للمبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان: حوار فكري وسياسي مع الدكتور معتز صلاح الدين
الكاتب الصحفي المصري | رئيس تحرير بوابة المرأة العربية | مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط بنورث كارولينا
السؤال الأول : الجذور الفكرية والتحول الاستراتيجي
كيف تفسر تحول القائد أوجلان من فكرة “الدولة القومية” إلى رفضها كلياً؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
التحولات الكبرى في تاريخ الفكر السياسي لا تحدث في قاعات الجامعات، بل تحدث في الزنازين والمنفى … ما جرى للسيد عبد الله أوجلان في سجن إيمرالي لم يكن مجرد تغيير في التكتيك، بل كان إعادة بناء
كاملة لفهمه للإنسان والسلطة والحرية.
حين قرأ أوجلان موراي بوكشين وجد ضالته الفكرية: نقد جذري للدولة لا يصدر عن فوضوية عدمية، بل عن رؤية تشاركية للمجتمع.
الماركسية-اللينينية كانت تعده بدولة بديلة، لكن بوكشين أقنعه أن الدولة ذاتها — أي دولة — هي الأداة التي تُكرّس الهيمنة وتُعيد إنتاجها. ما استفزّه حقاً في الدولة القومية هو أنها بطبيعتها آلة إقصاء: إقصاء المرأة، إقصاء الأقلية، إقصاء المختلف. والكرد، بوصفهم مُقصَى تاريخياً بامتياز، كانوا أكثر الناس قدرة على استيعاب هذا النقد بعمق وجداني لا مجرد نظري.
لذلك لم يكن التحول هروباً من هزيمة عسكرية، بل كان — على الأقل بوصفه مشروعاً فكرياً — إدراكاً أن بناء دولة كردية جديدة على الطراز التركي أو الإيراني لن يحرر الكرد، بل سيجعلهم سجّانين جدداً بلغة أخرى.
السؤال الثاني : “الأمة الديمقراطية” مقابل “الدولة القومية”
هل نموذج “الأمة الديمقراطية” حل عملي أم طوباوية سياسية؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
سؤال محوري يكشف التوتر العميق بين الفلسفة السياسية والواقع الجيوسياسي القاسي.
لا أستطيع أن أكون مجاملاً هنا: النظام الدولي القائم اليوم مبني على الدولة القومية بوصفها الوحدة الأساسية للشرعية والاعتراف والحماية. الأمم المتحدة، القانون الدولي، المعاهدات، الحدود — كلها تفترض هذا النموذج. فكرة “أمة بلا دولة” لا تملك حتى الآن آليات تحمي بها نفسها حين تقرر أنقرة أو دمشق القضاء عليها.
لكن في الوقت ذاته، لو نظرنا إلى الشرق الأوسط الذي أنجب خمس دول فاشلة أو شبه فاشلة في عقدين، لوجدنا أن الدولة القومية ذاتها باتت طوباوية بمعنى آخر: طوباوية الاستقرار والتنمية والمواطنة المتساوية التي وعدت بها ولم تفِ.
رأيي أن مشروع “الأمة الديمقراطية” هو أكثر من مجرد حلم، لكنه أقل من مشروع قابل للتطبيق المستقل. إنه أجدى ما يكون حين يُقرأ كمنهج حكم محلي، كطريقة لتنظيم التعددية داخل حدود قائمة، لا كبديل كامل للدولة في النظام الدولي. التجربة الفيدرالية في أوروبا أو نموذج الحكم الذاتي في جنوب تيرول أقرب إلى الواقعية من رفض الدولة كلياً.
السؤال الثالث : “ثورة المرأة” شرطاً أساسياً للمجتمع الديمقراطي
كيف تنظر إلى ربط القضية الكردية بتفكيك البطريركية؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
هذا ربما أعمق ما أسهم به أوجلان، وهو في الوقت نفسه أكثر ما أثار الجدل حوله.
الربط ليس اعتباطياً ولا دعائياً. أوجلان انطلق من ملاحظة فلسفية جوهرية: أقدم نظام هيمنة في التاريخ البشري ليس الرأسمالية ولا الاستعمار، بل هيمنة الذكر على المرأة. وهو يرى أن كل أشكال السلطة والاستغلال اللاحقة إنما نسخت هذا النموذج وكرّسته. لذلك لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي يُعيد إنتاج بطريركيته.
عملياً، جعل هذا الرؤيةَ أكثر شمولاً لأنه استقطب حلفاء من خارج القومية الكردية: ناشطات حقوق المرأة، الحركات التقدمية في الغرب، المنظمات غير الحكومية الدولية. وحدة المرأة في روجافا أعطت الحركة بُعداً إنسانياً وإعلامياً فريداً حتى وسط الغرب الذي كان شريكاً في الضغط على تركيا.
لكن من ناحية أخرى، أبعد هذا التوجهُ شرائحَ محافظة داخل المجتمع الكردي ذاته، فضلاً عن تعقيد أي تحالفات مع فصائل في المنطقة ترى في هذا الخطاب هجوماً على منظومتها القيمية. بمعنى آخر: كسب الحركةُ صداقات في برلين وأمستردام، وخسرت بعض الجسور مع قواها المحلية الأكثر تقليدية.
