المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

دوران كالكان: المرحلة الراهنة تمثّل مرحلة تغيير وتحوّل

19

تحدث عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية، دوران كالكان، في برنامج خاص على قناة “مديا خبر”، عن الهجمات الأيديولوجية ضد حركة التحرر الكردية، والحرب الدائرة بين الولايات المتحدة – إسرائيل وإيران، بالإضافة إلى تطورات عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.

وفيما يلي نص المقابلة:

* عند النظر إلى التقييمات العامة للعملية، يُشار إلى أن حركة التحرر قد أوفت بالمهام الملقاة على عاتقها، إلا أن هناك خطوات لم تُتخذ بعد، ما يثير تساؤلات حول أسباب تأخر تنفيذ هذه الإجراءات.

أحيي في العام الثامن والعشرين مقاومة إمرالي التاريخية، والقائد آبو. وفيما يتعلق بالعملية، فقد أدلى القائد آبو أيضاً بتصريحاتٍ بمناسبةٍ يوم الثامن آذار وعيد نوروز، وأوضح موقفه، وطرح مطالبه، وتحدث عما يجب القيام به. كما أن حركتنا أوفت بما يقع على عاتقها، وتعاملنا مع هذه العملية من الناحية الأيديولوجية والاستراتيجية. نحن في حالة تغيير وتحوّل، وسنستمر في ذلك، كما أكد القائد آبو. ولا عودة عن هذا المسار بالنسبة لنا. سنواصل التغيير، وسندفع تركيا أيضاً نحو التغيير الديمقراطي، ومن يعارض ذلك سيخسر. نحن مصممون على ذلك. ورغم أننا قمْنا بما تتطلبه هذه العملية، مثل حل الحزب، وإنهاء الكفاح المسلح، ووجود ممارسات مختلفة على الأرض، إلا أنهُ يُقال إن بعض المسائل، مثل موقف التنظيم، لم تتضح بعد. لكن هذا الطرح لا يعكس الحقيقة. ينبغي التعبير بوضوح أن المشكلة تنبع جزئياً من السلطة الحاكمة؛ إذ يظهر نوعٌ من عدم الفهم، فتارةً يقولون لا حاجة للاستعجال، وتارةً يُطالبون بالإسراع، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار، ويظهر أنهم لا يتعاملون مع العملية باستراتيجيةٍ واضحةٍ، مقابل اعتماد مقاربات يومية تكتيكية وسياسية، بالطبع، مقاربة من هذا النوع غير صحيحة.

لكن هذا الوضع يحمل مخاطر. فالأحداث الجارية في الشرق الأوسط واضحة، كما أن تداعيات الحرب العالمية الثالثة المستمرة منذ 35 عامًا باتت ظاهرةً. إلى أي حالة وصل الوضع الراهن في نظام الدولة القومية؟ فمنذ عهد صدام وحتى اليوم، تعرضت هذه الأنظمة لتآكل واضح. وما الذي آلت إليه أنظمة الدولة القومية منذ عهد صدام حسين إلى اليوم؟ في الواقع، كانت الدولة التركية من مؤسسي هذا النظام ورواده. بمعنى أن هيمنة أنظمة الدولة القومية، التي يُراد اليوم إسقاطها، قد بُنِيَتْ عبر تركيا. فقد كانت تركيا النموذج الأول، فيما جاءت بقية الدول كنسخٍ منها، ومن بينها إيران، وتركيا نفسها تسير في الاتجاه ذاته. إذ إن تركيا موجودةٌ أصلاً في صلب هذه الأحداث، لكن تجاهل هذه الحقيقة ومحاولة الاستفادة من السياسات اليومية يُعد خداعاً كبيراً للذات، وهذا يعني أن طبيعة الصراع لا تُفْهَمْ بشكلٍ صحيحٍ، وبالتالي لا يتم إدراك حجم الخطر. ويُقال: إن هناك تخطيطاً يمتد لـ 50 إلى 100 عام، لكن في الواقع لا يوجد شيء من هذا القبيل، فكل شيءٍ يجري وفق مصالح السياسة اليومية. وبالتأكيد، هذا نهج خاطئ، ولن يفيد حتى أصحابه.

وعلاوة على ذلك، فإن مجتمعات تركيا سيتكبدون أضراراً كبيرة من هذا الوضع. وإذا لم يتغير هذا الواقع، ولم يتحقق التغيير والتحول الديمقراطي في تركيا، ولم تتحوّل الجمهورية إلى جمهورية ديمقراطية، ولم يُمهّد الطريق أمام الاندماج الديمقراطي، ولم تُتخذ القرارات القانونية على أسس ديمقراطية، فإن الاستمرار بعقلية القرن الماضي لقرنٍ آخر يُعدّ نهجاً خاطئاً. ويبدو أن هناك توجهاً نحو الاستفادة من الحرب في إيران، عبر انتظار نتائجها على أمل أن تفتح فرصاً جديدةً. في حين تؤكد السلطة التركية دائماً أنها تقف إلى جانب الفقراء والمظلومين، لكن الواقع يُظهر عكس ذلك، إذ تنحاز إلى الطرف الأقوى وتسعى للتفاهم معه. فقد كان حزب البعث وإيران معارضَين إلى حد ما للصهيونية، لكن كان لديهما معايير معينة، بينما في تركيا لا يوجد حتى هذا الحد الأدنى، أي لم تعد هناك أي ضوابط أخلاقية. فهي بهذا المستوى. ففي هذه المرحلة، يتم تصوير الأمور وكأنها في حالة حرب مع الجميع، لكن الواقع ليس كذلك؛ إذ تُعقد تفاهمات خلف الكواليس مع مختلف الأطراف. وفيما يخص سوريا، جرى تفاهم مع إسرائيل، حيث تفاهموا في 4 كانون الثاني خلال الهجوم على شمال وشرق سوريا، ويتم إخفاء ذلك عن الرأي العام.

