باحثة: مبادرة السلام مرهونة بإرادة سياسية وإطار مؤسسي شامل
أطلق القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025، نداء السلام والمجتمع الديمقراطي، إلا أن الدولة التركية لم تتخذ حتى الآن أي خطوات جدية حيال وضعه. وترى الباحثة والأكاديمية المختصة في التاريخ الدكتورة سحر حسن أن “السيد عبد الله أوجلان يعدّ فاعلاً رمزياً وسياسياً مهماً في سياق المسألة الكردية، وكان له دور بارز في محطات سابقة في محاولات الحوار والسلام عام 2013”.
وأوضحت سحر حسن أن إتاحة مساحة للتواصل أو التعبير قد تسهم في تهدئة التوتر وفتح قنوات للحل، وخاصة في ظل تأثيره على قوات اجتماعية أو تنظيمية واسعة.
شروط يجب توفيرها
وأكدت سحر حسن أن نجاح أي عملية سلام لا يرتبط بشخص واحد، بل يتطلب توافر جملة من الشروط أبرزها: “وجود إرادة سياسية متبادلة بين الأطراف المختلفة، وإطار قانوني واضح يضمن استمرارية العملية، بالإضافة إلى مشاركة مجتمعية واسعة لا تقتصر على النخب أو القيادات، وبناء الثقة تدريجياً من خلال خطوات ملموسة على الأرض”.
وأشارت إلى أن تمكين شخصيات مؤثرة قد يشكّل عاملاً مساعداً، لكنه لا يُعد كافياً بحد ذاته، إذ تُظهر التجارب أن نجاح عمليات السلام يرتبط بتحولها من مبادرات فردية إلى مسارات مؤسسية شاملة، تشارك فيها الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني.
وترى أن تهيئة الظروف لأي دور إيجابي قد تشكّل جزءاً من الحل، لكنها تحتاج إلى أن تندمج ضمن رؤية أوسع وشاملة توازن بين مختلف الأطراف، وتتعامل مع جذور الصراع لا مع رموزه فقط.
وأوضحت بالقول: “في حالة المفكر أوجلان فإنه هو من طرح نداء السلام، وهو من حثّ الكرد على اتخاذ خطوات إيجابية في سيبل تنفيذ السلام، فصاحب المبادرة قد يكون الأقدر على الإلهام والتوجيه لأنه شخصية مؤثرة في مجتمعه”.
وفيما يتعلق بمدى تأثير غياب الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان على فرص التوصل إلى حل سياسي، ذكرت سحر حسن، أن غياب الحرية الجسدية لشخصية مؤثرة مثل القائد عبد الله أوجلان قد يضعف من فاعلية التواصل المباشر، ويجعل نقل الرسائل أو بناء الثقة أبطأ وأكثر تعقيداً، لكنه لا يجعل نجاح المفاوضات مستحيلاً، إلا أنه مهم لإنجاح وإسراع عملية السلام.
وأضافت أن تجارب تاريخية عديدة أظهرت أن المفاوضات جرت مع قادة معتقلين أو معزولين، وحققت تقدماً عندما توفرت قنوات اتصال، حتى وإن كانت غير مباشرة، إلى جانب ضمانات من الأطراف الفاعلة.
شروط نجاح السلام: إرادة سياسية ومسار مؤسسي شامل
ولذلك تشير إلى “أن نجاح أي مسار لا يرتبط فقط بالإفراج عن السيد أوجلان، بل يتطلب وجود قنوات موثوقة لنقل مواقفه، واستعداد جميع الأطراف للتعامل الجاد مع ما يُطرح، إضافة إلى إطار سياسي يسمح بتحويل التفاهمات إلى خطوات عملية”.
وترى أن تمكين التواصل المباشر في مثل هذه السياقات يُعدّ عاملاً مهماً في تسريع العملية وبناء الثقة، لكنه يبقى جزءاً من منظومة أوسع، إذ يرتبط نجاح المفاوضات أساساً بالإرادة السياسية المتبادلة، وبالاستعداد لتقديم تنازلات تدريجية من مختلف الأطراف.
وتشير إلى أن غياب الحرية الكاملة والتواصل المباشر يخلق عوائق حقيقية، لكنه لا يغلق الباب تماماً، وإن كان يجعل المسار أكثر صعوبة وتعقيداً بشكل كبير. وتؤكد أن ما يحسم الأمر في النهاية هو مدى جدية الأطراف وقدرتها على تحويل أي قناة تواصل، سواء أكانت مباشرة أم غير مباشرة، إلى مسار تفاوضي مستدام.
وفيما يتعلق بما إذا كان استمرار العزلة المفروضة على القائد عبد الله أوجلان يشكّل عائقاً أمام التوصل إلى حل سياسي وإرساء أسس المجتمع الديمقراطي، ترى الباحثة أن هذه العزلة تُعد عاملاً معقداً في مسار أي حل سياسي، لكنها ليست العامل الوحيد ولا الحاسم بمفرده. فالعزلة تحدّ من قدرته على التواصل المباشر، وصياغة رسائل واضحة، والتأثير الفوري في الأطراف المرتبطة به، وهو ما قد ينعكس سلباً على بناء الثقة وعلى سرعة التقدم في أي مسار تفاوضي، خاصة إذا كان له دور رمزي أو تنظيمي في القضية.
