المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

باحث مصري: العزلة تعرقل مسار السلام وتضعف فرص الحل السياسي في تركيا

7

أكدت حركة التحرر الكردستاني في الـ 5 من أيار الجاري، في سنوية إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه، أنه من أجل تقدم عملية السلام وبناء مجتمع ديمقراطي في تركيا، يجب تحديد وضع القائد عبد الله أوجلان بقرار سياسي، إلى جانب اتخاذ خطوات قانونية تضمن تطور المسار الديمقراطي بشكل حر. كما شددت على أن إلقاء السلاح والانخراط الكامل في العمل السياسي الديمقراطي يرتبطان بهذه الإجراءات القانونية.

وتشهد المحادثات بين الطرفين منذ تاريخه حالة من الجمود منذ فترة، في ظل استمرار العزلة المفروضة على القائد عبد الله أوجلان. وفي هذا السياق، تحدث الباحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية، الدكتور طه علي أحمد، لوكالتنا، مسلطاً الضوء على أبرز التحديات التي تعترض هذا المسار.

إذ استهلّ طه علي أحمد حديثه بالتشديد على ضرورة تطبيق عملية السلام، مشيراً إلى أن أي عملية سلام جادة تتطلب توافر بيئة تتيح للأطراف الفاعلة المساهمة الحقيقية في الحوار. وأضاف: “في هذا السياق، فإن تمكين شخصيات محورية مثل عبد الله أوجلان من التواصل والتعبير قد يسهم في بناء جسور الثقة، وهو عنصر أساسي في أي مسار تفاوضي”.

موضحاً: “إن نجاح العملية يفرض على السلطات التركية إبداء المزيد من الجدية من خلال خطوات جادة عبر منظومة أوسع تشمل الإرادة السياسية، وضمانات قانونية، ومناخاً عاماً داعماً للحلول السلمية، وتحلّي الجانب التركي بمنطق “الشريك في الوطن” والبعد عن نظرة الاستعلاء القومي والتعامل مع مفردات عملية السلام كضرورة حتمية تفرضها المصلحة للدولة التركية، وأيضاً كضامن لأمن واستقرار المجتمع التركي”.

غياب أوجلان وتأثيره على فاعلية المفاوضات

فيما يتعلق بإمكانية نجاح أي مفاوضات في ظل غياب الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان وعدم قدرته على التواصل، وعدم منحه “الحق في الأمل”، أوضح علي أحمد: “من صاغ الإطار العام للمبادرة الجانب من جانب السيد عبد الله أوجلان هو ذاته، أي أنه يدرك جميع تفاصيل وخفايا المبادرة، كما أن لديه رؤية دقيقة للسياق الإقليمي وتداخلاته مع الواقع المحلي التركي، فضلاً عن مكانته الراسخة لدى الكرد في عموم الشرق الأوسط وحول العالم، بحكم الدور الذي قام به في الإبقاء على القضية الكردية كجسد حي على خريطة التفاعلات الإقليمية على مدار العقود الأخيرة”.

مشيراً إلى أن “التجارب الدولية تُظهر أن التواصل المباشر والشفاف بين الأطراف الرئيسة في أي عملية تفاوضية يعزز فرص نجاح المفاوضات، لا سيما في القضايا المعقدة المرتبطة بأمن واستقرار المجتمعات، وفي اللحظات المضطربة كتلك التي تعيشها تركيا ومحيطها الإقليمي”.

متابعاً: “لذلك، عدم حضور السيد عبد الله أوجلان كمفاوض وفاعل رئيس في الإشراف على تفاصيل عملية السلام كافة التي أعدّها هو بالأساس، قد يحدّ من فاعلية الحوار ويُضعف القدرة على بناء تفاهمات مستدامة. ورغم إمكانية تحقيق بعض الخطوات عبر قنوات غير مباشرة إلا أن غياب السيد أوجلان وبقاءه في محبسه سوف يجعل أي جهد ذات كفاءة أقل، بل إن غيابه سيعيق أي تقدم منشود”.

