قره سو: نريد خوض النّضال عبر السّياسة الدّيمقراطيّة من الآن فصاعداً
عقدت إدارة حركة حزب العمال الكردستاني مؤتمراً صحفيَّاً في 5 أيار في مناطق الدّفاع المشروع، بمناسبة الذّكرى السَّنوية لعقد مؤتمر حلّ الحزب، والوضع الرَّاهن لعمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي.
وقرأ عضو المجلس التَّنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني، مصطفى قره سو، البيان باللّغة التُّركيَّة باسم إدارة الحركة، وقيّم فيه قرار الحلّ والوضع بعد مرور عام عليه، وفيما يلي تقييم مصطفى قره سو:
كيف تقيّمون عمليَّة حلّ حزب العمال الكردستاني؟
إذا بدأنا تأسيس حزب العمال الكردستاني (PKK) انطلاقًا من تشكّل “المجموعة الآبوجية”، فإنَّنا أمام تجربة نضاليذَة ممتدَّة على مدى نصف قرن، حفلت بتحوّلات عميقة في شروط الصّراع، وبمتغيرات جذريَّة طالت بنية الشَّرق الأوسط برمّتها، وإلى جانب تلك التَّحوّلات الخارجيَّة، شهدت الحركة ذاتها انقلاباً نوعياً في بنيتها الفكريَّة، تجلّى في انتقالها من مقاربات الاشتراكيّة الواقعيّة الكلاسيكيّة إلى أفق اشتراكي ديمقراطي متجدّد، ومن هذا المنظور، فإنَّ قرار حلّ حزب بعد خمسين عاماً من الكفاح ليس فعلاً اعتباطيَّاً، بل خيار قابل للفهم في سياقه التَّاريخي والتَّحوّلي. فقد أفرزت هذه المسيرة الطَّويلة حصيلةً غنيَّة من الإنجازات والقيم النّضاليَّة، إذ تأسست البنية التَّنظيميَّة في ظلّ شروط تاريخيَّة محدّدة، وخاضت صراعها، وحقّقت مكاسب معتبرة. ومن ثمَّ، فإنَّ حلَّ الحزب لا ينبغي تأويله باعتباره إقراراً بالفشل أو العجز، أو دليلاً على انعدام الجدوى التَّاريخيَّة؛ بل على العكس، هو نتاج تراكم إنجازات كبرى، ترافقت مع تحوّلات عميقة أفضت إلى بلوغ النّضال عتبةً تستوجب إعادة تعريف ذاته وتجديد أدواته، وعليه، فإنَّ حلَّ حزب العمال الكردستاني لا يعني إسدال السّتار على النّضال، بل يمثّل تدشيناً لمرحلة جديدة منه، مرحلة تتجاوز الذّهنيات التَّنظيميَّة القديمة والأهداف الّتي كانت سائدة قبل خمسة عقود. فقد جرى التَّخلي عن تصورات الدَّولة القوميّة الّتي كانت تؤطر الرّؤية سابقاً، كما أنَّ الكفاح المسلح، على الرّغم مما أحرزه من مكاسب نوعيَّة، لم يعد يُنظر إليه بوصفه الأداة الأنسب لمواصلة العمليَّة، ومن هنا، جاء قرار الحلّ بوصفه تعبيراً عن إرادة الارتقاء بالنّضال إلى مستوى أكثر فاعليّة، من خلال تبنّي استراتيجيّة السّياسة الدّيمقراطيّة، بناءً عليه، ينبغي فهم هذا القرار بوصفه تحوّلاً في أنماط الفعل النّضالي وآلياته، لا تخلّياً عنه. إذ تتّجه العمليّة الرّاهنة نحو تحقيق الأهداف عبر أدوات العمل السّياسي الدّيمقراطي، كما أنَّ حصيلة العقود الخمسة الماضية، بما انطوت عليه من إنجازات نوعيَّة، تفرض مقاربة هذا التَّحوّل باعتباره انطلاقة جديدة، لا نهاية لمسار قائم، ولا يمكن إغفال أثر التَّحوّل الفكري في هذا السّياق، إذ طُرِحَتْ منذ عام 2004 معالم “الفكر الدّيمقراطي-البيئي-وتحرّر المرأة”، بوصفه إطاراً نظريَّاً جديداً. وقد شهدت تلك المرحلة أيضاً محاولات لإعادة الهيكلة، من بينها تأسيس “مؤتمر الشَّعب”، وطرح أدوار جديدة للعمل الفكري والأيديولوجي، ومن ثمَّ، فإنَّ فكرة حلّ الحزب ليست وليدة اللّحظة، بل تعود إلى إدراكٍ مبكر بضرورة تجديد أدوات النّضال بما يتلاءم مع متغيرات الواقع. وفي المرحلة الرّاهنة، يتجه التّوجّه العام نحو إدارة الصّراع ضمن أطر السّياسة الدّيمقراطيَّة، مع الاستعداد لاستثمار أيّ انفتاح من جانب الدَّولة لتحقيق المطالب بوسائل سلميّة، وعليه، فإنَّ هذا التَّحوُّل لا يعكس تراجعاً أو انكفاءً، بل يمثّل سعياً لإضفاء المعنى الكامل على القيم الّتي أُنتجت عبر عقود من الكفاح، وتجسيدها بصورة أكثر نجاعة. بل يمكن القول إنَّ حلَّ الحزب، في هذا المعنى، يُجسّد شكلاً من أشكال الوفاء لتاريخه وتضحياته.