وتضيف أن غياب “المفكر عبد الله أوجلان، بوصفه منظّراً ومرجعية فكرية، قد يؤدي إلى تراجع وضوح الرؤية أو تعدد التفسيرات للمفاهيم المطروحة، إضافة إلى ضعف القدرة على توحيد الخطاب بين الفاعلين المختلفين، فضلاً عن بطء في اتخاذ القرارات الاستراتيجية داخل الحركات المرتبطة بفكره”.
وتخلص إلى أن استمرار العزلة قد يبطئ أو يربك المسار من حيث الرمزية والتوجيه، لكنه لا يمنع من حيث المبدأ إمكانية ترسيخ أسس المجتمع الديمقراطي، شريطة توفر بنية مؤسسية وإرادة جماعية حقيقية.
وحول ما إذا كانت حرية عبد الله أوجلان تُعد شرطاً أساسياً للبدء بعملية سلام جادة وفعّالة، ترى الباحثة أن هذا الطرح يحمل وجهاً من الأهمية، نظراً للدور الذي لعبه تاريخياً في إعلان مبادرات وقف إطلاق النار خلال فترات التهدئة في التسعينيات وما بعدها.
وتوضح أنه ينظر إلى السيد كقادر على التأثير في قواعد حزب العمال وبالتالي ضمان التزام أي اتفاق، غيابه أو عزله يضعف قنوات التواصل المباشر ويجعل التفاوض غير مكتمل أو غير مضمون. ومن ثم تُصبح المسألة مسألة محورية إذا كانت هناك رغبة جادة ومستدامة.
مشاركة القائد تعزز الشرعية
كما شددت الباحثة والأكاديمية المختصة في التاريخ الدكتورة سحر حسن، على أهمية مشاركة السيد عبد الله أوجلان بحرية في تحويل مبادرته إلى مسار سياسي عملي، مؤكدة “مشاركة عبد الله أوجلان بحرية يمكن أن يغيّر طبيعة المبادرة من خطاب فكري إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ. لكن أهميتها تختلف بحسب ما نقصده بـ “المشاركة والحرية.”
وأوضحت المقصود بالمشاركة بحرية “أن الأمر لا يقتصر على الإفراج الكامل، بل يشمل أيضاً تمكينه من التواصل المنتظم والشفاف مع الأطراف السياسية، وإمكانية إرسال واستقبال المبادرات بشكل مباشر، إلى جانب أداء دور واضح في مسار التفاوض أو الإشراف على مراحله، بما يعزز جدية العملية ويمنحها قابلية أكبر للتنفيذ”.
ونوهت إلى أن أهمية مشاركة السيد عبد الله أوجلان تكمن في تعزيز الشرعية والتأثير، إذ إنه داخل أوساط حزب العمال الكردستاني مرجعية قادرة على توجيه القرار. أي مبادرة تصدر عنه وتحظى بتواصل مباشر معه تكون أكثر قابلية للالتزام والتنفيذ، والقدرة على التحول الفكري إلى برنامج سياسي، متابعة بالقول: “أوجلان قدّم أفكاراً حول المجتمع الديمقراطي وحل القضية الكردية سياسياً، لكن تحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية (وقف إطلاق نار، آليات نزع السلاح، إدماج سياسي) يحتاج تفاعلاً مباشراً، لا مجرد رسائل متقطعة”.
وأكدت أن وجوده في وضع يسمح بالتواصل المنتظم مع الأطراف المختلفة (سياسيين، وسطاء، ممثلين عن المجتمع) يخلق حداً أدنى من الثقة بأن العملية ليست شكلية”.
وفي الختام، قالت سحر حسن إن هذه المشاركة “وإن لم تكن شرطاً مطلقاً، فإن غيابها يضعف فرص الوصول إلى نتائج مستقرة، إذ تبقى مسألة تنفيذ الاتفاق وضمان الالتزام مرتبطة بمدى قدرته على التأثير والتواصل”. وتخلص إلى أن “مشاركته تمثل رافعة أساسية لإنجاح أي عملية سلام، حتى وإن كان بالإمكان البدء من دونها، لكن الوصول إلى نتائج مستدامة يظل صعباً في ظل استمرار عزله”.
الدكتورة سحر حسن باحثة مصرية وأكاديمية مختصة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، كما تعمل أستاذة مساعدة في قسم التاريخ بـ جامعة أكاديميون العالمية، وتُعرف كخبيرة في تاريخ الإعلام ومديرة تحرير مجلة مصر الحديثة، ولها حوارات ومقالات رأي في وكالات أنباء حول قضايا تاريخية وسياسية ولها العديد من المؤلفات والندوات.