الأكاديمي دافيد غراسو يقيّم آراء القائد آبو
قدَّم الأستاذ الجامعي المساعد في جامعة تورينو، دافيد غراسو، خلال كونفرانس بعنوان “حركة التَّحرّر الكردستانيَّة: الجذور التَّاريخيَّة، التَّحوّلات الأيديولوجيَّة، وعمليَّة إعادة البناء عند نقطة مفصليَّة”، ندوة بعنوان “السُّلطة، والهرميَّة، والكومونة: تحليل نصّي لأوجلان وبوكتشين خلال عمليَّة حلّ حزب العمال الكردستاني”.
وعقب هذه النَّدوة اللافتة، قدَّم الأكاديمي غراسو تقييماً خاصاً لوكالة فرات للأنباء (ANF)، تناول فيه التَّحوُّل الأيديولوجي في حركة التَّحرّر الكرديَّة، وحلّل فيه أيضاً النَّموذج الاجتماعي الجديد الّذي طرحه القائد آبو.
أوضح غراسو أنَّ النَّموذج الّذي قدَّمه القائد آبو من خلال المانيفستو الجديد يتجاوز الاشتراكيّة الواقعيَّة، ويعيد تعريف مسار التَّاريخ عبر الصّراع بين “الكومونة والدَّولة”. كما قيّم غراسو مسار التَّحوُّل الّذي تمرُّ به الحركة، وسعيها نحو “المجتمع الطّبيعي”، مشيراً إلى أنَّ انتقادات القائد آبو المباشرة للكوادر، إلى جانب استراتيجيّته في بناء مجتمع قائم على أساس الكومونة، تشكّل نموذجاً فريداً من نوعه في سياسات الشَّرق الأوسط والعالم.
إنَّكم تقومون في ندوتكم، بتحليل تعريفي السَّلطة والهرميّة كما وردا فيأعمال موري بوكتشين والقائد عبدالله أوجلان. كيف تقيّمون أوجه الاختلاف والتَّشابه الأساسيَّة في مقارباتهما لهذين التّعريفين؟
نعم، قبل نحو عشر سنوات، عندما ذهبت لأول مرةً إلى روج آفا، شاركت في ندوة مع أصدقاء أكاديميين من هناك. خلال تلك النَّدوة، أشار أحد الأصدقاء إلى أنَّهُ عندما يستخدم شخص ما معرفته لخدمة المجتمع، ويشارك خبراته، ويساعد الآخرون بعضهم البعض، فإنَّ ذلك يخلق نوعاً من السُّلطة المرتبطة بموضوع معين. وهذه سلطة تُحْظَى بقبول المجتمع، لأنَّ طبيباً أو مهندساً مثلاً يوظف معرفته ضمن إطار من التَّعاون.
لكنَّهُ أوضح أيضاً ضرورة التَّمييز دائماً بين هذه السُّلطة التَّشاركيَّة المقبولة اجتماعيَّاً وبين الممارسات القمعيَّة. فالممارسات القمعيَّة تستخدم المعرفة لأغراض الابتزاز أو الهيمنة أو التَّلاعب، كأنَّ يسعى الطَّبيب أو المهندس بدلاً من مشاركة معرفته إلى استغلال عمل الآخرين لمصلحته.
كانت هذه أول مرةٍ أسمع فيها بهذا التَّمييز بين تعريفي السَّلطة والهيمنة؛ حيث يُنْظَر إلى الأولى كقيمة اجتماعيَّة، فيما تُعدُّ الثَّانية مفهوماً سلبياً. ومن خلال هذا الطّرح، أدركتُ أنَّهُ يمكنني فهم ما يجري في روج آفا، حيث كانت هناك سلطة ذات طابع قريب من الإدارة الذّاتيَّة الدّيمقراطيَّة وتأثير حزبي في السَّاحة.
باختصار، بعد الاستماع إلى تلك النَّدوة، بدا لي أنَّ التّمييز بين السّلطة كإدارة مفيدة، وبين الهيمنة أو السّلطة القمعيَّة أو الطَّفيليَّة، أمر مهم لفهم إدارة سلطة سياسيَّة تخدم مساراً إيجابيَّاً وبناءً.