وفي السابق، كان من الممكن تقييد وصول المعلومات، لكن اليوم لم يعد ذلك ممكناً، فهل من الممكن الآن إخفاء الأمور!؟ لأن الجميع بات يمتلك مصادر متعددة للمعلومات، يجب على مجتمع تركيا ألا ينخدع بالإعلام، لأن الحقيقة مختلفة تماماً عما يُنشر ويُكتب، وهناك حرب نفسية تُدار بشكلٍ ممنهجٍ ضد المجتمع بهدف إخفاء الحقائق. كما أن هناك نهج قائم على حسابات دقيقة، حيث يمارسون السياسة وفق تطور مسار الحرب، وربما كانت هذه الحسابات مجدية في القرن الماضي، لكن إذا اعتقدوا أنها مجدية مرةً أخرى، فإنهم يخدعون أنفسهم بذلك. لأنه إذا لم تفِ بالغرض هذه المرة، فإن التكلفة ستكون باهظةً. وهذا ليس تهديداً، بل توصيف للواقع كما هو، إذ كان الأمر كذلك في السابق أيضاً. ولكي يتعرف الرأي العام والمجتمع على أفكارنا، قمنا بالتعبير عنها بصراحةٍ. ودارت نقاشات كثيرة، لكن لا يتم إجراء نقاشات صحيحة وكافية. وباختصار، كنا ننتظر مقاربة استراتيجية، وهذا هو ما ينتظره الرأي العام. فالجميع ينتقدنا، والضغط علينا كبير، وتأتينا الانتقادات من جهات متعددة. ينبغي اتخاذ خطواتٍ قانونيةٍ واضحة. وقد أعلن القائد آبو المرحلة الثانية من العملية، وبالتالي يجب تنفيذ متطلبات المرحلة الثانية.

وقد قمنا بتنفيذ ما يقع على عاتقنا من مسؤوليات في هذه المرحلة ونواصل تنفيذه، لكن في المقابل هناك دائماً مماطلة وإشغال متعمد للوقت وتأخير من الطرف الآخر. وبعد ذلك، تُشن حرب نفسية عبر وسائل الإعلام، من خلال الترويج ’سوف يستسلمون، وتركيا تحرز تقدماً بلا إرهاب، وسنُصدر قانوناً وسيأتون جميعاً، سيأتون واحداً تلو الآخر…‘ أي أن الكثير من الأقوال تُطلق بهذه الطريقة. هؤلاء يستفزون الناس. لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا. يجب منع هذه الحالة. نعم، الجميع ينتظر القوانين. فرئيس البرلمان يتحرك في خضم هذه العملية. إذ كان هناك أيضاً تقرير من اللجنة. يجب أنْ تكون هناك قوانين لجعل تركيا ديمقراطية. وهذا سيمهّد الطريق للسياسة الديمقراطية. وسيؤدي إلى الاندماج الديمقراطي. بعبارة أخرى، ليس لدينا مشكلة في هذا الصدد؛ نحن مستعدون للتغيير والتحول. ومع ذلك، هناك أمور يجب على الطرف الآخر القيام بها، وهذه الأمور ليست في أيدينا. ما المطلوب في هذا الصدد؟ نعم، يجب مناقشة الأمر أكثر، وهناك حاجة إلى مزيد من النضال؛ أي أن النضال كان وسيظل يُحظى بالأهمية.

ولا بد من التأكيد مجدداً؛ القائد آبو ما يزال محتجزاً ضمن نظام التعذيب في إمرالي. وكان ينبغي الإفراج عنه منذ وقت طويل، وهذا أيضاً أمر قائم على أساس قانوني. وهناك تساؤلات تُطرح حول ما إذا كان سيُمنح “حق الأمل” أم لا، لكن الواقع الحالي هو وضعٌ غير قانوني ويجب تغييره. وينبغي أن يتمكن القائد آبو من العمل في ظروفٍ حرةٍ على الفور. ولا يوجد أمر آخر في الخارج لدفع هذه العملية إلى الأمام. الجميع يقول ذلك، وكذلك القائد آبو أوضح هذا الأمر، ونحن بدورنا أكدناه مراراً. كما أن قرار مؤتمرنا كان بهذا الاتجاه. صحيح أننا اتخذنا القرار، لكننا أوضحنا بجلاء أن القدرة على التنفيذ بيد من يكون. لقد أظهرنا موقفنا بوضوح منذ البداية؛ ما يمكننا فعله وما لا يمكننا فعله. المهام التي يجب على القائد آبو القيام بها، كيف سننفذها؟ هذا غير ممكن. على أولئك الذين يريدون أن تمضي العملية قدماً أن يتخلوا عن مقولة ’هل سيأتون من الجبال واحداً تلو الآخر…؟‘، وماذا سيكون وضع القائد آبو؟ وهل سيتمكن القائد آبو من الوصول إلى ظروف العمل والحياة الحرة أم لا؟ هذه هي المشكلة. فهذا الأمر سيفتح الطريق أمام كل شي. إذا فعلوا ذلك، فسوف يفتحون الطريق أمام العملية، وسيصبح مستقبل تركيا مشرقاً. وإذا لم يفعلوا ذلك، فستحدث كل أنواع الأمور الخطيرة. ولا نعرف ماذا سيحدث، لكن الأمور الجيدة لن تحدث. المصدر الوحيد للأمور الجيدة هو أن القائد آبو ظروف العمل والحياة الحرة.

يرى المجتمع الكردي، ولا سيَّما النّساء، هذا الخطر القائم. وعلى هذا الأساس، يجري تنظيم الأنشطة والفعّاليّات. ففي التّاسع عشر من هذا الشّهر، ستنظَّمُ مسيرةً في كمليك. كما تولوا رعاية وقياديَّة الفعّاليّات والأنشطة الّتي سبقت ذلك. ما الّذي تودون قوله بهذا الصّدد؟

