المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

صراع أردوغان والمعارضة.. اصطفاف قومي تركي لتعطيل عمليَّة السَّلام

8

شهدت السّاحة السّياسيّة التّركيّة حالة من الاحتراب بين أردوغان وزعيم حزب الشّعب الجمهوري المعارض أوزغور أوزيل، ما عزاه مراقبون لأسباب عديدة إلّا أنَّ هذه الحالة الّتي تقترب من وصف الصّراح لا يمكن تفسيرها بعيداً عن المسار الأكثر إثارةً للجدل في المشهد التّركي الرّاهن، وهو مسار السّلام المتعثّر، خاصّةً بعد الرّسالة الّتي وجّهها القائد عبد الله أوجلان من جزيرة إمرالي والّتي طالبت بالتّفاوض المباشر والتّواصل مع الأطراف المعنيّة للوصول إلى حلّ نهائي يُنهي عقوداً من الصّراع الدَّموي.

اصطفاف قومي

الاصطفاف القومي الّذي تشهده السّاحة السّياسيّة التّركيّة لا يُمثّل تعبيراً عفويّاً عن مشاعر شعبيّة، بل هو في معظمه ظاهرة سياسيّة مُدارة بعناية من أطراف ترى في عمليّة السّلام تهديداً لمصالحها الحزبيّة والانتخابيّة، فهناك أحزاب عريقة  تحمل راية العلمانيّة والقوميّة الكماليّة، تجد نفسها أمام ورطةٍ معقّدةٍ، لأنَّ القاعدة الانتخابيّة التّقليديّة ذات الحساسيّة القوميّة المرتفعة لا تتقبّل أيّة انفراجة للملف الكردي، بينما يدرك قيادات تلك  الأحزاب أنَّ رفض أيّ مسار للسّلام يضعهم في موقف ضعيف أمام الشّعب الكردي والليبراليين الّذين باتُوا جزءاً من معادلة المعارضة التّركيّة، وهذا التّناقض الدّاخلي يُفسّر  ظهور مواقف ملتبسة وغير حاسمة، لا هي رفضت بشكلٍ صريحٍ ولا هي دعمت بشكلٍ واضح.

وفيما يخصّ أردوغان، فإنَّهُ لا يُدير هذا الملف من موقع الحياد، وإنَّما يتبع نهج التّصعيد ضدَّ المعارضة في سياق منتظم الإيقاع حيث يُقدّم نفسه صاحب المبادرة التّاريخيّة الجريئة في ملفّ السّلام، في حين يُصوَّر المعارضة باعتبارها العائق أمام تحقيق الاستقرار، ومن ثمَّ فإنَّ هذه الثّنائية تخدمه على  مستويين متزامنين، فعلى الصّعيد الدّاخليً تخلق تلك السّياسة حالة من تشتُّت المعارضة وتُجبرها على الدّفاع عن مواقفها بدلاً من مهاجمته، وخارجيّاً تُقدّمه أمام الأوروبّيّين والأمريكيّين بوصفه القائد الوحيد القادر على إدارة هذا الملف الشّائك، إلّا أنَّ هذا التّوظيف السّياسي لمسار السّلام ينطوي على خطر عميق، هو أنْ تتحوّل عمليّة السّلام من هدف وطني إلى ورقةٍ في صراعٍ حزبي ضيّق، وهو ما يُهدّد مصداقيتها ويمنح المتشكّكين مبرّراً إضافيّاً للتّشكيك في جدّيتها.

رسالة القائد آبو

وفيما يخصُّ القائد عبدالله أوجلان، وضعت  رسالته الأخيرة جميع القوى السّياسيّة بما فيها العدالة والتّنمية في موقف حرج خاصّةً وأنَّ القائد آبو أمضى نحو ربع قرن في عزلة تامّة على جزيرة إمرالي،  ويطالب بتمكينه من الاضطلاع بدور فاعل في التّفاوض، وهو مطلب يستدعي بالضّرورة تخفيف شروط عزله وفتح قناة تواصل مؤسّسيّة مع الأطراف السّياسيّة المعنيّة، ومن ثمَّ فإنَّ قبول هذا الطّلب يُشكّل خطوة جوهريّة نحو عمليّة السّلام والمجتمع الدّيموقراطي لكنَّهُ يستلزم شجاعة سياسيّة لا يبدو أنَّ أردوغان مستعدّ لدفع ثمنها كاملاً في ظلّ حسابات انتخابيّة معقّدة، فضلاً عن استبعاد فكرة  تجميد المسار وإعادة إنتاج دوّامة الصّراع بأشكالٍ مختلفة.

الدكتور بشير عبد الفتاح الأكاديمي المصري قال في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، إنَّ المعطيات الرّاهنة قد تدفع بتحرّكات سياسيّة جديدة، فكلّما تصاعدت حدَّة المواجهة بين أردوغان والمعارضة، ضاق هامش الحركة أمام الأصوات الدَّاعية إلى نموذج ديموقراطي يستوعب التَّنوُّع القومي والثّقافي، لأنَّ منطق الاستقطاب الحادّ يدفع الجميع نحو خنادق الهويّة والانتماء الصّلب على حساب خطاب المواطنة الجامع والحلول التَّوافقيّة.

معادلة مؤلمة

الدَّكتور مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدّراسات أكّد في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، أنَّ ما يحدث في تركيا اليوم يُجسّد معادلة مؤلمة تعرفها كثير من الدّيموقراطيّات المُثقلة بأزمات قوميّة مزمنة، فاللحظات الأكثر ملاءمة تاريخيّاً لتحقيق السّلام كثيراً ما تشهد اضطراباً سياسيّاً، لأنَّ كلَّ طرفٍ يُدرك أنَّ السّلام إذا تحقّق، سيُعيد رسم موازين القوى الدّاخليّة بصورة لا يضمن فيها أحد موقعه. وهذا بالضّبط هو جوهر المأزق التّركي الرّاهن، فالجميع يتحدّث عن السّلام، لكن لا أحد مستعدّ لدفع ثمنه السّياسي الحقيقي.