في هذا السّياق، تُعدُّ مسألة دمقرطة تركيا محوراً أساسياً. كيف أسهم حلّ الحزب، في ضوء تطوّرات العام الأخير، في هذه العمليَّة في شمال كردستان وعموم تركيا؟
بدون شكّ دعوة 27 شباط 2025 شكّلت منعطفاً مهماً في الحياة السّياسيَّة التُّركيَّة، إذ أفضت إلى تحوّل ملموس في المناخ السّياسي العام. فبعد أنْ كانت السّلطة، ولا سيَّما في ظل هيمنة حزب العدالة والتَّنميَّة، تعمد إلى وسم المعارضة بتهم الإرهاب كلَّما عبّرت عن موقف مخالف، مستخدمةً هذه الذَّريعة لتبرير سياسات الإقصاء، شهد هذا الخطاب تراجعاً ملحوظاً، لقد كان توظيف تهمة “الإرهاب” أداةً مركزيَّة في تقويض قوى المعارضة والحركات الدّيمقراطيَّة، حتَّى في الحالات الّتي لم تكن تربطها صلات فعليَّة بالحركة الكرديَّة. غير أنَّ هذا النَّمط من الخطاب فقد كثيراً من فاعليَّته في المرحلة الرَّاهنة، ويمكن الاستدلال على ذلك بتجربة وقف إطلاق النَّار الممتدَّة بين عامي 2006 و2015، والّتي مثّلت إحدى أكثر الفترات انفتاحاً في تاريخ تركيا الحديث. فقد شهدت تلك المرحلة ازدهاراً ملحوظاً في مجالات الفكر والأدب والفَّنّ، واتسعت فيها هوامش التَّعبير، وبرزت خلالها أحداث “غزي” بوصفها تعبيراً عن حيويَّة المجال العام في ظلّ مناخ أقل توتُّراً، ولو أُخضعت تلك المرحلة لتحليل معمّق، لتبيّن حجم الإنتاج الثَّقافي والفكري الّذي أتاحته. أمّا اليوم، فعلى الرّغم من استمرار بعض الضّغوط على قوى المعارضة، فإنَّ حدّة الخطاب السّلطوي قد خفّت نسبيَّاً، كما أنَّ مبرّرات “الحرب” و”التَّهديد الوجودي” لم تعد تُسْتَثْمَرَ بالزّخم ذاته، وفي هذا الإطار، يمكن القول إنَّ حلَّ حزب العمال الكردستاني أسهم في تقويض إحدى الذَّرائع الأساسيّة الّتي كانت تُسْتَخْدَم لتبرير التَّضييق على المعارضة والشّعب الكردي. ومع أنَّ إنهاء الكفاح المسلح لم يكن موجهاً حصراً لهذا الغرض، إلّا أنَّهُ أفضى عملياً إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لنشاط القوى الدّيمقراطيّة، غير أنَّ الإشكاليّة تكمن في مدى قدرة هذه القوى على استثمار هذا الظّرف التَّاريخي، إذ يبدو أنَّ هناك قصوراً نسبياً في توظيف هذه الفرصة لتعزيز الحرّيّات العامة وتوسيع فضاءات العمل السّياسي، ومع ذلك، فإنَّ المناخ الجديد، الّذي تشكّل بفعل تراجع العنف، يتيح إمكانات واعدة لتعزيز حرّيّة الفكر والتَّنظيم. ورغم استمرار بعض أشكال الضّغط، فإنَّ حدّتها تراجعت مقارنة بالمراحل السّابقة، كما أنَّ ثمَّة إشكاليّات تتعلّق بضعف أداء قوى المعارضة في مواجهة السّلطة، وهو أمر لا يمكن إغفاله، ومع ذلك، فإنَّ تبنّي مسار السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي، والدَّفاع عنه من قبل مختلف الفاعلين، كفيل ـ على المدى المتوسط ـ بالحدّ من هذه الضّغوط، وعليه، فإنَّ التّقدير العام يفيد بأنَّ استمرار هذه العمليَّة من شأنه أنْ يفضي إلى توسيع آفاق الدّيمقراطيّة وتعزيز الحرّيّات، وإذا ما جرى صون هذه العمليّة وتطويرها، فإنَّ احتمالات تحقيق مزيد من التَّقدّم تبقى قائمة ومرجّحة.