جميع الكرد يرون ذلك، وكذلك كافة شرائح المجتمع. وبالطّبع، النّساء أكثر حساسيّة تجاه هذا الأمر. لكن ليس الكرد وحدهم، بل كلّ من يريد ترسيخ الدّيمقراطيّة في تركيا يراه ويعبّر عنه، ويكتب ويناقشه. والعالم كلّه يراه كذلك. فاليساريون، والاشتراكيون، والأكاديميون، وأوساط العمال والكادحين والنّقابات جميعهم يرونه بوضوح. ومنذ 10 تشرين الأول 2023 وحتّى اليوم، هناك حملة مستمرَّة من أجل حرّيّة القائد آبو وحلّ القضيّة الكرديّة، وقد طوّرها الرّأي العام الاشتراكي والدّيمقراطي، ولا تزال هذه الحملة مستمرّة. ما أريد قوله هو أنَّ الجميع يرى الحقيقة ويُظهر موقفه، وهذه المواقف تزداد يوماً بعد يوم. أيّ أنَّ الجهات الّتي يفترض أنْ تتعامل مع هذه المسألة بحذر، غالباً ما تتجاهلها. حيث هناك من يرى هذه الحقيقة في الأوساط السّياسيّة أيضاً، وعددهم كبير. ومعظم أحزاب المعارضة ترى ذلك أيضاً. وفي الواقع، حتّى أوساط السّلطة تتحدَّث عنها. فرئيس حزب الحركة القوميّة دولت بهجلي يتحدَّث بشكلٍ جيد ويطرح أموراً جيدة، بمعنى أنَّهُ لا يمكن للمرء رفض ما يقوله، لكنَّ المشكلة أنَّ ذلك لا ينعكس عمليَّاً على أرض الواقع ولا يتمُّ تطبيقه. وكذلك رئيس الجمهوريّة رجب طيب أردوغان أحياناً يدلي بتصريحات مهمّة، لكنَّها تبقى مجرد أقوال. وفي المقابل، هناك بعض المتحدثين باسم حزب العدالة والتّنمية تكاد ألسنتهم تقطر سمّاً. وكأنَّهم أقسموا أنْ يكونوا أعداء الكرد، أو عناصر في حرب خاصة، جرى وضعهم فقط لاستفزاز الكرد والأوساط الدّيمقراطيّة. لا حاجة لذكر أسمائهم، فالجميع يعرفهم ومن يكونون، وعلى أيّ حال هم حاضرون باستمرار في وسائل الإعلام.

في الوقت الحالي، لا توجد خطوات عمليّة على أرض الواقع، ولا مقاربة استراتيجيّة، ولا موقف واضح، ولا إرادة سياسيّة لفتح الطّريق أمام هذه العمليّة. فما هو موجود وحاضر فقط مقاربة تكتيكيّة مؤقتة، وهذا سيجلب الكارثة لتركيا، وقد أكّدْنا ذلك مراراً وتكراراً. في المقابل، يواصل المجتمع تحركاته. حيث يوافق غالبيّة المجتمع الكردي بنسبة كبيرة جداً على دعوة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي الّتي أطلقها القائد آبو في 27 شباط 2025، وأبدى تمسكه لها. وفي 8 آذار، أظهرت النّساء هذا الأمر بوضوح، وفي عيد نوروز عبّر الملايين من المجتمع الكردي في مختلف أنحاء العالم عن موقفهم، معلنين أنَّ نوروز هو نوروز حرّيّة القائد آبو، وكأنَّ ذلك بمثابة استفتاء شعبي. ورأى الجميع حجم الدّعم الشّعبي الكبير للقائد آبو، وفي الحقيقة لا يوجد استفتاء أكبر من ذلك. ولم يقتصر الأمر على بعض الاحتفالات فقط، بل سبقت ذلك أيضاً فعّاليّات عديدة. كما نُظّمَت فعّاليّات بروح الوحدة الوطنيّة دعماً لـ روج آفا، ولا تزال هذه الفعّاليّات مستمرّة حتّى الآن.

فالنّساء أكثر حساسيّة تجاه السّلام، لأن السّلام يفتح الطّريق أمام حرّيّة المرأة. ففي الحروب، تكون النّساء والأطفال الأكثر تضرّراً، وهذا أمر يعترف به الجميع. لذلك، فإنَّ دعوة ومانيفستو السّلام هما في جوهرهما دعوة ومانيفستو المرأة. وكذلك المجتمع الدّيمقراطي هو مجتمع كومونالي وحُر، ويمثّل المجتمع الكومونالي للمرأة. ولهذا تتولى المرأة الرّيادة في خوض النّضال من أجل بناء المجتمع الدّيمقراطي، وهذا ينطبق على كلّ مكان. وكما أنَّ ثورة ’المرأة، الحياة، الحرّيّة‘ الّتي انطلقت من كردستان وانتشرت في كلّ مكان، فإنَّ تأثيرها اليوم يتزايد أكثر، وتتقدّم كثورة نسوية. أما مسيرة كمليك، فهي حلقة ضمن هذا المسار المخطّط له. فاليوم مسيرة كمليك، وغداً مسيرة أنقرة، وبعدها مسيرة إسطنبول؛ فالنّساء الكرديات لا يتوقفْنَ أبداً. حيث كنّ دائماً في خضم الفعّاليّات، وطالبْنَ بالحرّيّة الجسديّة للقائد آبو. وقد عبّرن بوضوح في السّاحات أنَّ حرّيّة القائد آبو تعني حرّيّة المرأة، والشّعب الكردي، والإنسانيّة جمعاء. ولا شكَّ أنَّ المجتمع والنّساء سيواصلون نضالهم بشكلٍ أكبر. يجب أنْ نفهم هذه العمليّة كعمليّة نضال، وأنْ نكثف جهودنا. وكلّ هذه الأنشطة تندرج ضمن الإطار الدّيمقراطي. وعلى هذا الأساس، أحيّي مسيرة كمليك.

في مرحلةٍ كهذه يجري الحديث فيها عن السّلام وتُقام الفعّاليّات لتحقيقه، نلاحظ تزايد حدَّة الهجمات العنصريّة. كيف يمكن فهم ذلك، وما هي سبل الحل؟

في الوقت الحالي، هناك صعود للنّزعة القوميّة في تركيا، ويمكن ملاحظة هذا الواقع. إذ نرى أنَّ المرحلة الرّاهنة هي مرحلة تحوّل وتغيير. بمعنى أنَّ القرن الماضي أصبح الآن جزءاً من التّاريخ. فهناك من يصفه بقرن الثّورات، لكنَّ إذا نُظِر إليه من منظور الكرد، فإنَّهُ في الحقيقة كان قرن ارتكاب المجازر. أيّ أنَّ كلَّ طرفٍ يقيّمه وفق رؤيته الخاصة.

غير أنَّ بعض الأطراف استفادت من هذا الواقع؛ وعلى وجه الخصوص، النّزعات الفاشيّة والقوميّة والعنصريّة والشوفينيّة التّركيّة الّتي تحوّلت إلى قوة مؤثرة. فقد تمكّنت هذه القوى من السّيطرة على العديد من مواقع الإدارة في تركيا، وشكّلت دوائر نفوذ داخل الدّولة، تستفيد من استمرار الصّراعات. واليوم، ومع إدراك هذه الأطراف أنَّ المرحلة هي مرحلة تغيير وتحوّل، لم يعد بإمكانها الاستمرار كما في السّابق. فهي تجد نفسها أمام وضع قد تُضطر فيه إلى تقديم الحساب، وتخشى مواجهة تبعات القرن الماضي. لذلك، تَتَّخذ موقفاً متشدَّداً ضدَّ السّلام والتَّحوُّل الدّيمقراطي، وتهاجم بشدَّةٍ كلَّ من يتحدَّث عن السّلام والدّيمقراطيّة، دون الالتزام بأيّ معايير. بعبارة أخرى، هذه هي حالهم. يعني هذه القوى الّتي استفادت سابقاً من الأوضاع القائمة على الاستعمار والنّزعة القومية، تخشى اليوم فقدان تلك الامتيازات ومحاسبتها، ولذلك تسعى جاهدةً إلى عرقلة هذه العمليّة ومنع حدوثها.

