الإعلامي المصري عاصم بكري: عبدالله أوجلان مناضل كبير وأطالب النّظام التُّركي بالحكمة تجاه حقوق الكرد
في ظلّ التَّحوُّلات المتسارعة الّتي يعيشها الشَّرق الأوسط، يطرح الإعلامي المصري عاصم بكري رؤيَّة تحليليَّة لملف عملية السَّلام بين الدَّولة التُّركيَّة والكرد، مؤكّداً أنَّها تمثّل فرصة تاريخيَّة لإنهاء صراع طويل إذا ما توفّرت الحكمة السّياسيَّة لدى الطّرف التُّركي.
ويشدّد بكري، في حديث مع وكالة فرات للأنباء (ANF) على ضرورة تغيير النَّظرة التُّركيَّة تجاه القضيَّة الكرديَّة والاعتراف بحقوق الكرد، معتبراً أنَّ ذلك لا ينتقص من الدَّولة بل يعزز استقرارها، كما يتناول أبعاد الدَّور الإقليمي والدَّولي.
كما يحذّر في حديثه من التَّهديدات المقبلة في الشَّرق الأوسط، ويشير إلى تعقيدات المشهد السُّوري، داعياً إلى إعادة ترتيب الأولويات لمواجهة المخاطر الاستراتيجيَّة.
نص الحوار:
*نبدأ حديثنا من عمليَّة السَّلام مع الكرد في تركيا، كيف تابعت المبادرة الّتي أطلقها القائد عبدالله أوجلان وما وصلت إليه إلى الآن؟
أعتقد أنَّهُ في المرحلة الحاليَّة، الطَّرفان الكردي والتُّركي أمام فرصة تاريخيَّة مناسبة لوقف هذا الوجع المزمن في الفترة القادمة. وأعتقد أيضاً أنَّ الطَّرفين لا يحتاجان قدراً كبيراً من التَّنازلات، بل على العكس، فهذه التَّنازلات تمَّ تقليصها خلال الفترة الفائتة. ويبدو أنَّ لدى الطَّرفين قناعة بأنَّ المصلحة العليا والآجلة للدَّولة التُّركيَّة تتحقّق بعقد مثل هذا الاتّفاق، أو اتّفاق السَّلام. وأرجو هنا أنْ ترتفع مقادير الحكمة لدى الطَّرف التُّركي أو النّظام التُّركي، حتَّى يسهل التَّوصُّل إلى اتّفاق سلام دائم.
*قلت أرجو هنا أنْ ترتفع مقادير الحكمة لدى الطَّرف التُّركي، ما الّذي ترى إذن أنَّهُ من الحكمة القيام به؟
أولاً على الدَّولة التُّركيَّة أنْ تخرج من الإطار القديم لتوصيف النّضال الكردي. والابتعاد بشكلٍ دائم عن وصف النضال الكردي بالإرهاب. كما أنَّ على الدَّولة التَّركيَّة الاعتراف بالحقوق القانونيَّة للمكوّن الكردي. هذه نقلة فكريّة لدى النّظام في نظرته للكرد يجب أن تحدث، نحتاج إلى نقلة فكريَّة في مفاهيم النّظام التُّركي. ويجب أنْ يعترف بحقوق الكرد لدى الرّأي العام التُّركي. ويجب على النّظام التُّركي أنْ يدرك أنَّ هذا لا يشكّل خصماً على الإطلاق من مركزيَّة السُّلطة وموقعها، بل إنَّ هذا التَّغيير سيشكّل إضافة تاريخيَّة لها حقيقة. ولكن إذا ظلَّتْ العقدة قائمة على أنَّ الاعتراف بأيّ حقّ للمكوّن الكردي يشكّل خصماً من السُّلطة التُّركيَّة أو من النّظام، فإنَّهُ من الصّعوبة بمكان أنْ يحدث التَّغيير، وسيكون من الصّعوبة كذلك بمكان أنْ يتمَّ التَّوصُّل إلى اتّفاق بشأن السَّلام.
