الكرد بين مؤامرتي العصر الحديث
لا تُعتبر بعض التواريخ مجرد أرقام في الذاكرة ، بل تتحول إلى الذاكرة ذاتها ، لأنّها تصبح مفاصل حادة تشطر التاريخ شطرين متماثلين ، ليصبح تحديد الزمان بقبل هذا الحدث ، او بعده .
هكذا يُستحضر الخامس عشر من شباط ١٩٩٩ ، اليوم الذي اختُطف فيه القائد عبد الله أوجلان في نيروبي / كينيا ، بوصفه لحظة تحوّل تاريخي في مسار القضية الكردية ، فالحدث لا يمكن أن نتعامل معه كعملية أمنية معزولة انتهت بتسليمه إلى تركيا ، بل كحلقة ضمن شبكة معقدة من المصالح الإقليمية و الدوليّة التي رأت في صعود مشروع سياسي كرديّ تهديداً لمصالح راسخة لا يمكن زعزعتها .
لم يكن الهدف من مؤامرة العصر الأولى شخص القائد آبو فحسب ، بل كان هدفاً عميقاً سحيقاً تناول كيان و وجود الكرد و أصالتهم و عراقتهم .
ارتبط اسم القائد عبدالله أوجلان بتأسيس حزب العمال الكردستاني ، و بسنوات طويلة من الصراع ، غير أن التحول الأبرز في تجربته جاء بعد سجنه في جزيرة إمرالي .
بعد محكمة صوريّة ، في سجن انفرادي ، فئة F ، و بعد إصدار المحكمة العسكريّة اللاإنسانيّة حكم الإعدام ، و استبداله فيما بعد بحكم السجن المؤبد ، و في ظل ظروف التجريد و العزلة الشديدة عن المجتمع الخارجي ، أُعاد القائد و الفيلسوف عبدالله أوجلان قراءة شاملة لسنوات النضال و المقاومة و الكفاح ، ليطرح رؤى جديدة عبر مفاهيم ( الأمة الديمقراطية ) و ( الكونفدرالية الديمقراطية) باعتبارهما بديلاً عن الدولة القومية الصلبة ، و مشروعاً يقوم على الإدارة المحلية ، و التعددية، و أهمية دور المرأة في إعادة بناء المجتمع ، لتصبح هذه الأطروحة ترجمةً عن انتقال صريح من منطق المواجهة العسكرية إلى أفق سياسي ـ اجتماعي أوسع .
و مع تطورات المشهد السوري بعد ٢٠١١ تحوّلت هذه الأطروحة إلى أرضية متينة للإدارة الذاتيةالتي بدأت هياكلها و مجالسها تتشكلّ في روژآڤا ، و لتبرز قوات سوريا الديمقراطية ، التي ضمّت مختلف المكونات و الطوائف في هيكليتها ، كقوة محورية في قتال تنظيم الدولة الإسلامية ، و بهذا الشكل ، تُرجمت أطروحة القائد عبدالله أوجلان من ماهيتها النظرية ، إلى إطارها العملي عبر مجالس محلية و تمثيل لمكونات متعددة و صيغة حكم تسعى إلى تقاسم السلطة لا احتكارها ، على الرغم من أنّ الطريق لم يكن سهلاً ، و لم تخلُ التجربة من تناقضات و ضغوط ، لكنها مثّلت سعياً عملياً لتجريب نموذج مختلف في بيئة شديدة الاضطراب .
في ١٥ شباط ١٩٩٩ تعرض القائد عبدالله أوجلان إلى أبشع و أشرس مؤامرة دوليّة قذرة ، و مع بداية عام ٢٠٢٦ تعرض فكره الحر ، و رؤيته الديمقراطية إلى مؤامرة دوليّة قذرة ، بتعرّض الكرد و الإدارة الذاتيّة في روژآڤا إلى حرب إبادة استباحت وجودهم و هويتهم و كيانهم و مكتسباتهم .
و لكن ، و كما يقُال ، تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن ، فكما حوّل القائد عبدالله أوجلان ، بفكره و فلسفته ظلمة إمرالي إلى نور ، استطاع الشعب الكردي بقوة أبنائه و بناته من YpG و YpJ ، و بدماء شهدائه الزكيّة ، و بوحدة صفه في أجزاء كردستان و في الشتات ، أن يزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة و الفاشيين .
اليوم ، و في مؤتمر ميونيخ للأمن ، باتت الصورة أكثر وضوحاً ، حيث لم تعد القضية الكردية شأناً محلياً يمكن تجاهله ، بل أصبحت حاضرة في المحافل الدولية الكبرى ، و لم تستطع مؤامرة شباط ١٩٩٩ ، و مؤامرة كانون الثاني ٢٠٢٦ أن تكسر إرادة شعب قدّم ثمناً باهظاً من الشهداء و المهجّرين و المعتقلين ، و دفع كلفة وجوده و هويته عبر عقود طويلة .
يتأكد اليوم أن إرادة الشعوب لا تُكسر بسهولة، و أن إرادة الشعب الكردي، التي صمدت أمام الاعتقال والحرب و التهجير، ماضية في طريقها ، قد تتأخر النتائج و قد تتبدل المراحل ، لكن ، و بلا ريب ، هذه الإرادة التي صمدت كل هذا الزمن لا بد أن تنتصر في النهاية .
و يبقى الكرد ،و كما مدحهم الشاعر العراقي ، محمد مهدي الجواهري :
شعبٌ دعائمه الجماجم و الدم
تتحطّم الدنيا و لا يتحطّم
بقلم : جيان أركندي