عندما يتحدَّث المرء عن النّزعة القومية الكرديَّة، نعم، فإنَّ جزءاً منها برز نتيجة للواقع في روج آفا. فبعض الأطراف كانت تقول: إنَّ حزب العمال الكردستاني قد حلّ نفسه، فهل ستبقى هذه القيم دون من يتبنّاها؟ وهل يمكن لنا أنْ نمتلكها وما إلى ذلك؟ وهناك من أراد استغلال هذا الوضع لتحقيق مكاسب شخصيّة، أيّ الحصول على نصيب من هذه المعادلة. فهناك بالفعل أشخاص انتهازيون يسعون وراء مصالحهم. وأحد أوجه النَّزعة القومية الكرديّة هو هذا النّزوع المصلحي. إذ يُقال أحياناً إنَّ ’الأحداث الّتي جرت في شمال وشرق سوريا منذ شهر كانون الثّاني أظهرت أنَّ نظريَّة القائد آبو لم تُطبَّق عملياً ولم تنجح، وأنَّ مشروع الأمّة الدّيمقراطيّة لم يتحقّق، فما الّذي يجمع الكرد مع العرب أو الأتراك أو غيرهم؟ فليس للكرد أصدقاء سوى الكرد‘. أيّ أنَّهُ بهذا الشّكل تُشنُّ الهجمات على مبدأ الأخوّة والتّحالف بين الشّعب الكردي وباقي الشّعوب. وهذه الأطراف أيضاً تحاول الاستفادة من هذا الوقف. ولذلك، ينبغي على المجتمع الكردي بأسره أنْ يكون على قدر عالٍ من الوضوح إزاء هذه المسألة. فالنّزعة القوميّة تُعدُّ الخطر الأكبر وأشدّها ضرّراً.

إذا جعلوا من الكرد أعداءً للشّعوب الأخرى، فإنَّ ذلك سيلحق أكبر الضّرّر بالكرد أنفسهم. لأنَّ الكرد عندما لم يتمكًنوا من إقامة تحالفات مع الشّعوب الأخرى في السّابق، لم يحقّقوا النّجاح. وبسبب اعتمادهم على الولايات المتّحدة الأمريكيّة وبريطانيا وغيرها، تعرّضوا لما تعرّضوا له. لذلك يجب النّظر بدقَّة إلى من استفاد ومن خسر. فاليوم، يتم نقاش تجربة روج آفا، وقد تطرّقنا إلى ذلك سابقاً، وسيُناقش هذا الموضوع بشكل أوسع مع تقدّم المرحلة، وسنستخلص الدروس. فالكرد في روج آفا، لأنّهم أقاموا علاقات مع العرب والتركمان والأرمن والسّريان والشّركس، وتمكّنوا من تطوير مشروع الأمّة الديمقراطيّة شرق الفرات، لم يخسروا هناك. لكن لأنّهم لم يوسّعوا هذا النهج إلى غرب الفرات، وإلى دمشق وحلب، ولم يعمّموه على كامل سوريا، فقد واجهوا هذه النتائج وتعرّضوا للخسارة. لذلك، لا ينبغي للمرء انتقاد مبدأ وحدتهم وتحالفهم مع الشّعوب الأخرى، بل يجب التساؤل عن سبب إبقاء هذا التحالف محدوداً. فالوضع الذي أدّى إلى خسارة الكرد في روج آفا كان هذا الوضع. في حين كان ينبغي لهم تعميم خطّ الأمّة الديمقراطيّة على كامل سوريا، من حلب إلى دمشق، بل وألّا يظل محصوراً في سوريا فقط، بل أن يمتد إلى كامل المنطقة العربيّة. فالخطوة التي كانت ستمنح الكرد مكاسب حقيقيّة هي تحويل ثورة شمال وشرق سوريا إلى ثورة إقليميّة، وهذه الخطوة لم تُتخذ. لذلك، ينبغي للمرء أن يتحلّى باليقظة والانتباه.

كما يجب أن يكون الكرد شمال كردستان أيضاً على درجة عالية من اليقظة، وألّا يمنحوا ثقتهم لبعض الرّوابط السياسيّة أو لبعض القوى داخل الدّولة دون تفكير. وعليهم أن يدرسوا جيّداً ما إذا كان بإمكانهم بناء تحالف استراتيجي قائم على “الجمهورية الدّيمقراطيّة” والأخوّة مع شعوب تركيا أم لا. كما أنّ الوضع في جنوب كردستان قائم أمامنا وظاهر للعيان. ما الذي حدث؟ كانت المنطقة الممتدّة من كركوك إلى العديد من المناطق الأخرى ضمن إدارة جنوب كردستان، ألم يخسروا نصف مساحة جنوب كردستان في ليلة وضحاها؟ لم يُقدَّموا أيّ إسهام لا في ترسيخ الديمقراطيّة الكردياتيّة في جنوب كردستان ولا في ترسيخ الديمقراطيّة في العراق، ورغم مرور 30 عاماً، ما زالوا يواجهون الخوف من الزوال، وعلى وجه الخصوص، يجب على الكرد في شرق كردستان أيضاً أن يستخلصوا الدّروس من هذا الواقع، فإذا رأوا الحريّة في ترسيخ الديمقراطيّة في إيران، عندها فقط يمكنهم تحقيق النّجاح، وإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم على الأقل أن يتعلّموا من تجارب الأجزاء الأخرى. وكذلك يجب أن يستخلصوا الدّروس من مستقبل شرق كردستان نفسه، لأنّ ما حدث هناك يحمل نفس الدّروس. أي أنّ النزعة القوميّة الضيّقة دائماً ما تؤدّي إلى الخسارة.