العزلة تعمّق التعقيدات وتعيق الحلول

ويرى الباحث طه علي أحمد أن استمرار العزلة يشكّل عائقاً أمام التوصل إلى حل سياسي وإرساء أسس المجتمع الديمقراطي، قائلاً: “إن العزلة، في أي سياق سياسي، تعيق تدفق الأفكار وتبادل الرؤى، ما يؤثر سلباً في فرص الوصول إلى حلول توافقية. وفي حالة عبد الله أوجلان، فإن استمرار القيود من شأنه زيادة تعقيد المشهد، لاسيما أننا نتحدث عن شخصية محورية بوصفه مؤسس حزب العمال الكردستاني وقائده التاريخي، ويتمتع بمكانة راسخة لدى مختلف مستوياته وقواعده”.

ويضيف أن: “الحلول السياسية دوماً تكون قائمة على الحوار والثقة المتبادلة بين الأطراف. وإذا نظرنا اليوم فيما قدمه الجانب التركي، رغم ما قدمه حزب العمل من خطوات لإثبات الجدية على مدار الشهور الأخيرة، نجد أن الاستجابة الرسمية من الجانب التركي لم ترتقِ إلى المستوى المأمول بما يخلق بيئة تفاوضية داعمة لحل سياسي من شأنه جلب الاستقرار وتعزيز الأمن سواء في الداخل التركي أو حتى في الجوار الإقليمي مثل سوريا والعراق أيضاً”.

شروط تحويل المبادرة إلى مسار عملي

كما شدّد الباحث طه علي أحمد على أن حرية القائد عبد الله أوجلان تُعدّ شرطاً أساسياً لبدء عملية سلام جادة، قائلاً: “تُعدّ حرية عبد الله أوجلان شرطاً مهماً لمضي عملية السلام بجدية. وإذا نظرنا إلى تجارب سابقة، وتحديداً العملية التفاوضية التي جرت بين عامي 2013 و2015، ورغم التقدم الذي أحرزته، فإن أحد أسباب عدم استكمالها كما ينبغي كان عدم تمتع أوجلان بالحرية الكاملة”.

 وأضاف: “بالتالي، لا يمكن التقليل من مسألة تحرير أوجلان وإطلاق سراحه إذ لا يزال يمتلك الشرعية التاريخية والرمزية والتنظيمية داخل الحزب، وقدرته على التأثير في قرارات وقف إطلاق النار أو ضبط الإيقاع التفاوضي ليست مسألة “نظرية”، بل مثبتة في محطات سابقة. لذلك، فإن توفير شروط تواصل أكثر حرية وفاعلية له يمكن أن يسهم في بناء قدر أولي من الثقة بين الأطراف، وتسريع الاستجابة داخل البنية التنظيمية للحزب، وتقليل مخاطر الانقسام أو التباين في المواقف داخل الحركة الكردية”.

وفي المقابل، أشار إلى أن “استمرار توصيف حزب العمال الكردستاني بوصفه “عدوّاً” في الخطاب الرسمي التركي يعكس هيمنة المقاربة الأمنية، وهو ما يضعف البيئة التفاوضية ويقوّض الثقة حتى في ظل وجود إشارات إيجابية. في المقابل، فإن أي خطوات رمزية – مثل تخفيف العمل المسلح أو إعلان نوايا للتهدئة – لا يمكن عدّها “نصراً نهائياً” كما يُروَّج أحياناً في الخطاب السياسي، كما أعلن الرئيس التركي حينما علق خطوة إلقاء السلاح “الرمزية” التي أقدمت عليها عناصر الحزب في أيار الماضي؛ لأن منطق التسويات السياسية يقوم على التدرج والتنازلات المتبادلة، لا على إعلان الغلبة”.

