الوحدة الدّيمقراطيَّة كمسار لوجود الكرد .. 4 دلالات في رسالة القائد آبو الأخيرة
تأتي رسالة القائد عبد الله أوجلان الأخيرة الموجّهة إلى كونفرانس “كرد شمال كردستان يناقشون الوحدة الوطنيَّة” في توقيت مفصلي، لتقدّم رؤية استراتيجيّة تتجاوز الشّعارات العاطفيّة نحو بناء هيكلي وعملي لمستقبل الشّعب الكردي.
وتتمحور هذه الرّسالة حول ثلاث ركائز أساسيَّة: التَّحوُّل الدّيمقراطي، تجاوز العنف، والوحدة المؤسّساتيّة، ومن ثمَّ فهي تعكس قناعاته الفلسفيّة والفكريّة، وكذلك رؤيته للمرحلة الحاليّة سواءً على مستوى العلاقات الأفقيَّة بين الكرد أنفسهم، أو بين الكرد والشّعوب الّتي تشاركهم العيش في الدّول نفسِها، أو على صعيد العلاقة بين الكرد وسلطات تلك الدّول.
1. الدّيمقراطية كشرط للبقاء الاجتماعي
وقد استهل القائد عبد الله أوجلان رسالته بطرح سوسيولوجي عميق، مفادُه أنَّ بقاء المجتمعات مرهون بقدرتها على “التَّحوُّل وفق حقائق العصر”، ويرى أنَّ الكرد، رغم الحرمان القسري من مسار التَّحوُّل الطّبيعي نتيجة سياسات الإبادة، يمتلكون مقوّمات “الحقيقة القائمة” تاريخيّاً وثقافيّاً.
إلّا أنَّ استدامة هذه الحقيقة لا تتحقّق إلّا بالمؤسّسة؛ أيّ تحويل الوجود الثّقافي واللّغوي إلى إرادة سياسيّة واقتصاديّة وتعليميّة منظّمة. وجوهر الأطروحة هنا بالنّسبة للقائد عبد الله أوجلان أنَّ المجتمع الّذي لا يعيد بناء ديناميكيّاته الدَّاخليّة ديمقراطيّاً سيظلُّ عرضةً للتآكل والاستقطاب.
2. اعتماد التَّفاوض
ويقدّم القائد عبد الله أوجلان في رسالته نقداً ضمنيّاً لمنطق القوّة في فضّ النّزاعات، سواءً مع “الدّول القوميّة” أو في “العلاقات البينيّة الكرديّة”. ويركّز بشكلٍ خاصّ على “السَّياسة الدّيمقراطيّة والقانون” كبديل وحيد للعنف. وهذا الطّرح يحمل دلالة أخلاقيّة وسياسيّة كبرى؛ فهو يدعو إلى نقل الصّراع من الحيّز العسكري أو التّصادمي إلى حيّز الحوار الواعي.
فالدّيمقراطيّة في منظور القائد عبد الله أوجلان “تزدهر حيث لا يوجد القسر”، وهو ما يتطلّب “إعادة هيكلة ديمقراطيّة” شاملة تبدأ من القواعد الاجتماعيّة لتصل إلى قمّة التّنظيم السّياسي. في هذا السّياق، يقول الدّكتور علي أحمد أستاذ تاريخ العصور الوسطى إنَّ ما جاء في رسالة السّيد عبد الله أوجلان في هذا الجانب “يعكس ما عهدناه عنه دائماً من دعوته للسّلام ونبذه للعنف”.

وأضاف الأكاديمي المصري، خلال اتّصال هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أنَّ ما أكّد عليه السّيد عبد الله أوجلان بشأن نبذ العنف، يجب أنْ يقابله تفاعل أكثر إيجابيّة من قبل الدّولة التّركيّة، إذ يرى أنَّ النّظام التّركي لم يتعامل مع مبادرة نداء السّلام والمجتمع الدّيمقراطي بالرّوح نفسِه الّتي تعامل بها السّيد عبد الله أوجلان، ولم يقدّم أيّ استجابة توازي تلك المبادرة.
3. الوحدة وضرورة “المؤتمر الوطني“
كما يشخّص القائد عبد الله أوجلان بدقّة العوائق الّتي تحوُّل دون تحقيق “الوحدة الدّيمقراطيّة”، مشيراً إلى “نظام العلاقات الضّيّقة ذات الطّابع العشائري والقبلي”. ويرى أنَّ هذه الذّهنيّة الموروثة تسبّب تصدّعات في النّسيج الاجتماعي وتضعف الإرادة المشتركة.
لذا، فإنَّ الدّعوة إلى عقد مؤتمر واسع للوحدة الدّيمقراطيّة ليست مجرّد إجراء تنسيقي، بل هي ضرورة تاريخيّة لبلورة “عقل مشترك” يتجاوز الصّراعات الدّاخليّة والمصالح الضّيّقة. هنا يقول إبراهيم مسلم ممثّل حزب الاتّحاد الدّيمقراطي السّوري في دول البلقان، لوكالة فرات للأنباء (ANF) : إنَّ القائد عبد الله أوجلان دائماً يشدّد على وحدة الكرد في كافة رسائله.

وأضاف أنَّ الكرد اليوم في حاجة ماسّة إلى الوحدة أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وفي هذه الظّروف الرّاهنة فإنَّ أيّ قرار بالنّسبة للكرد يمكن أنْ يؤثّر على مستقبلهم لقرن قادم، بل وعلى الشّرق الأوسط كله باعتبار الكرد في قلب الأحداث بالمنطقة وعنصراً مؤثّراً فيها.
وشدّد السّياسي الكردي البارز على أنَّ الكرد مطالبون اليوم بتنحية جميع الخلافات الحزبيَّة جانباً، والاتجاه نحو وحدة الصّف على أسس ديمقراطيّة وطنيّة إنسانيّة، وذلك من أجل تحقيق السّلام في المنطقة، وقبل ذلك تحقيق الآمال المنشودة لهذا الشّعب المقاوم والمناضل الّذي تحمل كثيراً.
4. إعادة البناء
وقد اختتمت رسالة القائد عبد الله أوجلان الأخيرة برسم ملامح المرحلة المقبلة بوصفها مرحلة “إعادة البناء من جديد”، وفقاً لها، فإنَّ مستقبل الكرد ليس رهناً بالظّروف الخارجيّة فحسب، بل هو نتاج لمدى نجاحهم في ترسيخ “التَّفاوض الدّيمقراطي” كنمط حياة وعمل سياسي.
وبالتّالي كأنَّ القائد عبد الله أوجلان يوجّه نداءً للوعي والمسؤوليَّة، فكلُّ خطوةٍ تُتَّخَذُ اليوم في سبيل الوحدة القائمة على القانون والاعتراف المتبادل، هي الّتي ستحدّد شكل “المستقبل المشترك” في منطقة تموج بالتَّحوُّلات الكبرى.