لقد خسر الكرد بسبب النزعة القوميّة الضيّقة، لكنهم لم يخسروا بسبب الصّداقة والعلاقات والأخوّة مع الشعوب الأخرى، بل على العكس، أحرزوا دائماً تقدّماً بفضل هذه الصّداقة مع الشّعوب. وكانت “كونفدرالية مد” على هذا الأساس. وكذلك سار صلاح الدين الأيوبي على هذا النهج. أي يجب أن ننظر إلى التاريخ ونستخلص منه الدّروس، أي أن نقرأ تاريخ الكرد وننظر إليه. ربما يكون تاريخ الكرد قد تم طمسه أو تشويهه، وكما يقول القائد آبو، التاريخ الكردي المطموس. لكن هذا الطمس قد رُفع من خلال خوض النّضال، وأصبحت الحقيقة أكثر وضوحاً اليوم. لذلك يجب أن نتعلّم من التاريخ ونستخلص الدّروس منه، وأن نكون أصحاب معرفة ووعي من الجانب التاريخي. ولهذا لا ينبغي أن يُخدع أحد بأصحاب النّزعة القوميّة. بل يجب أن نعرف تماماً أنّ الطّريق الصحيح هو السير على خط الوحدة الديمقراطيّة والأخوّة. فما يحقّق المكاسب الحقيقيّة للكرد هو بالتّأكيد هذا الخطّ.

القائد آبو يقول ذلك أيضاً

نعم، نحن أيضاً نريد أن يتحقق توافق ديمقراطي. ينبغي فتح باب الديمقراطية على مصراعيه، والسماح بزوال الديكتاتورية والحروب وسفك الدماء والعقلية القائمة على القمع وسحق المجتمعات. فاستمرار هذا النهج لا يضمن الحياة لأحد، بل إن تجاوزه هو ما يمنح إمكانية الحياة للجميع. وقد قيّم القائد آبو في عام 2001، في كتابه “من كهنة السومريين نحو الحضارة الديمقراطية”، هذا المسار، وخلص إلى أن أيّاً من الأطراف لن يحقق مكسباً حاسماً، وأن الثورات قد لا تبلغ نهاياتها الكاملة، وأن النتيجة المرجّحة في نهاية المطاف هي بروز توافق بين الأطراف. ويرى أن الاحتمال الأكبر هو أن هذا الصراع يتجه نحو توافق من هذا النوع، وهو ما تبدو ملامحه اليوم أكثر وضوحاً مع التطورات في إيران. لذلك فإن خطاب “النصر” خطاب فارغ من مضمونه الواقعي، والصحيح هو الانخراط في مقاربة ديمقراطية.

في الجوهر، يمكن القول إن ما يجري لا يمكن اختزاله في ثنائية هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة والدفاع عن إيران من جهة أخرى، فهذه قراءة ناقصة ومحدودة. كثير من الدوائر تنظر إلى المشهد بهذه الطريقة وكأن الصراع محصور بين قوتين، وأن إحداهما ستنتصر في النهاية، لكن الواقع أن أياً من الطرفين لن يحقق انتصاراً كاملاً. ومن يختزل المشهد في هذا الإطار يقع في خطأ التقدير. كذلك فإن حلفاء الولايات المتحدة يعارضون هذا المسار، وفي مقدمتهم أوروبا وبريطانيا. وفي الداخل الإيراني، هناك شعب لا يؤيد التدخل الخارجي، ولا يقف أيضاً مع النظام القائم، بل يعبّر عن حالة رفض ومقاومة تتسع من البلوش إلى الكرد وصولاً إلى شرائح واسعة من الفرس أنفسهم. وإلى جانب ذلك توجد تيارات إصلاحية وقوى وتنظيمات سياسية متعددة، جميعها تطالب بإيران ديمقراطية تتحول إلى جمهورية ديمقراطية. ومن هنا، ينبغي على الإيرانيين أن يتحرروا من القوالب الفكرية الجاهزة، وأن يعيدوا صياغة مفاهيمهم وفق تجربتهم الخاصة، إذ حتى داخل إطار الجمهورية الإسلامية ظهرت اتجاهات تقبل بها حتى حدّ معين، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تطويرها نحو إسلام ديمقراطي أو صيغة ديمقراطية منه. وإن وضع الإسلام والديمقراطية في مواجهة مطلقة، والقول إن الخيار إما هذا أو ذاك، طرح غير صحيح. وقد أكد القائد آبو هذا المعنى بالاستناد إلى “ميثاق المدينة”، حيث جرى إبراز إمكانية التعايش السياسي والتعدد ضمن إطار واحد.

وعلى هذا الأساس، توجد في إيران بدائل ثالثة تتجاوز الثنائية التقليدية: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام القائم في إيران بما يمثله من بنية سلطوية مرتبطة بخامنئي من جهة أخرى، وما يترافق مع ذلك من سياسات هيمنة عالمية وسعي للسيطرة الإقليمية، وهي سياسات تشكل في جوهرها نظاماً معادياً للمجتمع. وفي المقابل، هناك البديل الثالث: بديل الشعب، أي الجمهورية الديمقراطية، والوحدة الوطنية، وإيران الديمقراطية. هذا البديل ليس مجرد فكرة نظرية، بل له جذور اجتماعية وسياسية حقيقية داخل إيران. فقد تمكنت قوى شعبية في مراحل متعددة من تحقيق نتائج مؤثرة، ووصلت إلى مواقع رئاسية وحكومية، وكان لها حضور داخل بنية النظام نفسه. وخارج ذلك، توجد قوى ديمقراطية وشعبية واسعة، تعكس حقيقة أن المجتمع الإيراني من أكثر المجتمعات استعداداً تاريخياً لتقبل الديمقراطية والحرية. فالدولة تبدو قوية، لكن المجتمع الديمقراطي أيضاً يمتلك قوة حقيقية، كما أن تنظيم النساء يشكل قوة مؤثرة بحد ذاته.

