المؤامرة الدولية بحق القائد عبد الله أوجلان – 3
في مرافعاته، يلقي القائد عبد الله أوجلان الضوء على المؤامرة الدولية التي استهدفته، ويشير إلى أنها نتاج فلسفة سلطوية امتدت لعقود، وتورطت فيها قوى عالمية وإقليمية، بهدف إضعاف الحركة التحررية الكردية وإجهاض مشروع الأمة الديمقراطية. كما يوضح أن المؤامرة لم تكن فقط سياسية، بل كانت جزءاً من استراتيجية عالمية للقضاء على أي تهديد لمنظومة الحداثة الرأسمالية، وهو ما جعله هدفاً للقوى المهيمنة. ويشدد على ضرورة فهم هذه الحسابات التاريخية العميقة، وتجنب الوقوع في فخ سياسات “فرق تسد”، التي استُخدمت ضد العديد من الشعوب، بما في ذلك الكرد، الأرمن، والسريان، لإضعاف وحدتهم وإخضاعهم لمنطق الهيمنة.في الجزء الثالث من تحليلات القائد عبد الله أوجلان عن المؤامرة الدولية التي استهدفته في الـ 9 من تشرين الأول عام 1998، وانتهت باعتقاله يوم 15 شباط عام 1999، يتحدث القائد عن ماهية المؤامرة الدولية التي استهدفته وكذلك الحسابات التاريخية العميقة المرتبطة بها.
ماهية المؤامرة الدولية
ويقول القائد في مرافعته المعنونة بـ “مانيفستو الحضارة الديمقراطية -القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية”، وكذلك مرافعته المعنونة بـ “المدنية”، ما يلي:
منحتُ الأولويةَ لمفهومِ مرافعةٍ تضعُ ماهيةَ المؤامرةِ الدوليةِ نُصبَ العينِ فيما يخصُّ سياقَ إمرالي. فالمتحركون باسمِ التركياتيةِ كانوا قد بتَروا أواصرَهم مع الحقيقة، بسببِ وعيهم التركياتيِّ المتشدد. بالتالي، فإدراكُ الفلسفةَ الكامنة وراء المؤامرة، كان يخالف طبيعتهم، لأنهم – هم أيضاً – ثمارَ البنى التي شادَتها فلسفةُ المؤامرةِ تلك طيلةَ مئةِ عامٍ على الأقلّ. وعليه، كان من غيرِ المتوقَّعِ أنْ يتنكروا لتلك البنى المُشادة، أو يتناولونها بعينٍ ناقدة. كما وكان لا طائل من التعويل علىِ أنْ يُبدوا أيةَ إرادةٍ للتغيرِ الإيجابيِّ، سواء أثناء كوميديا المحاكمة، أم خلال مرحلة الاعتقال. أما تصديقُ أنه سيتمُّ التصرفُ بمقتضى الأقوالِ التي همَسَ بها ممثلُ رئاسةِ الأركانِ العامة، فكان سيغدو سذاجةً في ظلِّ الظروفِ القائمة. فبالأصل، إنهم مجرَّدون من قوةِ القرارِ التي تُخَوِّلُهم لتطبيقِ أقوالِه. لقد ابتُكِرَ نظامٌ تدعمُه أمريكا في الخفاء، ويشرفُ عليه الاتحادُ الأوروبيّ. وانكلترا من صمم هذا النظام، في حين أنّ تطبيقَه كان من حصةِ الأتراك.
من عظيمِ الأهميةِ استيعابُ الذهنيةِ الفلسفيةِ والسياسيةِ الكامنة خلف المؤامرة. ولذلك أتحدثُ مِراراً وتكراراً عن خلفيةِ المؤامرةِ التي تشملُ عصراً بأكملِه، وأُصَرِّحُ بذلك في كلِّ فرصةٍ مواتية. كما وتطرقتُ إلى المؤامراتِ التي تُعَدُّ حجرَ زاويةٍ في عهدِها. ومنها فيما يتعلقُ بالكردِ فحسب: مؤامرة الألوية الحميدية، مؤامرتا قتلِ الملا سليم في بدليس والشيخ سعيد في 1925، ومؤامرتا آغري 1930 وديرسم 1937، قضية الـ 49 عامَ 1959 وقضية الـ 400 عامَ 1960، قتل فائق بوجاق، مقتل سعيد قرمزي توبراق على يدِ KDP، إضافةً إلى المؤامراتِ التي يمكن ذكر المئات منها دفعة واحدة، والممتدةُ منذ المرحلةِ الأيديولوجيةِ لـ PKKإلى يومِنا الراهن، والتي تُحاكُ من طرفِ العقليةِ عينِها.
