومن شأن هذا الإطار القانوني مأسسة العملية، أي تحويل السلام إلى “إرادة دولة” مستقرة وقائمة على نصوصٍ تشريعية ملزمة، ومن ثم إتاحة إمكانية النظر لاحقاً في إجراء تعديلٍ دستوري، أو ربما كتابة دستورٍ جديد يحمي حقوق جميع المكوّنات التي تعيش على أراضي تركيا على أسسٍ من التسامح والعيش المشترك. والأهم أن هذا الإطار القانوني سيضع مفهوماً موحّداً بين الدولة والمكوّن الكردي حول عملية السلام.

في هذا السياق، يقول نيازي حامد، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي يعمل عليها القائد عبدالله أوجلان تختلف جوهرياً عن مفهوم “السلام” لدى الدولة التركية، موضحاً أنه بالنسبة لحركة التحرر، لا يقتصر السلام على إنهاء الحرب، بل يشمل تحولاً اجتماعياً وديمقراطياً جذرياً يضمن حقوق الشعب والتعايش الحر. ويؤكدون أنهم “قاموا بدورهم في هذه المهمة وزيادة”.

ويلفت الباحث السياسي هنا إلى أنه عند مقارنة ذلك بمفاوضات السلام في أيرلندا الشمالية مع بريطانيا، تُلاحظ اختلافات جوهرية. ففي أيرلندا الشمالية، وعلى الرغم من التعقيدات، توصلت بريطانيا والأطراف الأيرلندية إلى اتفاق اعترف بوجود هويات مختلفة، وتم إنشاء آليات سياسية لمشاركة جميع الأطراف (مثل اتفاق الجمعة العظيمة). واعتمدت هذه العملية على الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية، وقامت على أساس مشاركة الجميع. لكن في قضية الكرد وتركيا، لا تزال الدولة التركية غير مستعدة للاعتراف بوجود الهوية الكردية بشكلٍ حقيقي، أو قبول حقوقهم السياسية والثقافية. لذلك، فإن العملية ليست متشابهة.

ويرى الباحث السياسي أن ما يجب على الدولة التركية القيام به هو الاعتراف بوجود الكرد كأمة، لا بوصفهم مجرد مواطنين فحسب، بل كأمة لها حقوقها وهويتها الخاصة. كما يؤكد ضرورة فتح حوارٍ حقيقي وغير مشروط مع الممثلين الحقيقيين للكرد، وخاصة القائد عبدالله أوجلان، باعتباره طرفاً أساسياً في العملية. ويشدد على ضرورة إنشاء آلياتٍ ديمقراطية تتيح المشاركة السياسية والثقافية للكرد في نظام الحكم، أي ’الاندماج الديمقراطي‘.

وشدد نيازي حامد على أن إنهاء السياسات العسكرية والقمعية يُعد شرطاً أساسياً لبناء الثقة. كما أشار إلى أن أي عملية سلام مع تركيا، من دون هذه الخطوات، ستبقى مجرد عنوانٍ لا يحقق نتائج دائمة أو ديمقراطية.

ويعود الفضل للقائد عبدالله أوجلان في هذه العملية التي أطلقها في 27 شباط 2025، والتي شكّلت نقطة تحولٍ كبرى تحت مسمى “دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي”. وقد قدّم القائد عبدالله أوجلان كل ما يمكن تقديمه من مرونةٍ سياسية ورؤيةٍ استراتيجية لإنجاح هذه العملية، مبرهناً على إرادةٍ حقيقية في إنهاء الصراع وتغليب لغة الحوار والمواطنة المتساوية. ولم تكن هذه المبادرة مجرد دعوة، بل خطة عملٍ واقعية تهدف إلى حقن الدماء وبناء مستقبلٍ مشترك.

حق الأمل .. ضرورة أخلاقية وقانونية

وفي صلب هذه العملية التشريعية يبرز “حق الأمل” كأحد الركائز الأساسية للعدالة المعاصرة. فـتطبيق هذا المبدأ على القائد عبدالله أوجلان ليس مجرد استحقاق قانوني يتماشى مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان، بل هو “مفتاحٌ ذهبي” لتعزيز الثقة في عملية السلام.

وبالتالي، فإن منح “حق الأمل” للقائد عبدالله أوجلان سيعطي دفعةً معنوية وسياسيةً هائلة للمسار السلمي، ويؤكد للعالم وللداخل أن تركيا تمضي قدماً نحو ديمقراطيةٍ حقيقية وشاملة لا تستثني أحداً، لا سيما أن جميع شروط “حق الأمل” تنطبق على القائد عبدالله أوجلان، أي أن النظام التركي إذا مكّنه من حقه في الأمل، فإنه لا يمنّ عليه بذلك.

فخ المماطلة

“إن استمرار حالة الجمود أو التباطؤ في إصدار التشريعات اللازمة يحمل في طياته مخاطر جسيمة، والبرلمان التركي أمام مسؤولية تاريخية”، بتلك العبارة علّق الكاتب الصحفي المصري فتحي محمود على مسار العملية والدور المرتقب من البرلمان التركي، محذراً من أن المماطلة تفتح الباب أمام القوى المناهضة للاستقرار لتقويض ما تم بناؤه، وتؤدي إلى تآكل الثقة لدى القواعد الشعبية التي ترقب السلام بشغف.

وأضاف، في تصريحٍ هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أن الوقت هو العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة، وأن أي تأخير في “دسترة” و”قوننة” عملية السلام قد يُفسَّر على أنه تراجع عن الالتزامات، مما قد يؤدي إلى عواقب لا تُحمد عقباها، معرباً عن خشيته من أي تأخير في العملية، وداعياً النظام إلى ضرورة النظر إلى ما يحيط بدول الشرق الأوسط من مخاطر تهدد استقرار العديد من الدول، وقد تمتد إلى تركيا نفسها.

إن فرصة السلام المتاحة اليوم، والتي يعززها القائد عبدالله أوجلان برسائله ورؤاه التاريخية، هي فرصة قد لا تتكرر. وعلى البرلمان التركي أن يدرك أن سرعة التحرك لإقرار قانون السلام الشامل وتفعيل “حق الأمل” هي الضمانة الوحيدة لتحويل الحلم بالاستقرار إلى واقعٍ ملموس، وبناء تركيا ديمقراطية قوية يسودها الوئام والعدل.