وقبل عامين، انطلقت ثورة “المرأة، الحياة، الحرية” من شرق كردستان، وسرعان ما امتدت إلى داخل إيران، حيث لعبت النساء دوراً محورياً في مواجهة النظام وهزّ بنيته من الداخل. وفي سياق حرية المرأة، يمكن أن تتبلور إمكانية تحول ديمقراطي داخل النظام نفسه. ومع ذلك، يبقى الاحتمال مفتوحاً: قد تتجه الأمور نحو ثورة ديمقراطية شاملة، وقد لا تصل إلى ذلك الشكل الكامل، لكن المؤكد أن النظام القائم لن يستمر بصيغته السابقة، كما أن الرهان على أن هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل ستؤدي إلى ترسيخ هيمنة أي طرف هو رهان غير واقعي. وفي داخل القوى الديمقراطية، يتبلور مشروع إيران جديدة أكثر فاعلية، حتى وإن لم تتضح ملامحه النهائية من حيث الشكل أو التوقيت، إلا أن تطور البديل الثالث يبدو قوياً وواقعياً. ومن هذا المسار قد يتشكل توافق من هذا النوع، بحيث تصبح القوى الديمقراطية أكثر تأثيراً، ويظهر إطار يفتح المجال أمام الديمقراطية، ويتيح للنساء والشعب والقوى الديمقراطية الحصول على حقوقهم. ويبدو أن الاتجاه العام يسير نحو ذلك.

وفي النهاية، ينبغي إدراك أن إيران كانت محاصرة بالكامل، وأن هناك محاولات لتدمير القيم التي تراكمت عبر مئات وآلاف السنين وإلغاء التاريخ نفسه. إنها حرب ضد التاريخ وضد الإنسانية، إذ تستهدف تفكيك كل القيم. وفي شرق كردستان وفي الشرق الأوسط عموماً، لا يُراد بقاء أي أثر لمسار الإنسانية. كما أن الهجمات على كردستان تنبع من هذا السياق، حيث إن أحد جذور الصراع في الشرق الأوسط يرتبط بهذا البعد. فالحداثة الرأسمالية تسعى إلى تدمير تاريخ الإنسانية، تماماً كما تستهدف الطبيعة، فهي تستهدف أيضاً التاريخ. وقد وصلنا إلى هذه المرحلة.

ومن جهة، يمكن القول إن توافقاً ديمقراطياً سيتشكل ويتطور، لكن بعد هذا القدر من الدمار يبقى السؤال: إلى أي مدى سيكون هذا المسار ناجحاً، وهل سيقود إلى سعادة الشعوب؟ ربما كان من الممكن أن يحدث ذلك دون هذا الخراب، لكن هذا هو الواقع الذي جرى. وسيبقى المسؤولون عن هذا المسار موضع مساءلة تاريخية دائمة، بوصفهم مسؤولين عن ما حدث، ويجب أن يدركوا ذلك.

يرى البعض أن الحرب العالمية الثالثة تُفهم على أنها صراع الولايات المتحدة والصين وروسيا، لكن مع الحرب في إيران برز إلى السطح سؤال: هل هناك شرخ ما؟ وكما ذكرتم أيضاً، لم تقدّم أوروبا دعماً، ولم تقدّم بريطانيا دعماً، فهل يُعدّ هذا شرخاً؟ وكيف ينبغي على القوى الديمقراطية أن تفهم ذلك؟

أدلى دولت بهجلي مجدداً بتصريح من هذا النوع في اجتماع حزب الحركة القومية (MHP)، كما أصدرت روسيا بياناً أيضاً، دعا فيه إلى إنشاء تحالف بين روسيا والصين وإيران وتركيا في مواجهة الولايات المتحدة. وبين الحرب العالمية الثالثة والسنوات التسعين، عُيشت مرحلة من الفوضى والصراعات بين الكتلتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وفي مختلف أنحاء العالم كانت السياسة تستند إلى إحدى هاتين القوتين، وبذلك نشأ نمط من السياسة السطحية أو الرخيصة، وهناك اليوم محاولات لإعادة إنتاج هذا النمط. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي انتهت الثنائية القطبية وظهرت القطبية الأحادية، وبعد زوال الثنائية أعلنت الولايات المتحدة أنها ستبني إمبراطورية، وقد أعلنت العديد من الدوائر قيام إمبراطورية أمريكية، لكن القائد آبو قال: لا، فالإمبراطورية الأمريكية كانت قائمة في مواجهة الاتحاد السوفييتي، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي ستفقد الولايات المتحدة أيضاً جزءاً من تأثيرها، والآن وصلنا إلى هذه النقطة: لم تعد هناك قطبية واحدة بل يتجه العالم الرأسمالي نحو تعددية الأقطاب. وقد حاولت العديد من الدوائر فهم هذا وتقييمه، غير أن الذين لم يروا التطورات كما ينبغي ولم يقرأوا المسار ولم يفهموا حرب أوكرانيا ولا حرب الخليج ولا التحولات في الشرق الأوسط بالقدر المطلوب فاتهم فهم الواقع، وهناك رغبة في أن تصبح روسيا قوة عالمية، وإيران تُعدّ قوة عسكرية وسياسية مهمة على المستوى العالمي. ومع ذلك هناك قول للزعيم الصيني ماو أود ذكره: قال إن الصين لن تصبح أبداً دولة عظمى، إلا أن الصين لم تسر في خط ماو بالكامل وقد تغيرت كثيراً، أي إن خط ماو يحتاج إلى إعادة تقييم لكن الممارسة الحالية ابتعدت عنه كثيراً رغم أنها لا تزال لا تسير على نهج الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى، وهناك مقاربة من هذا النوع. وكما يقول بعض الرفاق فإن الصين تتصرف بهدوء وتتحرك من العمق، وبدلاً من إبراز الجانب العسكري تتحرك في إطار الاقتصاد والتجارة وتؤثر سياسياً من خلال ذلك، إذن هناك صراعات قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا كما توجد أيضاً توترات وصراعات بين الولايات المتحدة والصين. في الحرب العالمية الأولى تشكّلت ثنائية بين بريطانيا وألمانيا ولهذا سُمّيت حرب بريطانيا وألمانيا، وفي الحرب العالمية الثانية أيضاً وقع الصراع بين ألمانيا من جهة وبريطانيا وفرنسا ثم لاحقاً مع مشاركة الولايات المتحدة وروسيا، وأراد هتلر من خلال هجومه على روسيا أن يصبح قائد النظام الرأسمالي وأن يُخضع الجميع لسيطرته وقد رسم هذا الهدف لكنه غيّر مسار الحرب. في الحرب العالمية الأولى قامت ثورة أكتوبر، وبعد الحرب العالمية الثانية تشكّل شرق أوروبا وحدثت الثورة في الصين، وقد تبلورت هذه ضمن إطار الثورة الاشتراكية وتم توصيف القرن العشرين بأنه قرن الثورات لكن نتائج هذه الثورات ما زالت ماثلة على الأرض، ويمكن نقد البنية الإيديولوجية والنظرية لهذه التجارب ومناقشتها إذ لم تُحفظ مكتسباتها، روسيا لم تحافظ على مكتسباتها وتراجعت وهذا فتح الطريق أمام تغيير تلك المكتسبات. القائد آبو عرّف الحرب العالمية الثالثة بأنها: “صراع بين قوى الرأسمال العالمي وقوى الدولة القومية المحافظة على الوضع القائم”، وهذا الصراع مستمر حتى اليوم وهو في جوهره يتواصل في الشرق الأوسط بين قوى الرأسمال العالمي والدولة القومية، وقد بدأ مع حرب الخليج في عهد صدام ثم امتد إلى شمال إفريقيا وصولاً إلى ليبيا ومصر وتحول إلى شكل من أشكال الحرب، والآن منذ 7 أكتوبر وصل عبر حرب غزة إلى مركز إيران. أي إن الحرب العالمية الثالثة نشأت من تناقضات وصراعات داخل بنية الحداثة الرأسمالية نفسها وعلى هذا الأساس تستمر الصراعات اليوم، وفي الحقيقة نتائج هذه الحروب لا تقل عن نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية. في الحرب العالمية الأولى انهارت أربع إمبراطوريات وفي ذلك الوقت قال لينين إن الإمبراطوريات قد سقطت وأن العالم دخل في حالة انهيار، والآن أيضاً من صدام حسين إلى حسني مبارك ومن القذافي إلى علي خامنئي ومن حزب الله إلى غيرهم تم إقصاء أو إضعاف العديد من القادة الذين كانوا يرون أنفسهم أصحاب مشروع إقليمي أو عالمي. وبهذا المعنى لا ينبغي النظر إلى حرب 30 أو 35 عاماً على أنها حرب صغيرة، وما حدث مع الحرب في إيران اليوم هو جزء من ذلك المسار، وفي البداية بريطانيا وبعض الدول الأوروبية ليست في تنسيق كامل مع الولايات المتحدة، والولايات المتحدة مستندة إلى نتائج الهجمات السابقة ومع شعورها بالارتباك تركت بعض حلفائها في الناتو جانباً وبدأت الهجوم بمنطق أن كل طرف سيخضع لي وحدي، وقد قوبل هذا بردود فعل، ولذلك ظهرت مواقف معارضة للشكل الحالي للحرب على إيران، ولم يُرَ أن تغيير نظام إيران بهذا الشكل مناسب وأن ذلك سيضر بنظام الحداثة الرأسمالية الذي هم أنفسهم جزء منه وتم اعتبار ذلك تهديداً للنظام وبهذا ظهرت حالة جديدة.