إنّ مُدَبِّري المؤامراتِ يَعدّونها فناَ سلطوياً مُرَتَّباً ببراعةٍ فائقة. أنّ المؤامرةَ بمنزلةِ الروحِ في فنِّ السلطة، أو هي أهمُّ وسيلةٍ فيه. وكان من الضروريِّ تسييرِ هذا الفنِّ بالنسبةِ إلى الكردِ على خلفيةِ المؤامرةِ دون بد. ذلك أنّ تنفيذَ المؤامرةِ بأسلوبٍ علنيّ، كان سيفضي إلى قولِ الطفل: “انظري يا أمي، المَلِكُ عارٍ”. ومن هنا فقوةُ السلطةِ التي تَهدفُ إلى تطبيقِ أفعالٍ تَصِلُ حدَّ التطهيرِ الجماعيّ، سوى المؤامرةُ والعقليةُ التي تُحَدِّدُ مسارَها. المهمُّ هنا هو التعرفُ الصحيحُ على القوى المندرجةِ في سياقِ المؤامرة، والتعريفُ السليمُ لها.
عليَّ التبيانُ بأني لاقيتُ صعوبةً في هذا الموضوعِ خلال سياقِ إمرالي. فموضوعُ الحديثِ هنا هو وجود قوى متنافرةٍ إلى أبعدِ حدٍّ ضمن المؤامرة. حيث أُدرِجَت كثيرٌ من الدولِ ضمنها، بدءاً من أمريكا إلى روسيا الاتحادية ومن الاتحادِ الأوروبيِّ إلى الجامعةِ العربية، ومن تركيا إلى اليونان، ومن كينيا إلى طاجكستان. فما الذي كان قد وَحَّدَ الأتراكَ واليونانيين بعدَ عداءِ عصورٍ بأكملِها؟ ولِمَ كان يُعقَدُ على حسابي كلُّ هذا الكمِّ من التحالفاتِ أو اتحاد المنافعِ غيرِ المبدئية؟ زِدْ على ذلك أنّ الأتراكَ والكردَ اليساريين والقوميين المتواطئين المغتبطين في قَرارةِ أنفسِهم جراء استهدافي، كانوا كُثُراً لدرجةٍ لا تُعَدُّ ولا تحصى.
وكأنّ العالَمَ الرسميَّ قد أوقَعَ أخطرَ رقيبٍ له في الفخِّ متجسداً في شخصيتي. وضمن PKK أيضاً، كان من العصيبِ الاستخفافُ بتعدادِ أولئك الذين اعتقدوا بأنّ اليومَ يومُهم، وأنه آنَ الأوانُ ليعيشوا على هواهم. لكنّ ما لا جدال فيه، هو أنّ تعريفاً عاماً للأمر منذ البداية سيَبسطُ للعَيانِ كونَ كل تلك القوى تتشكلُ من الشرائحِ التي تحتلُّ الصَدارةَ في لائحةِ اللاهثين وراء المنافعِ الليبراليةِ للحداثة الرأسمالية. وأنا كنتُ خطراً يهددُ المصالحَ والعقليةَ الليبراليةَ الفاشيةَ لِجُلِّهم.