*وبناء على ذلك، إلى أيّة درجةٍ يتطلّب التَّقدُّم في عمليَّة السَّلام تغيير وضع القائد عبدالله أوجلان؟
هذه الفكرة تحدَّثْتُ عنها كثيراً، فيما يخصّ مصير المناضل الكبير عبدالله أوجلان. هذا الرَّجل نعتبره مناضلاً، ولا يمكن أبداً أن يتمَّ اعتباره إرهابيَّاً أو خارجاً عن السُّلطة، كما يريد البعض أنْ يصنفَهُ داخل الدَّولة التُّركيَّة. يجب التَّعامل معه كمناضل يبحث عن حقوق شعبه القوميَّة المشروعة. إذا تمَّ التَّعامل معه على هذا الأساس، فإنَّ هذا يشكّل تغييراً كاملاً في تركيا، وتغييراً نوعيَّاً كبيراً في كلّ مفاهيم القضيَّة الكرديَّة، من الألف إلى الياء. ولا بدَّ أنْ ينتبه الأتراك إلى هذه المسألة، وإلى ضرورة تغيير النَّظرة إليه. إنَّ صمود هذا القائد الكردي طوال هذه الفترة يؤكّد ويرسّخ لهويَّته النَّضاليَّة، وينفي عنه أيّة صفة إرهابيَّة أخرى، ويضعه في مصاف كلّ الزَّعامات النّضاليَّة الّتي بحثت عن استقلال شعوبها، مثل نيلسون مانديلا وآخرين. ينبغي أنْ يتمَّ الاعتراف التُّركي بنضاله، وينبغي أنْ تفهم القيادة التُّركيَّة، كما أقول وأكرّر، أنَّ هذا أبداً ليس خصماً من سلطاتها، وليس خصماً من مركزيَّة السّلطة التُّركيَّة.
*هناك من يرى أنَّ التَّطوُّرات الحاليَّة في الشَّرق الأوسط وما يُطال دوله الرَّئيسيَّة يحتّم على الدَّولة التُّركيَّة أنْ تعمل على لمّ الشّمل الدَّاخلي وإنهاء زمن الانقسام والتَّهميش للمكوّنات، إلى أيّة درجة تتفق مع ذلك؟
أنا أشكرك على هذا السُّؤال، هذا ما رميت إليه منذ بداية الحوار، بأنَّ الجانب الصَّهيوني، مدعوم بالجانب الأمريكي، قد كشف تماماً عن أهدافهما الاستراتيجيَّة السَّابقة الرَّاسخة بالسّيطرة التَّامة على المنطقة، وهذا كشف لكلّ الدّول في المنطقة بأنَّهم أهداف مؤجّلة، قد تبدو ليست في الصّورة الآن، لكنَّ لا شكَّ أنَّها أهداف مؤجّلة. ما يجب أنْ يفهمه الأتراك أنَّ قضيَّة الكرد ليست الخطر الّذي يهدّد استقرارهم، بل على العكس، التَّهديد الصّهيوني المرتقب هو الّذي يهدّد استقرارهم. النّزاع المرتقب مع إسرائيل في سوريا قد يهزُّ استقرار تركيا، وقد يفتح عليها جبهة كبيرة، وكثيرون من المراقبين يتوقّعون نشوبها بين فترة وأخرى فور الانتهاء من الصّراع مع طهران، أو على الأقلّ الوصول فيه إلى أيّة درجات من النَّتائج. وبالتّالي على تركيا أنْ تفهم بشكلٍ كبيرٍ أنَّهُ ليس الصّراع مع الكرد ولا مع حقوق الكرد صراعاً محضاً، بل على العكس، هناك بكلّ أسف صراعات تنتظرها بشكلٍ كبيرٍ جدّاً، وصراعات تدعمها أهداف استراتيجيَّة وأيديولوجيَّات، وهذا الأمر خطير، أيديولوجيَّات معلن عنها ولم تصبح خفيَّة. وكثيرون يعلمون بأنَّ الخطوة القادمة لهذه القوّة الدَّوليَّة، أيّ أمريكا مستخدمة فيها إسرائيل، هي تركيا، وبالتَّالي على تركيا أنْ تصفّي صراعاتها الدَّاخليَّة وأنْ تعطي للكرد حقوقهم المنتظرة، حتَّى تفيق إلى ما ينتظرها من مناوشات إلى الحد الأدنى.