هل هذا شيء قابل للتجاوز؟

هذا غير قابل للتجاوز. حتى الآن كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا تتحرك معاً. إن بريطانيا هي التي أسست هذا النظام. وهي التي سمحت له بأن يتخذ طابعاً عالمياً. ثم إن الولايات المتحدة استلمت الدور من بريطانيا وواصلت إدارة هذا النظام. أما اليوم فقد تغيّر هذا الشكل وأصبح أقرب إلى نظام تقوده الولايات المتحدة. بريطانيا لا تقبل بذلك، ولهذا كانت قد خرجت من الاتحاد الأوروبي. والآن يُقال إنها تقترب مجدداً من الاتحاد الأوروبي. أوروبا بدأت تخرج ما لديها إلى العلن، وهذا ما حدث فعلاً. الحرب في إيران فتحت هذا المسار.

الولايات المتحدة، عبر حرب أوكرانيا من خلال الناتو، فقدت جزءاً من نفوذها في أوروبا، وفي مقدمتها بريطانيا. وبريطانيا هي المؤسسة لهذا النظام. وليس واضحاً كيف ستواصل الولايات المتحدة العمل دون بريطانيا. وهذا كشف أن النظام الرأسمالي ليس ثنائي القطبية، بل هو متعدد الأقطاب، كما كشف أيضاً وجود تناقض بين بريطانيا والولايات المتحدة. ومن الآن فصاعداً ستظهر آثار ذلك بشكل أوضح، أي أن التناقضات ستتعمق أكثر.

وهذا الوضع قد يخلق، بالنسبة للشعوب والقوى الديمقراطية والنساء، أرضية أوسع للتنظيم والنضال. ومن أجل تجاوز نظام الحداثة الرأسمالية، سيوفر ذلك فرصاً أكبر لتطوير المقاومة. ومن المهم رؤية هذا الأمر.

نعم، ستعيش العديد من القوى تناقضات داخلية فيما بينها. وقد وُصفت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بأنها شكل من أشكال الرأسمالية المتوحشة، إذ إنها هجمات بلا حدود ولا ضوابط، تقوم على فكرة أن القوة التقنية وحدها تكفي لإجبار الجميع على الاستسلام. لكن هذا المسار بدأ يُكبح تدريجياً، وقد انطلق ذلك من غزة واستمر حتى إيران، حيث بلغ ذروة الهجمات.

لكن يُتوقع أن يتراجع هذا المسار بعد ذلك، وأن لا تتكرر حرب بهذا الشكل. ومن الآن فصاعداً ستبقى التطورات ضمن هذا الإطار. ولم تعد مقاربات الثنائية القطبية أو الأحادية القطبية صحيحة. ومن خلال فهم التعدد القطبي، من المهم استخلاص نتائج تخدم حرية الشعوب والديمقراطية والحياة الحرة.

نعم، يقترب الأول من أيار. وفي هذا الظرف تحديداً، سنشهد في الساحات حضور النساء والعمال والكادحين والشبيبة والشعوب بشكل أوسع وأكثر كثافة. وفي سياق يتسم بالتوترات والحروب، يبرز السؤال: كيف ينبغي مقاربة الأول من أيار؟

في البداية، أتوجه بالتهنئة في الأول من أيار، عيد العمال، إلى العمال والكادحين والنساء والشبيبة وشعبنا وأصدقائنا. إن الأول من أيار يوم مفصلي، وقد ظل كذلك عبر التاريخ. وإذا تأملنا المسار بعمق، نجد أن الاتحاد السوفييتي قد انهار، كما سقطت العديد من الدول التي كانت تُعرّف نفسها بالاشتراكية، وتفككت أحزاب وحركات كانت تتبنى الخط الاشتراكي أو الشيوعي، وتراجع تأثيرها وتشتت حضورها، إلا أن الأول من أيار بقي حياً، محتفظاً بجوهره ودلالته، دون أن يفقد شيئاً من رمزيته أو حضوره. وهذه حقيقة ينبغي إدراكها بوضوح.

