المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

القائد عبد الله أوجلان: خمسون عامًا من الكفاح الفكري والسياسي نحو حرية كردستان:

20

على مدى خمسين عامًا، أصبح اسم القائد عبد الله أوجلان مرادفًا لمرحلة فاصلة في تاريخ النضال الكردي المعاصر. منذ السبعينيات، شكلت رحلته نضالًا من أجل الاعتراف بالحقوق الكردية وبناء كردستان حرة وديمقراطية وموحدة. كما كان له دور في تطوير مشروع سياسي يتجاوز الإطار القومي ليقدم رؤية أوسع، تشكل الأساس لفلسفة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وقد ساهم هذا المسار الفكري والسياسي في إحداث تغييرات جذرية على مستويات متعددة، محليًا ودوليًا، وأثر في مختلف جوانب الحياة السياسية والفكرية للشعب الكردي والعالم أجمع.

أهم نتائج نضال القائد عبد الله أوجلان وحركته الثورية:

-كسر الإنكار والصهر وبعث الروح الوطنية:

عانى الكرد في شمال كردستان لعقود طويلة من سياسات الإنكار والمحو التي استهدفت ثقافتهم ولغتهم ووجودهم السياسي. في هذا السياق، برز القائد عبد الله أوجلان كقائد فكري وسياسي يعيد الاعتبار للهوية الكردية، مجسدًا مطالب الشعب في استعادة كرامتهم وعزتهم القومية. من خلال أفكاره وتنظيمه السياسي، ساعد في إحياء الروح الوطنية الكردية، وخلق حالة من الوعي الثقافي والسياسي العميق الذي أعاد تعريف الانتماء الكردي كقيمة تتجاوز الارتباط الإثني الضيق نحو مبدأ أوسع يتجاوز حدود القومية التقليدية.

-تدويل القضية الكردية:

لم تقتصر مسيرة المفكر عبد الله أوجلان على الأبعاد المحلية، بل امتدت لتصبح قضية دولية بامتياز. فقد نجح في تحويل القضية الكردية من مسألة محلية إلى قضية ذات بعد دولي، لتصبح جزءًا من النقاشات المتعلقة بحقوق الشعوب والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والعالم. عبر نشاطه الدبلوماسي والسياسي، وبتأسيسه لمنظمات وحركات كردية في المهجر، عزز القائد عبدالله أوجلان حضور القضية الكردية على الأجندات الإقليمية والدولية، ليشكل بذلك تحولًا في الطريقة التي يتم بها النظر إلى الشعب الكردي ومطالبه.

-الحفاظ على الهوية في الشتات:

لعبت حركة حرية كردستان بقيادة القائد عبد الله أوجلان دورًا محوريًا في حماية الهوية والثقافة الكردية في الشتات. من خلال المؤسسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية في أوروبا ومناطق اللجوء، تم تعزيز الوعي الثقافي الكردي والحفاظ على اللغة الكردية من الاندثار. لم تقتصر هذه الجهود على إحياء المناسبات القومية فحسب، بل شملت أيضًا تطوير برامج تعليمية تساهم في إدامة الذاكرة الجماعية والتاريخ المشترك للشعب الكردي، حيث اعتُبر هذا النشاط بمثابة مقاومة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على الهوية الكردية في مواجهة محاولات التفكيك والتشويه.

-روج آفا: من النظرية إلى التجربة:

في غرب كردستان، أو “روج آفا”، تطورت أفكار القائد عبد الله أوجلان حول “الأمة الديمقراطية” والإدارة الذاتية الديمقراطية إلى نموذج عملي فريد. في سياق الحرب ضد داعش، برزت قوات سوريا الديمقراطية كمثال حيوي على هذا المشروع، حيث تمكنت هذه القوات من دحر التنظيم الإرهابي في عاصمته الرقة والقضاء عليه في معركته الأخيرة في منطقة “باغوز”. يمثل النموذج المتنوع في روج آفا نموذجًا ديمقراطيًا تعدديًا يعتمد على المجالس المحلية والمشاركة الشعبية والمكونات والأديان والطوائف والمساواة بين الجنسين. تجسد هذه التجربة بشكل ملموس رؤية الفيلسوف عبد الله أوجلان في بناء مجتمع يعزز من الحرية الفردية والجماعية على حد سواء.