ويؤكد الباحث طه علي أحمد أهمية مشاركة القائد عبد الله أوجلان بحرية في تحويل مبادرته إلى مسار سياسي عملي تتطلب التمييز بين البعد الرمزي–السياسي والقدرة الفعلية على تحقيق اختراق، ويوضح “لابدّ أولاً أن يتوفر لدينا تمييز بين “الأهمية الرمزية–السياسية” و “القدرة العملية على إحداث اختراق”. فمن حيث الرمز، لا يزال عبد الله أوجلان يشكّل مرجعية فكرية وسياسية أساسية داخل حزب العمال الكردستاني، وقد أثبتت ذلك تجربة مسار 2013 و2015 خاصة إعلان نوروز 2013، أن تدخله المباشر يمكن أن يترجم سريعاً إلى تهدئة ميدانية وضبط نسبي لإيقاع التنظيم. هذه السابقة تعني أن مشاركته “الفاعلة” (وليس مجرد الرمزية) تظل أداة مهمة لخلق لحظة انطلاق أو إعادة إحياء لأي مسار تفاوضي”.

ويضيف: “رغم تعدد دوائر ومستويات ومراكز القرار في داخل حزب العمال، ما بين جبال قنديل، والشبكات السياسية المرتبطة به في الداخل التركي، تبقى المكانة المركزية لأوجلان أشبه بحجر الزاوية في هذا الإطار”.

ويشير إلى أن البيئة السياسية التركية شهدت تحولات كبيرة منذ انهيار المسار التفاوضي عام 2015، مع تصاعد المقاربة الأمنية وتراجع المساحة المتاحة للحلول السياسية، إلى جانب حساسية الدولة تجاه أي صيغة قد تُفسَّر على أنها تفاوض مع تنظيم مسلح.

وعلى مستوى أوسع، يلفت إلى أن التحولات في سوريا والعراق، أدت إلى تعقيد الملف وربطه بتوازنات أمنية تتجاوز الإطار التركي الداخلي. وقال: “من هنا، فإن مشاركة أوجلان بحرية، يمكن أن تكون عامل تمكين مهم، لكنها لن تتحول تلقائياً إلى مسار سياسي قابل للتطبيق ما لم تتوافر ثلاثة شروط موازية:

أولاً، وجود إرادة سياسية لدى الدولة التركية للانتقال من مقاربة أمنية خالصة إلى مقاربة سياسية-اجتماعية.

ثانياً، تطوير خطاب وبرنامج يلقى قبولاً ليس فقط داخل حزب العمال، بل وكل الفاعلين السياسيين الكرد الشرعيين داخل تركيا.

ثالثاً، بناء إطار مؤسسي واضح للتفاوض يتضمن ضمانات متبادلة، وآليات تنفيذ، وجدولاً زمنياً، بحيث لا تبقى العملية رهينة الثقة الشخصية أو الاتصالات غير الرسمية”.

ويخلص الباحث في شؤون الشرق الأوسط وسياسات الهوية إلى “أن حرية حركة أوجلان تفتح الباب، لكنها سوف تحتاج أيضاً جهود صادقة لبناء الطريق، وهو ما يتطلب إعادة تعريف قواعد اللعبة بين أنقرة والحركة الكردية، وتحويل الملف من قضية أمن قومي صِرف إلى مسألة سياسية ومجتمعية قابلة للإدارة ضمن مؤسسات الدولة. من دون ذلك، سوف تكون أية جهود عرضة للتعثر أو الانهيار كما حدث في المرات السابقة”.

من هو طه علي أحمد؟

د. طه علي أحمد هو باحث مصري وخبير سياسي متخصص في دراسات الهوية، شؤون الأقليات، وسياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يكتب تحليلات استراتيجية وتقديرات موقف، ويركز في أبحاثه على قضايا الصراعات الجيوسياسية، الدروز، وتأثير الأقليات في الساحة السورية والإقليمية.