السّلام يحتاج إلى تغيير جذري في وضع القائد آبو والتَّخلّي عن سياسات الإنكار
لطالما أكّد مراقبون وأوساط ديمقراطيّة عدَّة أنَّ مفتاح تقدُّم مسار السّلام في تركيا مع المكوّن الكردي يكمن في الحوار المباشر مع القائد عبد الله أوجلان، فهو المفاوض الحقيقي ومهندس هذه العمليَّة، وهو من أطلق نداءه التَّاريخي من أجل السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي في 27 شباط 2025، لا سيَّما مع تواتر الأنباء بشأن عزم البرلمان التّركي إصدار تشريعاتٍ ما بشأن العمليّة خلال الفترة المقبلة.
ومع ذلك، يواجه هذا المسار عقبة أساسيّة تتمثَّلُ في عدم تهيئة الظّروف المناسبة للقائد عبد الله أوجلان لممارسة دوره القيادي في العمليّة السّلميّة. وهنا يتأكّد أنَّ استمرار العزلة المفروضة عليه يتناقض مع جوهر المبادرات المطروحة، فلا يمكن قيادة عمليّة سلام تاريخيّة من خلف قضبان تفتقر لأدنى أدوات التّواصل السّياسي والاجتماعي.
الحاجة إلى تحوّل جذري
ويجمع الحقوقيّون والمثقّفون على أنَّ الانتقال من مرحلة “لا حرب” إلى مرحلة”السّلام الدّائم” يتطلّب تحويلاً جذريّاً في وضعيّة القائد عبد الله أوجلان، المعتقل في سجن إمرالي منذ أكثر من ربع قرن، بحيث يتمكّن من التّواصل مع قواعده الشَّعبيّة، ومع الأطراف السّياسيّة، وممثّلي المجتمع المدني، بشكلٍ أفضلٍ من الوضع الحالي.
كما أنَّ أيّ تغييرٍ في وضع القائد عبد الله أوجلان يجب أنْ يكون وفقَ إطارٍ قانوني شامل، وليس مجرّد وعود منفصلة، حيث سبق وأشار القائد عبد الله أوجلان إلى أنَّ أيّ تغيير في وضعه الحالي يجب أنْ يكون في إطار سياسي وقانوني ديمقراطي لعمليّة السّلام ككلّ.

هنا، يقول الكاتب الصّحفي أشرف راضي، في تصريح لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إنَّ أيّة خطوة تتعلّق بوضع السّيد عبد الله أوجلان غير الإفراج عنه لن تكون ذات تأثير كبير على مسار عمليّة السّلام، مشدّداً على عدم قناعته بأيّ حديثٍ يأتي عن تخفيف قيود العزلة المفروضة عليه، معتبراً أنَّها ستكون مجرّد خطواتٍ محدودة التّأثير، ولن تحقّق قفزة نوعيّة في مسار السّلام.
ويرى راضي أنَّ الخطوة الّتي يمكن القول إنَّها سليمة وفي الطّريق الصّحيح هي أنْ تكون هناك إعادة نظر شاملة في وضع السّيد عبد الله أوجلان، بمعنى أنَّه لا بدَّ من إطلاق سراحه باعتباره زعيماً سياسيّاً كبيراً ومؤثّراً، وأنَّ يعقُب ذلك البدء في عمليّة تفاوض معه بشكّلٍ مباشرٍ حول مستقبل القضيّة الكرديّة في تركيا، مُنوّهاً إلى أنَّهُ لا يمكن أنْ يمرَّ حلّ لتلك القضيّة والسّيد عبد الله أوجلان مسجون إمرالي حتّى لو كان تحت ما يسمى بإجراءات عزلة مخفّفة، واختتم بالقول: “لا بدَّ من إجراءات تنتهي بحرّيَّته إذا أرادَتْ مؤسّسات الدّولة التّركيّة نجاح عمليّة السّلام”.
استمرار سياسات الإنكار
ورغم التّصريحات الّتي توحي أحياناً بوجود انفتاح سياسي، إلّا أنَّ الممارسة الفعليّة لبعض مسؤولي الدّولة التّركيّة تشير إلى أنَّ “ذهنيَّة الإنكار” لا تزال راسخةً في مفاصل القرار. وهذه الذّهنيّة الّتي ترفض الاعتراف بالحقوق القوميّة والدّيمقراطيّة للمكوّن الكردي كشريكٍ أساسي في الوطن، تعرقل أيّ تقدُّم حقيقي في العمليّة.
وبالتّالي، فإنَّ البرلمان التّركي اليوم أمام اختبار تاريخي: هل سيمضي في تشريع خطوات عمليّة تضمن الاعتراف بالهويّة الكرديّة والحقوق الثّقافيّة أم سيظلُّ رهينةً للتّوازنات القوميّة المتشدّدة؟ وهنا فإنَّ الوصول إلى “مجتمع ديمقراطي” يتطلّب تكاتفاً يتجاوز النّخب السّياسيّة، ويجب على المثقّفين والحقوقيّين أنْ يكون لهم دور ضاغط على البرلمان، وداعم للقائد عبد الله أوجلان لكونه ليس مجرّد سجين سياسي، بل مهندس لمشروع عيش مشترك يمكنه إنقاذ المنطقة من أتون الصّراعات العرقيّة.

في هذا السّياق، يُعرب المفكّر المصري وأستاذ التّاريخ الدّكتور سمير فاضل، الأمين العام لمؤسّسة المصريين للبحوث والدّراسات الثّقافيّة، عن عدم تفاؤله إزاء نوايا النّظام الحاكم في تركيا، معتبراً، في اتّصال هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أنَّ إبداء النّظام التّركي قناعة ما بعمليّة السّلام قد تكون مناورةً سياسيّةً في ظلّ ما يدور بالشّرق الأوسط، وبالتّالي فإنَّهُ في كلّ الأحوال على المكوّن الكردي أنْ يكون حذراً.
وأضاف فاضل أنَّ قناعات النّظام التّركي هي ذاتها قناعات النّظام السّوري الحالي، حيث إنَّ كلّاً منهما يريد أنْ يكون الدّور الكردي في أدنى حدوده، وهما حاليّاً يحاولان كسب الوقت في ظلّ قوّة الطّرف الكردي الذي أصبح يملك كثيراً من أوراق الضّغط، ومن الخبرات ما يجعله قادراً على التّعامُل مع هذا المشهد، ومواجهة سياسة الإنكار وما يخطّط له من يقومون عليها ضدَّه.
ممّا سبق، فإنَّ نجاح مسار السّلام في تركيا يظلُّ رهناً بالقدرة على تجاوز “ذهنيّة الإنكار” والعبور نحو اعتراف قانوني وحقوقي كامل بالهويّة الكرديّة. كما أنَّ قضيّة القائد عبد الله أوجلان ليست مجرّد ملف إنساني أو قانوني عالق، بل هي حجر الزّاوية لأيّ استقرار مستدام، فالحوار المباشر وتغيير وضعه من سجين معزول إلى شريك فاعل هو الضمانة الوحيدة لتحويل الوعود السّياسيّة إلى واقعٍ ملموسٍ، ينقذ المنطقة من دوّامة الصّراعات ويؤسّس لمستقبل ديمقراطي.