مقالة:للأستاذ أنس المرفوع

الدمقرطة في الشرق الأوسط(سوريا،العراق، فلسطين): تحليل نقدي وتصورات بديلة في ضوء رؤية المفكر عبدالله أوجلان:
تكمن إشكالية عملية دمقرطة الشرق الأوسط في أنه تشكل ضمن إطار معقد من التحديات التاريخية والبنى الاجتماعية والتدخلات الخارجية وهذا الآمر جعل النماذج الغربية الجاهزة غير قابلة للتطبيق الآمن وفي هذا الصدد يقدم المفكر عبدالله أوجلان رؤية نقدية عميقة حيث يرى أن المجتمعات الشرقية لم تمر بنفس المسار التاريخي الذي شكل الحداثة الأوروبية وبالتالي فإن استيراد نموذج الدولة القومية كان خطأ جسيما تتحمل تبعاته المنطقة بأسرها ويؤكد أن هذا التصور يضعنا أمام ضرورة إعادة التفكير الجذري في مفاهيم الديمقراطية والمواطنة والحكم في السياق الشرقي أوسطي فحقيقة إن الواقع السياسي للمنطقة يثبت يوميا فشل النماذج المستوردة فمن العراق إلى لبنان والسودان وفلسطين وتونس والجزائر ومصر نرى كيف أن محاولات تطبيق الديمقراطية الشكلية دون مراعاة البنى الاجتماعية العميقة قد أدت إلى كوارث إنسانية وسياسية كما يشير المفكر أوجلان: لقد حولت الوضعية والحداثة الرأسمالية المجتمع إلى آلة اقتصادية صماء متناسية أن الإنسان الشرقي لا يزال يعيش ضمن منظومة قيمية تجمع بين الديني والأخلاقي والسياسي في كينونة واحدة. ومن خلال ذلك ينتقد المفكر أوجلان فكرة الدولة القومية لأنها نتاجا أوروبيا خالصا لا يتوافق مع التركيبة المجتمعية للشرق الأوسط حيث يشير في تحليله التاريخي إلى أن الدولة القومية الحديثة قامت في أوروبا على أنقاض الإقطاع والكنيسة بينما في شرقنا لم تكن هناك هذه الثنائية أصلا مما جعل فرض الدولة القومية عملية عنفية بحتة والأمثلة كثيرة على كلام المفكر أوجلان كالتتريك القسري في تركيا الذي حاول محو الهويات الأخرى سياسات التعريب في سوريا والعراق ضد الكرد وغيرهم وأيضا الصهيونية التي أسست لدولة عنصرية على أنقاض المجتمع الفلسطيني المتعدد. ولذلك يؤكد المفكر أوجلان أن أي محاولة للدمقرطة في شرقنا يجب أن تنطلق من فهم عميق للبعدين الديني والأخلاقي في تشكيل الوعي الجمعي ويضيف: لقد أخطأت العلمانية المتطرفة عندما حاولت فصل الدين عن الدولة بشكل قسري كما أخطأ الإسلام السياسي عندما حاول اختزال الدين في شكل سياسي جاف. وفي هذا السياق يشير المفكر عبدالله أوجلان إلى أن التجارب التاريخية للمنطقة تثبت أن التعايش بين الأديان كان ممكنا ضمن أنظمة الحكم التقليدية (كالعهد الأموي في الأندلس والعهد العثماني) أكثر مما هو عليه في الدولة القومية الحديثة ولذلك يرى المفكر أوجلان أن الدولة القومية هي أداة استعمارية حديثة وهي وليدة الرأسمالية ولا تصلح كمقياس للشرق الأوسط المتعدد الأديان والأعراق لأنها: تقوم على إنكار الهويات الفرعية (مثل سياسة التتريك ضد الأكراد والعلويين في تركيا). ولأنها تكرس الاحتكار الاقتصادي عبر نخب مرتبطة بالعولمة (النيوليبرالية في مصر، المحاصصة الطائفية في العراق). ولأنها تستخدم الدين كأداة سياسية (إيران “ولاية الفقيه”، أو تركيا “الإسلام الوطني”). فمن خلال محاولة دول الشرق الأوسط فصل الدين عن الدولة انتجت نظام علماني استبدادي (حكم البعث في سوريا والعراق وغيرها ). وعند تبني البديل الإسلامي فشلت لأنها أعادت إنتاج الاستبداد تحت شعارات دينية (تجربة الإخوان في مصر، أو طالبان في أفغانستان أو ولاية الفقيه في إيران). وهذا يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن بناء ديمقراطية تحترم هذه الخصوصية الموجودة في الشرق الأوسط ؟
الحل المقترح : نموذج الأمة الديمقراطية الذي يجمع بين:
اللامركزية السياسية (إدارة ذاتية للمكونات).
الاقتصاد التعاوني (تجاوز الرأسمالية).
المشاركة الأخلاقية (الدين كإطار قيمي لا كسلطة).