فمثلاً؛ إنكلترا هي الأكثر خبرةً من بين تلك القوى. وهي القوةُ التي أطلقَت الإنذار الأولِ بعدمِ السماحِ بمزاولتي السياسةَ ضمن أوروبا. وما أنْ وطأَت قدماي أرضَ أوروبا، حتى سارعَت لإعلاني “persona non grata” أي “الشخص المنبوذ”. لَم تَكُ هذه خطوةً بسيطة، بل كانت من الخطواتِ التي تقررُ النتيجةَ النهائيةَ سلفاً. حسناً، ولماذا اتُّخِذَ إزائي هكذا موقفٌ فوريٌّ لَم يُتَّخَذْ حتى إزاء خميني أو لينين؟ لقد سعيتُ إلى توضيحِ العديدِ من البوادرِ والعلائمِ المعنيةِ بذلك في العديدِ من فصولِ مرافعتي. لذا، لا داعي لمزيدٍ من التكرار. وباقتضاب؛ كنتُ حجرَ عثرةٍ لا يُستَهانُ به على دربِ حساباتِ الهيمنةِ المُعَمِّرةِ قرنَين من الزمنِ بشأنِ الشرقِ الأوسط، وبالأخصِّ بسببِ سياساتِها المتعلقةِ بكردستان (باختصار، بسببِ السياسةِ التي مفادُها “إليكَ كركوك والموصل، واقضِ على الكردِ داخل حدودك”). وكنتُ قد أمسيتُ خطراً يهددُ كلَّ مخططاتِها، ويقضُّ مضاجعَ منفذيها.
أما هَمُّ أمريكا، فكان مختلفاً. كانت لها مطامعُها في تمرير “مشروعِ الشرقِ الأوسطِ الكبير” لذا، اتسمت التطورات في كردستان بأهميةٍ حياتيةٍ وحرجة. بالتالي، فإن شَلُّ تأثيري بصورة أكيدة، كان ضرورةً من ضروراتِ الأجواءِ الحرجة حينذاك. بأقل تقدير. هذا وكان القضاءُ عليُّ يتناسبُ مع السياساتِ العالميةَ في تلك الأيام. أما روسيا التي كانت تمرُّ بأزمةٍ اقتصاديةٍ بالغةِ الأهميةِ في تاريخِها، فكانت في مسيسِ الحاجةِ إلى قرضِ مَعونةٍ عاجلة. ولَئِنْ كان سيصبحُ دواءً لدائِها، فلن يبقى أيُّ سببٍ لعدمِ لعبِ دورِها واحتلالِ مكانِها في المؤامرةِ المُحاكةِ ضدي. أما الآخرون، فكانوا من الأساسِ “كالإخوةِ الصغارِ المهذَّبين والطائعين لأخيهم الأكبر” الذي يُعَدُّ تاجاً على رؤوسِهم، أياً كان كلامه. في حين إنها كانت فرصةً سانحةً لأجلِ كلٍّ من اليسارِ التركيِّ (عدا الاستثناءات) والمتواطئين الكردِ والمستائين داخل PKK، كي يتخلصوا من ند ذي شأن. في نهايةِ المآل، فالفلسفةُ الكامنةُ في الأغوارِ السحيقةِ لجميعِ هذه المواقف، كانت فلسفةَ المصالحِ اليوميةِ والمنفعيةِ والأنانيةِ في الليبرالية.
أعتقدُ أني بذلك أسلطُ النورَ أكثر على الحقيقة. فمناصَرةُ حريةِ كردستان ونيلِ الكردِ هويتَهم في تلك الأيام، كان يقتضي تذليلَ شتى أشكالِ المصالحِ الليبراليةِ اليوميةِ والبراغمائيةِ والأنانية، وتأمرُنا بالتخلي عن حياةِ الحداثةِ الرأسماليةِ بيمينِها ويسارِها، وترغِمُنا على الانتفاضِ في وجهِها. وخِلافَ ذلك، فعالَمُ تلك الأوقات، كان عالَمَ تلك الأيامِ شاهد عيان على انتعاشِ الليبراليةِ العالميةِ في حربِ غزوِها للعالَم. كنا نعيش سنوات أَعلَنَت فيها الفاشيةُ الليبراليةُ سيادتَها عالمياً. أما من الناحيةِ السياسية، فكانت منطقةُ الشرقِ الأوسطِ تمثلُ بؤرةَ صراعِ الهيمنة. لذا، كان الصراعُ على كردستان يتسمُ بدورِ المفتاحِ من جهةِ حساباتِ الهيمنة. وكان شأنُ PKK الأيديولوجيُّ والسياسيُّ على تناقضٍ صريحٍ مع تلك الحسابات. بناءً عليه، فالقضاءُ عليه كان يعني إفساحَ المجالِ أمامَها.