لكن لاحقاً، لم تعد الحركة الكونفدراليَّة الكرديَّة تتناول هذه التَّعاريف بشكلٍ مباشرٍ. ومن أجل دراسة مفهوم السّلطة ومعرفة مصدر هذا الطّرح، بدأت بقراءة أعمال أوجلان وبوكتشين. وبما أنَّني كنت أعلم مدى تأثير بوكتشين على أوجلان، افترضت في البداية أنَّ هذه الفكرة مستمدَّة منه.
وبعد قراءة البعض من الأعمال، لاحظتُ أنَّ كلاً من بوكتشين وأوجلان يستخدمان في الغالب مفهوم “السذُلطة” بدلالة سلبيَّة، ويربطانه بالهرميَّة السَّيئة والممارسات السَّلبيَّة في المجتمع، وكذلك بالدَّولة والقمع. لكنذَني لاحقاً، في كتاب بوكتشين “إيكولوجيا الحرّيّة”، وجدتُ صفحات تقدُّم تصوراً مختلفاً للسُّلطة. فعند حديثه عن المجتمعات العضويَّة والمجتمعات الّتي لم تعرف الكتابة، يشير إلى قادة يمارسون نوعاً من السُّلطة يختلف عن السُّلطة القمعيَّة التَّقليديَّة. إنَّها سلطة لا تقوم على الإكراه بقدر ما تقوم على نوع من التَّنظيم أو التَّقييد، أي سلطة مفيدة وضروريَّة.
وفي أعمال أوجلان، وعلى سبيل المثال في كتاب ما بعد الدَّولة (Beyond the State)، وجدتُ صفحات تتضمن سلسلة من الحجج المتعلقة بمفهوم “المجتمع الطَّبيعي”. ورغم أنَّهُ لا يتطابق تماماً مع مفهوم “المجتمع العضوي” عند بوكتشين، إلّا أنَّهُ يقترب منه بشكلٍ واضحٍ. فبحسب أوجلان، في المجتمع الطّبيعي -على الأرجح خلال العصر النَّيوليتي- كان الأفراد يتولّون أدواراً ومسؤوليّات اجتماعيَّة مختلفة وفقاً لقدراتهم ومهاراتهم، وكانت هناك هرمية ذات طابع مفيد، تُمارس من أجل المصلحة العامة. وهذا الوضع يختلف عن الهرميات القمعيّة اللاحقة والهيكليات المرتبطة بالدَّولة والسُّلطة الذّكوريَّة.
وبذلك، ورغم أنَّ كلا الكاتبين غالبا ما يربطان تعريف السّلطة بالهيمنة، فقد اكتشفتُ أنَّهما يقدمان أيضاً حججاً واضحة تميّز بين سلطة هرميَّة مفيدة وسلطة قمعيَّة ضارة. وقد ساعدني هذا البحث على فهم أنَّ ما طرحه زميلي في النَّدوة ربَّما يستند إلى مثل هذه النَّصوص. وفي المحصلة، يبدو أنَّ هناك في بعض جوانب الفكر السّياسي لكلّ من بوكتشين وأوجلان نوعاً من الازدواجيَّة في فهم مفهوم السُّلطة.
كيف تفسّرون دور “الكومونة” في فكر كلٍّ من السَّيد أوجلان وبوكتشين، خاصةً فيما يتعلق بعلاقتها بالحركات السَّياسيّة المعاصرة؟
يحتلُّ مفهوم الكومونة موقعاً مركزيَّاً في فكر المفكر الكومونالي موراي بوكتشين، حيث يُنظر إليها (الكومونة) كوحدة يسعى فيها الأفراد والجماعات إلى العيش المشترك بشكلٍ تعاوني وإيجابي. ويربط بوكتشين هذا التَّصور للعلاقات الكومونيَّة بالعلاقة بين المجتمع والطّبيعة، كما يدرس الدَّور التَّاريخي للبلديَّة كوحدة سياسيَّة واجتماعيَّة.