وبذلك يقدم المفكر عبدالله أوجلان مفهوم الأمة الديمقراطية كحل بديلا معتبرا أنها ليست أمة-دولة بالمعنى الكلاسيكي بل هي تجمع طوعي للهويات المختلفة التي تتفق على عقد اجتماعي جديد ويتميز هذا المفهوم بعدة خصائص:
- الاعتراف بالتعددية كأصل وليس كاستثناء
- اللامركزية الإدارية الواسعة
- المشاركة الشعبية المباشرة عبر مجالس محلية
- توازن بين الحقوق الفردية والجماعية
-المشاركة الأخلاقية (الدين كإطار قيمي لا كسلطة).
دراسة حالة نجاحات وإخفاقات النماذج المستوردة :
تشكل التجربة العراقية بعد 2003 مثالا صارخا على فشل النموذج المستورد فبدلا من بناء ديمقراطية حقيقية تم تأسيس نظام محاصصة طائفية قسم المجتمع إلى طوائف وعرقيات متناحرة كما يصفها المفكر أوجلان وأيضا غياب العدالة الانتقالية وحل الجيش العراقي عام 2003 حيث أدى إلى ولادة داعش من بقايا البعث والسنة المهمشين وايضا الفساد المستشري (العراق في المرتبة 157 عالميا في الشفافية) وقد أدت هذه السياسة إلى: تفكيك النسيج الاجتماعي العراقي وتحويل السياسة إلى صراع هوياتي بحت وإضعاف مؤسسات الدولة لصالح الميليشيات الطائفية وأيضا زيادة النفوذ الإقليمي (إيران تحديدا) ولكن لمفارقة هي أن الدستور العراقي كتب بأيدي أميركية فكان من المفترض به أن يكون أكثر الدساتير تقدمية في المنطقة لكنه في الواقع كرس الانقسام الطائفي وهمش السنة العرب وأدى لتمرد 2013–2017 ولو طبق مفهوم الأمة الديمقراطية لكان الحل مختلفا حيث سيقدم نموذج حكم لا مركزي حقيقي (وليس فيدرالية شكلية) ودستور يعتمد المواطنة لا المحاصصة ومجالس محلية ذات صلاحيات واسعة وسيقدم حل جذري لملف العدالة الانتقالية يقول المفكر أوجلان : العراق ضحية الاستعمار الجديد الذي يحول التنوع إلى أداة تفكيك ولذلك فالحل من وجهة نظر المفكر عبدالله أوجلان تطبيق نموذج الأمة الديمقراطية أي حكم لا مركزي فحقيقة لولا سلطة البارزاني التي حولت كردستان إلى إقطاعية عائلية لكانت كردستان العراق نموذجا للكانتونات الديمقراطية.
أيضا إذا نظرنا للنموذج الفلسطيني سنرى أنه من المستحيل تحقيق الديمقراطية تحت الاحتلال فمنذ تأسيس السلطة الفلسطينية تحولت إلى كيان هجين يفتقر إلى السيادة الحقيقية كما يصفها المفكر أوجلان فالأزمة الفلسطينية تتجلى في الانقسام بين فتح وحماس وغياب المشروع الوطني الموحد وتحول الصراع إلى صراع هويات (علماني/إسلامي)بسبب الانقسام بين فتح وحماس والذي أدى إلى استباحة الجيش الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وفرض حصار عليها وأيضا التمويل الخارجي المشروط لفتح وحماس (فتح تعتمد على أموال الاتحاد الأوروبي حماس على إيران وقطر) وارتهان كل طرف للجهة الداعمة وتنفيذ اجنداتها. وايضا من أسباب فشل السلطة الفلسطينية تآكل شرعية المؤسسات وغياب المشروع العلماني الديمقراطي على حساب حضور الخطاب القومي العربي (فتح) والإسلامي (حماس) واللذين أخفقا في تقديم نموذج وطن مشترك لليهود والعرب الحل من وجهة نظر المفكر أوجلان نموذج الأمة الديمقراطية أي تبني نموذج دولة واحدة ديمقراطية لامركزية بدلا من حل الدولتين وتبني الفلسطينيون خطابا يعترف بيهود إسرائيل كمواطنين لا كمستوطنين وايضا تبني الإسرائيليين نفس النهج والتخلص من أوهام القومية الضيقة من كلا الطرفين من خلال الغاء تبني الهوية القومية المتصلبة من كلا الجانبين (الصهيونية مقابل الوطنية الفلسطينية) حيث قال المفكر عبدالله أوجلان : أن حل الدولة الواحدة الديمقراطية هو الأكثر واقعية إذا ما تخلصنا من أوهام القومية الضيقة. ويتساءل: أليس من الأجدى العمل على دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكان فلسطين التاريخية بدلا من حل الدولتين الذي أثبت استحالته؟.