الحسابات التاريخية لدوامة إمرالي
انتعشَت كلُّ هذه الحساباتُ التاريخيةُ مرةً أخرى ضمن دوامةِ إمرالي، متمثلةً في شخصي. ولكي أستطيعَ تحليلَ سياقِ إمرالي، كان يتعينُ أن أتمتعَ بوعيٍ قادرٍ على الانتباهِ إلى صراعِ المصالحِ اليوميةِ المرتكزةِ إلى خلفيةٍ تاريخيةٍ طويلةِ المدى. الخاصيةُ الهامةُ الأخرى التي ينبغي توخّي الحساسيةِ الفائقةِ إزاءها بشأنِ الحساباتِ التآمريةِ للنظامِ المهيمن، هي عدمُ التحولِ إلى أداة بِيَدِ سياستِه “فَرِّقْ تَسُد” المرتبةِ بمهارةٍ والمسَلَّطةِ على المنطقةِ ببراعةٍ خلال القرنَين الأخيرَين، وعدمُ السماحِ بالدخولِ في منفعةِ تلك القوى بشأنِ تجذيرِ الصراعِ التركيِّ – الكرديِّ الذي ترمي إليه بشكلٍ خاص. لكن الأرمن، الإغريق، البنى الأثنيةِ في بلادِ البلقان، العرب، السُّريان، الأتراك، والكردِ الذين أضحوا أداة في يدِ تلك السياسات، كانوا قد خسروا الكثير. فبعضُ هؤلاء كان قد استُئصِلَ من وطنِه وجُرِّدَ من ثقافتِه المُعَمِّرةِ آلافَ السنين، وبعضُهم الآخرُ أُخرِجَ حتى من كونِه مجتمعاً وطنياً. علاوةً على أنّ قوى عديدةً كانت تضمرُ الحقدَ تجاه الكردِ لعيشِهم المشتركِ مع الأتراك. وهكذا، فإنّ هذه الوحدةَ التي ما فتئَت تحافظُ على أهميتِها الإستراتيجية منذ معركةِ ملازكرد، قد ذهبَت أدراجَ الرياحِ مع سياسةِ الإنكارِ والإبادةِ المُطَبَّقةِ منذ 1925 على وجهِ التخصيص.
ولدى سَبرِ أغوارِ مرحلةِ إنكارِ والقضاءِ على هذا العنصرِ الأصليِّ في الجمهورية، وتفسيرِه بواسطةِ فلسفةِ التاريخ؛ كان يتبدى للعَيانِ أنّ المُستَهدَفَ ضمنياً هنا، هو هذه الوحدةُ الإستراتيجية. من أهمِّ خطواتِ المؤامرة، كانت قيامَ الإنكليزِ وامتداداتِهم الداخليةِ باختلاقِ الضائقاتِ على دربِ مصطفى كمال. بينما لَم يَكُ ثمة محلٌّ لنزعةِ عداءِ الكردِ وصهرِهم ضمن ظاهرةِ الإدارةِ التركيةِ التقليديةِ وفلسفتِها. لكنّ بذورَ تلك العداوةِ كانت قد غُرِسَت لمآربَ خاصة. ومجرياتُ مراحلِ التمردِ وما بعدها، كانت تؤكدُ صحةَ هذه الحقيقة. هذا الوضعُ الذي لفتَ انتباهي بقوة، فضاعفتُ التركيزَ فيه في إمرالي، قد أفضى إلى تحولٍ جذريٍّ في فلسفتي السياسية. وبالمقدورِ استشفافُ تطورِ سياقِ هذا الفكرِ السياسيِّ في مرافعاتي التي دونتُها في هيئةِ ثلاثِ نُسَخ.