أما بالنَّسبة لعبدالله أوجلان، فإنَّ تعريف الكومونة يحمل أهمّيَّة أكثر جوهريَّة ولا جدال فيها. ففي “المانيفستو الجديد” الّذي طرحه، والّذي يهدف إلى بناء نموذج فكري جديد يتجاوز نموذج “الاشتراكيَّة الواقعيَّة”، يطرح أنَّ الصّراع الطّبقي التَّقليدي كمحرك للتّاريخ يجب إعادة صياغته في إطار الثّنائية بين الكومونة والدَّولة. وضمن هذا التَّصور تصبح الكومونة نواة “الحداثة الدّيمقراطيّة” و”الهرميَّة الدّيمقراطيَّة”.
وبحسب أوجلان، لا تُختزل الكومونة في كونها وحدة إداريَّة سياسيَّة تُنشأ من قبل تنظيمات مثل حزب الاتّحاد الدّيمقراطي (PYD) أو حزب العمال الكردستاني (PKK)، بل تشمل أيّ شكلٍ من أشكال التَّجمع الاجتماعي القائم على التَّعاون الصَّادق والودي، سواء كان في المدن الكبرى أو في الأرياف أو في المناطق الجبليَّة.
وتعمل الكومونات، بحسب هذا التَّصور، دون تلاعب أو استغلال، وتعتبر “حياة جيدة وسعيدة” هدفاً أساسيَّاً لها. ويؤمن أوجلان أنَّ هذه الرَّوح الكومونيَّة موجودة في كلّ مكان داخل المجتمع، لكنَّهُ يوضح في الوقت نفسه أنَّها تتعرض للضّغط والتَّهميش من قبل السُّلطات الرَّسميذَة. لذلك، وعندما يتحدث عن السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي، يؤكّد أنَّ هذه الكومونات يجب أنْ تُطوَّر وتُعزَّز.
في ضوء عمليَّة حلّ وتحول حزب العمال الكردستاني (PKK)، كيف تساعدنا هذه الأطر النَّظريَّة على فهم التَّغيرات الجارية بشكلٍ أفضل؟
إنَّ فهم عمليَّة حلّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء السَّلاح يُعدُّ أمراً معقداً، نظراً لأنَّ معظم هذه القضايا تُدار بشكلٍ غير معلن أمام الرّأي العام. كما أنَّ العلاقة بين هذه العمليَّة السّرية وبين احتمال نشوء مجتمع كومونالي وديمقراطي في بعض مناطق الشّرق الأوسط لا تزال غير واضحة وتكتنفها الكثير من الضَّبابيَّة. ويُخشى من أنَّ استمرار هذا الغموض لفترة طويلة قد يترك أثراً سلبيَّاً على الرّأي العام في كردستان وتركيا، إذ إنَّ عامل الزّمن في السّياسة عنصر حاسم ومهم، وأيّ غياب للشّفافية قد يؤدي إلى تآكل الثّقة الاجتماعيَّة وتضرّر إمكانيات التَّوصُّل إلى التَّوافق.
وترتبط عمليَّة إلقاء حزب العمال الكردستاني للسّلاح ارتباطاً وثيقاً بالتَّحوُّل الدَّاخلي في بنيته، وخاصة في ما يتعلق بالهيكليَّة النَّسويَّة داخله. وتهدف هذه العمليَّة إلى تغيير هيكليَّة التَّنظيم مقارنة بما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي. وقد بُذِلَت محاولات مماثلة في العقد الأول من الألفيَّة الثَّانية، لكنَّها لم تنجح لأسباب متعدَّدة، بينما تشير العمليَّة الحالية إلى مرحلة جديدة مختلفة.
إنَّ الانتقادات المباشرة والحادة الّتي يوجّهها أوجلان إلى إدارة وكوادر حزب العمال الكردستاني تمثّل وضعاً غير مسبوق. كما أنَّ إعلان حلّ حزب العمال الكردستاني وإلقاء السّلاح، رغم أنَّه لم يُنفذ بشكلٍ كاملٍ بعد، يُعدُّ خطوة نادرة في سياق حركات الكريلا.