بالعودة إلى الحالة السورية حيث تتميز الحالة السورية بتجربة مريرة حيث تحولت الثورة الشعبية إلى حرب بالوكالة ومن أسباب عدم الاستقرار واستمرار اعمال العنف والانتقام والفشل في تبني نظام ديمقراطي هو غياب رؤية ديمقراطية واضحة وأيضا هيمنة الإسلام السياسي المتطرف وأيضا التدخلات الإقليمية والدولية وايضا الاستبداد التاريخي لحزب البعث (1963–2024) حيث استخدم كل أشكال القمع والاستبداد (مذبحة حماة 1982 مذبحة صيدنايا والمجازر في الغوطة وحمص وغيرها) وهذه الاسباب ستحول الثورة المنتصرة إلى حرب طائفية وخاصة مع استلام مقاليد الحكم جماعات إسلامية طبعا الحل أن يتم دمج نموذج اللامركزية الديمقراطية في أي حل سياسي في سوريا أي تبني نموذج الأمة الديمقراطية من خلال فيدرالية لامركزية والاعتراف بالتعددية السورية الحقيقية (عرب، كرد، سريان، علويون، دروز…) والاعتراف بإدارات ذاتية الكرد في الشمال العرب السنة في الوسط والعلويين في الساحل والدروز في الجنوب وكتابة دستور علماني يلغي الطائفية وإجراء مصالحة وطنية تحت إشراف دولي فنموذج الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا هو نموذج عملي ناجح يقول المفكر أوجلان :روج آفا هي بداية الطريق لكنها تحتاج إلى الاعتراف العالمي. حيث تمثل تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا التطبيق الأقرب لأفكار المفكر أوجلان حيث تم تطبيق اللامركزية الإدارية الواسعة أيضا مشاركة كافة المكونات (كرد، عرب، سريان) أيضا تمثيل المرأة بنسبة 40% وأيضا إقامة اقتصاد تعاوني بديل عن الرأسمالية لكن التجربة تواجه تحديات جسيمة: العداء التركي المستمر وأيضا عدم الاعتراف الدولي وأيضا الحصار الاقتصادي.
-رؤية مستقبلية – كيف يمكن تحقيق الدمقرطة الحقيقية؟
وفي هذا السياق يقدم المفكر عبدالله أوجلان رؤية نقدية جذرية معتبرا أن “الديمقراطية ليست نظاما سياسيا فحسب بل هي أخلاق اجتماعية تقوم على العقد الأهلي الحر” (من كتاب “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” المجلد الثاني).
فحقيقة يؤكد المفكر عبدالله أوجلان أن الدمقرطة الحقيقية يجب أن تنطلق من الأسس التالية: الاعتراف بالتعددية كأصل وليس كاستثناء والجمع بين الحداثة والأصالة والربط بين السياسي والأخلاقي والابتعاد عن المركزية الشديدة ولتحقيق ذلك يقترح المفكر عبدالله أوجلان : نظام المجالس المحلية كأساس للحكم واقتصاد تعاوني بديل عن الرأسمالية المتوحشة وأيضا دستور يعتمد المواطنة لا الهويات الفرعية وحلول تدريجية غير عنفية. ويحذر المفكر أوجلان من أي تدخل دولي حيث يقول : أن التجارب أثبتت أن التدخل الخارجي يأتي بنتائج عكسية ويشير إلى أن الحلول يجب أن تأتي من الداخل مع احترام الإرادة الشعبية الحقيقية. في الختام يؤكد المفكر أوجلان أن عملية الدمقرطة في الشرق الأوسط تمر بمأزق وجودي ناتج عن تناقضين رئيسيين: الأول : تناقض الدولة القومية مع التعددية الإثنية والدينية حيث فرضت الحداثة الأوروبية نموذجا مركزيا مستبدا كما في تركيا الكمالية أو سوريا البعثية. وثانيا : تناقض المشاريع التحررية مع الهيمنة الخارجية حيث تحولت محاولات الإصلاح (مثل الربيع العربي) إلى حروب بالوكالة (سوريا، اليمن، ليبيا، السودان). فحقيقة نرى أيضا أن النماذج الغربية فشلت في تحقيق الدمقرطة في الشرق الأوسط بسبب عدم مراعاتها للخصوصيات المحلية ونرى أن رؤية المفكر أوجلان من الممكن أن تكون بديلا قابلا للتطبيق لكنهها تحتاج إلى: تجاوز العقبات الأمنية وقبول إقليمي ودولي وتطوير آليات عملية ونرى أيضا أن التجارب الناجحة نسبيا (مثل روج آفا) تثبت إمكانية تطبيق نموذج بديل لكنها تحتاج إلى دعم وحماية ونرى أيضا أنه لا يمكن فصل عملية الدمقرطة في الشرق الأوسط عن إيجاد حل الصراعات الإقليمية وتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي فالمفكر عبدالله أوجلان يؤكد أن الشرق الأوسط لن يتحرر إلا بدمقرطة العقل أولا. نختتم بمقولة ملهمة ورائعة للمفكر عبدالله أوجلان حيث يقول : إن طريق الدمقرطة الحقيقية يبدأ بالاعتراف بالآخر وبأن التنوع ليس نقصا بل غنى وبأن العدل ليس شعارا بل ممارسة يومية. هذه الرؤية رغم تحدياتها أرى أنها تبقى الأمل الوحيد لخروج سوريا والمنطقة من دوامة العنف والاستبداد.
من فكر وفلسفة عبدالله أوجلان
أعداد الأستاذ : أنس قاسم المرفوع