-جنوب كردستان: شنكال ومخمور:

في جنوب كردستان، وفي الوقت الذي كانت القوات الكردية تخوض حربًا شرسة ضد تنظيم داعش، برزت مواقف بطولية للقوات الكردية المتمثلة في مقاتلي الكريلا التابعين لحزب العمال الكردستاني. في عام 2014، عقب اجتياح داعش لمناطق شنكال، قام هؤلاء المقاتلون بفتح ممرات إنسانية لإنقاذ آلاف المدنيين من الإيزيديين الذين تعرضوا لهجوم واسع من قبل التنظيم الإرهابي. كما كانت هناك عمليات حماية لمخيم مخمور، وهو ما يعكس التزام هذه القوات بحماية حياة المدنيين وأرضهم في مواجهة الممارسات الإجرامية للتنظيم.

-روج هلات كردستان: شعار “المرأة، الحياة، الحرية” هي كمبدئ اطلقه القائد على دور وقيمة المرأة في الحياة والنضال:

في شرق كردستان، وتحديدًا في إيران، لقيت أفكار القائد عبد الله أوجلان حول تحرير المرأة والمجتمع الديمقراطي صدى واسعًا. فقد ظهر شعار “ژن ژیان ئازادی” (المرأة، الحياة، الحرية) ليعبر عن نضال نسوي تحرري متصاعد، خاصة بعد وفاة الشابة جينا أميني في 2022، حيث اجتاحت احتجاجات ضخمة مختلف أنحاء إيران. أصبح هذا الشعار رمزًا للنضال الكردي من أجل حقوق المرأة، وتجاوز حدود الجغرافيا ليشكل رمزًا عالميًا للمقاومة النسوية.

-فلسفة إمرالي: نحو المجتمع الديمقراطي الإيكولوجي ومساواة المرأة مع الرجل:

من داخل سجن إمرالي، حيث قضى القائد عبد الله أوجلان أكثر من سبعة وعشرين عامًا في ظروف قاسية من العزلة، واصل صياغة أفكاره ومراجعاته الفكرية. في هذه الفترة، طور القائد عبد الله أوجلان ما يعرف بـ “الكونفدرالية الديمقراطية”، داعيًا إلى بناء مجتمع ديمقراطي لا مركزي، تقوم فيه المبادئ الأساسية على المساواة بين الجنسين، العدالة الاجتماعية والاقتصاد الكومينالي، واحترام البيئة. وقد قام بتطوير هذه الأفكار بما يتناسب مع تحديات العصر، ليقدم رؤية بديلة لنظام الدولة القومية التي تنبذ الفردية والفئوية ذات اللون الواحد، وتدعو إلى بناء “حضارة ديمقراطية” ترفض الحداثة الرأسمالية.

– سبعة وعشرون عامًا في إمرالي: رمز وجدل:

رغم سنوات العزلة القاسية في سجن إمرالي، تحول القائد عبد الله أوجلان إلى رمز عالمي للسلام والمقاومة الفكرية. ورغم الهجمات المستمرة التي تعرضت لها أفكاره، من محاولات التشويه والهجوم السياسي من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية، يظل القائد عبد الله أوجلان شخصية محورية في المشهد السياسي الكردي والعالمي. وفي نظر مؤيديه والأحرار والديمقراطيين، يعتبر المفكر والفيلسوف عبد الله أوجلان رمزًا للصمود الفكري والنضال من أجل العدالة والحرية.

-بين الهجوم والتحول إلى حقيقة:

كما يقول العديد من مفكري العالم: “كل فكرة عظيمة تبدأ بالتعرض للهجوم، ثم تواجه الرفض قبل أن تتحول إلى حقيقة راسخة في الوعي الجمعي”. ورغم الجدل الكبير الذي أثارته أفكار القائد عبد الله أوجلان، فإنها تواصل الانتشار والتأثير. نعتقد بأن أفكاره ستظل حية وقادرة على التأثير في مسار الحركات التحررية والديمقراطية على الصعيدين المحلي والدولي.

خاتمة:

خمسون عامًا من نضال المفكر والمناضل عبد الله أوجلان هي فصول من تاريخ طويل من الكفاح من أجل الحرية، الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. وبينما يختلف البعض في تقييمه، إلا أن تأثيره الفكري والسياسي لا يمكن تجاهله، ويظل حاضرًا بقوة في الساحة الكردية والإقليمية والدولية. إن مسيرة القائد عبد الله أوجلان تمثل اختبارًا حقيقيًا للفكر السياسي المعاصر، وهي دعوة لإعادة التفكير في مفاهيم الديمقراطية والحرية في عالم متغير.

بقلم: فرزندا منذر