ويرتبط مصطلح “الكومونة” في فكر أوجلان بضرورة إحداث تغيير أعمق وأسرع داخل البنية التَّنظيميَّة للحركة. ونتيجة للنَّقد المستمرّ الّذي وجهه أوجلان والحركة النّسائيَّة، برزت ملامح نموذج فكري جديد. إذ إنَّ الهدف من هذا التَّغيير هو التَّغلب على أوجه القصور في الحركات الاشتراكيَّة السَّابقة وغيرها من الحركات. ولهذا السّبب، يرتبط مصطلح الكومونة بحلّ حزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، فإنَّ كيفيَّة تنفيذ هذه العمليَّة وتوازن القوى لم يتضحا بعد.
هل يُفهم تأثير موراي بوكتشين بشكلٍ صحيحٍ في النّقاشات السّياسيَّة والأكاديميَّة حول القائد عبدالله أوجلان؟ أم أنَّ هناك تصورات خاطئة؟
إنَّ كلاً من عبدالله أوجلان وموراي بوكتشين لا يحظيان بالقدر الكافي من المعرفة داخل الأوساط الأكاديميَّة العالميّة. فعدد الأكاديميّين الّذين يمتلكون معرفة معمّقة بقضايا مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي (PYD)، وروج آفا، والنَّموذج الفكري الجديد، لا يزال محدوداً جداً. وعلى الرّغم من وجود بعض التَّفاعل بين هذه الحركات وبعض الأكاديميّين، فإنَّ الحقيقة هي أنَّ نسبة ضئيلة فقط من عشرات الآلاف من الأكاديميّين حول العالم على درايَّة بثورة روج آفا. ولهذا، فإنَّ تطوير هذه المجالات داخل الأكاديميا يُعد أمراً مهمَّاً للغاية.
هذا النَّقص في المعرفة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفسيرات خاطئة في العلاقة بين بوكتشين وأوجلان. فبعض الأكاديميّين من الفئة الشَّابة على وجه الخصوص، على سبيل المثال، يعتقدون أنَّ أوجلان قد قرأ فقط أعمال بوكتشين وطبّق آرائه كما هي، لكنَّ هذا التَّصور لا يعكس الواقع بشكلٍ دقيقٍ. فبينما من الصَّحيح أنَّهُ رغم أنَّ أوجلان قد استلهم بعض المفاهيم من بوكتشين، إلّا أنَّ جهوده تختلف عنه، كما أنَّ مقترحاته السّياسيَّة تحمل رؤية مغايرة ومختلفة.
على سبيل المثال، كتب الأكاديمي برناردو باتشي في الآونة الأخيرة مقالاً يتناول فيه الفروقات بين بوكتشين وأوجلان، خصوصاً فيما يتعلق بمفهوم التَّاريخ وفكرة التَّفكير الجدلي.
ولا يمكن للمرء أنْ يتجاهل تأثير بوكتشين على أوجلان، إلّا أنَّ هذا التَّأثير غالباً ما يتمُّ تضخيمه في الأوساط الأكاديميَّة. ومن أجل فهم مفهومي ’رأس المال‘ و’التَّراكم‘ لدى أوجلان، من الضّروري أيضاً أخذ تأثير مفكرين مثل أندريه غوندر فرانك، باري كاي جيلز ، وفرنان بروديل بعين الاعتبار. فإغفال هذه التَّأثيرات يجعل من الصَّعب فهم كيفيّة سعي أوجلان إلى تجاوز ’المادية الخام‘. كما أنَّ الاكتفاء ببوكتشين وحده لفهم التَّطور الفكري لدى أوجلان يُعدُّ قراءة ضعيفة. كما أنَّ كتّاباً مثل ماريا ميس يُعدّون أيضاً من المراجع المهمَّة في هذا السّياق.
ولا ينبغي لنا تفسير الحركة الكونفدراليَّة فقط من منظور تحرّري-لاسلطوي، لأنَّها تتجاوز ذلك بكثير. ومن المهم جداً القبول بتعقيد وتنوّع مصادر الإلهام لدى أوجلان.