السؤال الرابع : روجافا — بين النظرية والتطبيق
هل نجحت تجربة روجافا في إثبات قابلية الكونفدرالية الديمقراطية؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
روجافا واحدة من أندر التجارب السياسية في القرن الواحد والعشرين: مشروع فكري طوباوي يُختبر في ظروف أقسى ما يكون — حرب أهلية، وحصار اقتصادي، وعدوان تركي متكرر، وإرهاب داعش.
ما نجحت فيه التجربة بصدق: المجالس الشعبية التعددية التي ضمّت كرداً وعرباً وسرياناً، ونماذج من الاقتصاد التعاوني في الزراعة، ومستوى غير مسبوق من التمثيل النسائي في المؤسسات. هذه إنجازات حقيقية لا يمكن تجاهلها.
لكن الإشكاليات عميقة أيضاً: الاعتماد شبه الكلي على الدعم العسكري الأمريكي جعل المشروع رهينة للحسابات الاستراتيجية لواشنطن، وهو ما رأيناه بوضوح حين تخلّت إدارة ترامب عن الأكراد في عفرين 2018 وبعدها. كما أن غياب أي اعتراف دولي يبقي المنطقة في وضع قانوني هش.
الحقيقة المُرّة: روجافا أثبتت قابلية المشروع في ظروف الفوضى وحين توافر لها غطاء عسكري خارجي. لكنها لم تثبت بعد قدرتها على البقاء والازدهار في سياق سلام مستدام وبلا رعاية خارجية. السؤال الحقيقي ليس هل ينجح المشروع في الحرب، بل هل يصمد في السلام؟
السؤال الخامس : “الاندماج الديمقراطي” في تركيا وتطبيقه في سوريا
هل اقتراح التخلي عن الاستقلال مقابل حقوق موسّعة هو مخرج واقعي؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
هذا السؤال يجمع مشهدَين مختلفَين ينبغي التمييز بينهما.
في تركيا: المقترح نظرياً معقول، وقد وُجد له سابقة تاريخية في مفاوضات عملية السلام بين 2013 و2015. لكن الواقع السياسي التركي الراهن يجعله مجمّداً. الدولة التركية، في ظل بنيتها الدستورية الحالية وهيمنة الخطاب القومي، ترى في أي كيان سياسي كردي منظّم تهديداً وجودياً لا شريكاً. ولن يتغير هذا الموقف — في تقديري — إلا بتحولات داخلية تركية عميقة أو بضغط أوروبي-أمريكي منسجم، وكلاهما غير مرجّح في المدى المنظور.
في سوريا: المشهد مختلف ومتحرك. سقوط نظام الأسد فتح فضاء نظري لإعادة التفاوض على صيغة الحكم السوري. الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تتفاوض اليوم مع دمشق الجديدة من موقع صاحب حضور فعلي على الأرض، ليس من موقع الطالب للحقوق من الصفر.
الإيجابيات: تجربة مؤسسية حقيقية، تعددية نسبية، وشراكة عملية مع واشنطن تمنحها ورقة ضغط.
التحديات: العلاقة مع تركيا المتربصة، التوتر مع الفصائل المسلحة ذات التوجه الإسلامي، الملف الكردي-العربي داخل المناطق ذاتها، وغياب أي مرجعية قانونية دولية تضمن حقوقها في تسوية نهائية.
السؤال السادس : حق الأمل — حرية القائد عبد الله أوجلان
بعد كل هذا النضال وطرح قضايا الإنسانية، ألا يجب اتخاذ خطوات جدية نحو تحقيق حرية القائد؟
الدكتور معتز صلاح الدين:
أتوقف هنا بوصفي صحفياً قبل أن أكون محللاً سياسياً.
عبد الله أوجلان يقضي في العزل الانفرادي شبه الكامل منذ عام 1999، ما يمثّل واحدة من أطول حالات العزل الانفرادي الموثّقة في تاريخ السجون الأوروبية. هذا الأمر أثار موجات متكررة من القلق لدى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، ولدى مجلس أوروبا، وهيئات حقوق الإنسان الدولية.
بمعزل تام عن موقف المرء من أفكاره أو مسيرة حزبه، يظل الحديث عن امتداد العزل الانفرادي لعقود مسألةً ذات بُعد إنساني وقانوني صريح لا يجوز تجاهله.
على الصعيد السياسي: الإفراج عن أوجلان أو تحسين ظروفه بشكل جوهري يمكن أن يكون ورقة تفاوضية حقيقية في أي مسار سلام تركي-كردي جاد. بعض المفاوضين الأتراك أدركوا هذا في مرحلة سابقة. الأسرى والرموز المعتقلون كانوا دائماً في تاريخ النزاعات جسوراً للحل حين توافرت إرادة سياسية حقيقية.
أقول بوضوح: الإبقاء على قائد متقدم في السن في عزل شبه تام لا يُضعف فكرته، بل يمنحها زخماً رمزيا … الأفكار لا تُهزم بالسجن، وتاريخ الفكر السياسي يشهد على ذلك من غرامشي إلى مانديلا.
الخطوة الجادة المطلوبة هي: إشراك الوسطاء الأوروبيين، تفعيل دور مجلس أوروبا، والانطلاق من الحد الأدنى الإنساني المتفق عليه — تحسين ظروف الاحتجاز والسماح بزيارات منتظمة — كخطوة أولى قابلة للتحقق، بعيداً عن الخطاب الانفعالي في كلا الاتجاهين.
الأمل حق إنساني. والإفراج عن المعتقلين السياسيين حين تتوافر ظروف السلام ليس ضعفاً، بل هو الشجاعة السياسية التي تميز الدول الراسخة