*هل ما تذكره بشأن الحالة التُّركيَّة فيما يخصُّ الكرد والصُّورة الّتي يجب أنْ يتمَّ التَّعامل بها مع حقوق الكرد ينطبق على الحالة السُّوريَّة كذلك؟
كنت أتمنى أنْ أقول هذا، لكن لا أستطيع، لأنَّني لا أستطيع القول إنَّني أمام دولة سوريَّة حرّة، أنا أمام وضع جديد في سوريا ملتبس إلى حدٍ كبير، ولا أعلم مدى سلطة السُّوريين على سوريا. وبالتَّالي أنا لا أزال أعتبرها دولة في حالة عدم توازن شديدة، ولم تتوفّر لها أسباب القوّة الّتي تكفل لها استقرار الدّول بمفهوم الدَّولة الشَّامل. نحن أمام سلطة هي في الظاهر سلطة سوريَّة، لكنَّها مسلوبة الإرادة، مسلوبة الإرادة في معظم الخيارات، ومسلوبة الإرادة بفعل سلب القوّة لديها. دولة جيشها شبه معطّل تقريباً أو غير موجود، كيف يصبح لها إرادة؟ في الحقيقة ما كسبته سوريا على مستوى الشَّكل من ثورة ومن حرّيّات ومن أشياء نسمع عنها الآن، كلُّها محلّ التباسٍ كبيرٍ، لا يمكننا أبداً أنْ نجزم بأنَّها حصدت هذه الأشياء، بل على العكس، نحن نترقّب بين الحين والآخر مزيداً من التَّدخُّلات في سوريا. وهذا ما قلته منذ قليل، ولست أنا وحدي، فكثير جداً من المراقبين يترقّبون التَّدخُّلات في سوريا، ويترقّبون صراعاً إسرائيليَّاً تركياً داخل الأراضي السُّوريَّة، أو على الملعب السُّوري. وهذا الصراع يؤكّد مدى تقلُّص سلطة الحكومة السورية على أراضيها. لا أستطيع أن أطلب من سوريا إذن شيئاً الآن، باختصار، لأنَّها لا تملك الكثير.
*إذا تحدّثنا عن الشَّرق الأوسط بصفةٍ عامةٍ، كيف ترى مسار هذه التَّحوُّلات؟ ما التَّغيير الّذي ينتظره الشَّرق الأوسط؟
قبل أنْ أتحدّث إليك، كنت أقرأ هذا الكتاب، كتاب “الصّهيونيَّة العالميّة” لعباس محمود العقّاد، وهو أمامي الآن، وفيه فصل في نهايته عنوانه “مصير الصّهيونيّة العالميّة ومقاطعة العرب”، وسألخّص لك هذا الفصل في جملة واحدة منه، وهي أنَّ إسرائيل لا تحتمل البقاء مع مقاطعة العرب لها، فإذا قاطعها العرب وثابروا على مقاطعتها، فليس في الأرض قوّة تنصرها عليهم، وليس بالعرب حاجة إلى سلاح يدفعون به خطر الصّهيونية أمضى من هذا السّلاح، باختصار، هذه النَّظرة الثَّاقبة الّتي أوضحها الأستاذ العقّاد عام 1956 تؤكّد أنَّ أخطر ما يهدّد المنطقة هو عمليات التَّطبيع، أو إسهال التَّطبيع الّذي يتمُّ بين بعض دول المنطقة والكيان الصّهيوني. حكومة الاحتلال المتطرّفة كشفت لنا أهدافها، وبالتّالي حدّدت لنا الخطّة التي يجب أنْ نسير عليها، فينبغي أنْ نفهم من هو العدو الأول في المنطقة، وكيف نستطيع أنْ نتجنّب أهواله وآفاته في المرحلة القليلة المقبلة، الأمور أصبحت واضحة بشدّة، ليست إيران هي الخطر الدَّاهم كما يصوّر البعض من خصومها، وليست تركيا هي الخطر الدَّاهم كما يصوّر البعض من خصومها، وليسوا الكرد، وإنَّما هناك خطر داهم وحيد يريد أنْ يبتلع المنطقة بأسرها من خلال التَّطبيع أولاً، ثمَّ يفرض هيمنته الاقتصاديَّة والعسكريَّة الّتي بدت واضحة بازغة، وبعد ذلك يتحكّم في كلّ مقاليد الأمور، وهو اليد الغليظة القاسية للولايات المتّحدة في المنطقة.