في الختام، كيف تُقيّمون النقاشات العالمية المعاصرة حول تجدد هذه الأفكار، وبشكل خاص تلك المتعلقة بالديمقراطية، والإدارة المحلية، والبُنى السياسية البديلة؟
عند النَّظر بشكلٍ خاصٍ إلى أحداث روج آفا، وحصار كوباني، ونضال وحدات حماية المرأة (YPJ) ضدَّ الضّغوط الّتي تتعرض لها الكومونات في شمال وشرق سوريا، يتضح أنَّ الوضع الحالي يُعدُّ مسألة مصيريَّة. ففي شمال حلب ومناطق عربيَّة مختلفة، تشتتت العديد من الكومونات نتيجة هجمات الحكومة، ولا تزال الكومونات في قامشلو والحسكة وكوباني تواجه مخاطر مستمرَّة. لذلك، فإنَّ حماية الكومونات الّتي ما زالت صامدةً في سوريا تُعدُّ ضرورة ملحّة، كما ينبغي أنْ تتحوّل النّقاشات النَّظريّة حول الكومونات إلى رؤية سوسيولوجيّة وسياسيّة عمليّة على أرض الواقع، وهو ما يُعدُّ مهمَّة سياسيّة بحد ذاته.
من الضّروري التَّفكير في سبب عدم وصول الإدارة الذَّاتيَّة الدّيمقراطيَّة إلى مستوى من التَّفاوض يمكن أنْ يفضي إلى تحوّيل الدَّولة إلى جمهوريَّة ديمقراطيَّة. وبما أنَّ الحكومة السُّوريَّة لا تميل حالياً إلى دعم الكومونات أو مجالس النَّساء، فقد انحازت موازين القوى الدَّوليّة لصالح الأطراف المناهضة للكوموناليَّة. وقد جعل هذا التَّحوُّل من الصَّعب على الإدارة الذَّاتيَّة الدّيمقراطيَّة مقاومة هجمات الدَّولة بشكلٍ فعّال، كما أدَّى إلى انتقال العديد من المجموعات العربيَّة في الرّقّة والطّبقة ودير الزّور إلى جانب الحكومة.
لذلك، فإنَّ تحميل القبائل العربيّة أو الشَّعب العربي مسؤوليَّة هذا التَّحوّل يُعدُّ أمراً خطيراً وخاطئاً؛ وبدلًا من ذلك، ينبغي التَّساؤل عمّا هي المقاربة الصّحيحة الّتي لم تُطبَّق بشكل كافٍ. فلو كان هذا المشروع مقتصراً على الكرد فقط، لما وُجِدَتْ قوات سوريا الدّيمقراطيَّة أو مجلس سوريا الدّيمقراطيَّة. كما أنَّ الإدارة الذّاتيَّة لا تتطرّق بالحديث فقط عن “كردستان” أو “روج آفا”، فرغم أنَّ الكرد يشكلون جزءاً من هذا المشروع وقد انبثق من عندهم، إلّا أنَّهُ لم يكن من المخطط أنْ يكونوا القوة الوحيدة المشاركة فيه في أيّ وقت من الأوقات.
ففي المدن العربيَّة الّتي تمَّ تحريرها من داعش، برزت مشكلة كبيرة عند إنشاء هياكل الإدارة الذّاتيَّة دون وجود شبكة مؤسّساتيّة سابقة. فبعكس كوباني وقامشلو، حيث تأسست الكومونات منذ فترة طويلة مثل عام 2011، فإنَّ الهياكل في الرّقّة ومنبج نشأت في سياق الحرب، قبل أنْ تتبلور بالكامل ثقافة المجتمع الدّيمقراطي أو الذّهنيّة الثّوريَّة. وهكذا، فإنَّ وتيرة التَّحوُّل الأيديولوجي وبناء الكومونات تبقى أبطأ بكثير من إيقاع الحرب أو الدّبلوماسيَّة.
وعلى الرّغم من مرور عدَّة سنوات على تحرير الرَّقّة، فإنَّ جزءاً كبيراً من السّكان لم يُقنعوا بالانخراط مع الحركة من منظور أيديولوجي.
هذا الوضع يطرح إشكاليّة نظريّة وعمليّة جديدة. حيث إنْ تحميل العرب المسؤوليّة أو تبنّي خطاب من نوع “الكرد أفضل” من شأنه أن يفسح الطَّريق أمام انهيار أيديولوجي وسياسي. وفي هذه المرحلة الحرجة، عند تقييمنا لهذه التّعقيدات، يجب علينا التّعامل معها بحذر شديد.