فالأول من أيار ليس مرتبطاً عضوياً بتلك البنى السياسية أو الأنظمة. نعم، كان حاضراً ضمنها، لكنه يمتلك ذاتاً مستقلة وخصائص متمايزة. إنه ليس مناسبة مرتبطة بالدولة أو بالسلطة، بل هو يوم متجذر في النضال، وفي ذاكرة الشهداء، وفي تاريخ العمال والكادحين. إنه تعبير عن حركة طبقية حيّة، لا عن حزب أو جهاز دولة أو سلطة سياسية. إنه حركة إنسانية اشتراكية، تعكس وعي العمال والكادحين، وتجسد تطور الوعي الاشتراكي في المجتمع.

ولهذا، فإن كل البنى المرتبطة بالدولة والسلطة قد انهارت أو تفككت، بينما ظل ما هو مرتبط بالشعوب والعمال والكادحين ثابتاً، لم ينل منه الانهيار.

من هنا تبرز أهمية إدراك هذه الحقيقة، فهي مسألة بالغة الدلالة. يجب أن نفهم الأول من أيار في هذا السياق، وأن نتعامل معه بوصفه إحدى أرقى القيم التي أنتجها التاريخ الاشتراكي، وأن نقف إلى جانبه بوعي ومسؤولية. وهذا بدوره يشكل أحد الأعمدة الأساسية للاشتراكية الديمقراطية، التي تتخذ من هذا الإرث التاريخي مرجعاً لها.

كما أن دلالة الأول من أيار تتصل بعمق بنداء السلام والمجتمع الديمقراطي الصادر في 27 شباط 2025، والذي جرى التعاطي معه وكأنه شكل من أشكال “الاستفتاء” السياسي والاجتماعي. فقد صدر النداء في أواخر شباط، وتوالت بعده شهور آذار ونيسان وأيار، إلا أن جوهره ومضامينه لم تُستوعب بالعمق الكافي لدى قطاعات واسعة، حيث سادت قراءات ضيقة، ولم يُدرك بعدُ بعده التحويلي. وقد فُهم أحياناً بوصفه مجرد دعوة للنضال، دون استيعاب طبيعته كمسار إعادة تشكيل شامل.

وقد انعكس هذا الالتباس في المجتمع الكردي، وفي صفوف النساء، وفي القوى الاشتراكية، وكذلك لدى أصدقائنا، حيث طُرح سؤال مركزي: إلى أين يتجه هذا المسار؟ وهذا التساؤل لم يكن سلبياً، بل كان تعبيراً عن حالة تفاعل تبحث عن الفهم العميق. إنه مسار يقوم على الوعي والإرادة، وعلى ارتباط لا يقوم على المصلحة أو الظرف، بل على الإيمان بهدف تاريخي وحياة جديدة. حتى حين تكون الطريق شاقة، فإن جوهرها هو التمسك بالمعنى والغاية.

وقد كشفت هذه المرحلة عن حقيقة هذا الارتباط. ولا ينبغي التعامل معها بمنطق اللوم أو النقد السطحي. لقد دخلنا السنة الثانية من هذا النداء، وقد مر عام كامل في آذار ونيسان وأيار، وتبلورت خلاله مؤشرات مهمة على مستوى إدراك النساء والكرد والقوى الاشتراكية واليسارية والشعوب، وكذلك على مستوى تفاعل الإنسانية مع نداء السلام والمجتمع الديمقراطي ومع مضمونه الفكري والسياسي، وهو ما تجلّى في التحركات الواسعة خلال الربيع.

ومن هنا طُرح مفهوم “الاستفتاء” بوصفه تعبيراً سياسياً-اجتماعياً: استفتاء نداء السلام والمجتمع الديمقراطي، واستفتاء النساء في 8 آذار، واستفتاء الكرد في نوروز، بينما يشكل الأول من أيار استفتاء العمال والكادحين، وربما أيضاً استفتاء اليسار والاشتراكية، بل واستفتاء الإنسانية جمعاء.

وبهذا المعنى، يصبح الأول من أيار مؤشراً دقيقاً على مدى استيعاب هذا المسار الذي يقوم على نداء السلام والمجتمع الديمقراطي. لذلك تكتسب هذه المناسبة أهميتها الاستثنائية. نحن كحركة نمنحها هذا الثقل، وكذلك النساء والشبيبة والكرد، ويجب أن يُنظر إليها بهذه الأهمية. وكما تُمنح قيمة كبرى لثمانية آذار ونوروز 2026، ينبغي أن تُمنح القيمة ذاتها للأول من أيار.

وفي هذا السياق، يُفترض أن يتحول هذا اليوم إلى مساحة لإعادة تعريف “الاستفتاء” ذاته، بحيث يصبح استفتاء الاشتراكية الديمقراطية، وفي الوقت نفسه مساراً نحو استفتاء الإنسانية. وينبغي للكرد والنساء والشبيبة، أينما كانوا، أن يتعاملوا مع هذا اليوم بالزخم نفسه الذي يتعاملون به مع 8 آذار ونوروز، وأن يملؤوا الساحات بحضورهم.

كما ينبغي إحياء الأول من أيار بوصفه عيداً تأسيسياً للاشتراكية الديمقراطية، استناداً إلى وجود الكرد وحرية المرأة، واعتباره يوماً مركزياً للنضال والذاكرة الجماعية. وكما جرى في 8 آذار ونوروز من طرح قضية الحرية الجسدية للقائد آبو وظروف العمل الحر، يجب أن يُصان هذا المستوى من الالتزام في الأول من أيار أيضاً.

إن هذا الفهم هو الصحيح. وكلما ترسّخ فهم الاشتراكية الديمقراطية بوصفها مسار تحول وجودي نحو الحرية، وكلما تعمّق الالتزام بها، سيتجلى ذلك بوضوح في الأول من أيار، ليصبح علامة فارقة على هذا الإدراك. وبالطبع، لا يختزل المعنى في يوم احتفالي واحد، لكن لهذا اليوم رمزيته ودوره.

ونحن نتحدث هنا عن “استفتاء” بمعناه الواسع، أي تحوّل اجتماعي تشاركي شامل. وفي المقابل، هناك واقع من الهجمات العنيفة التي تخلّف دماراً عاماً، حيث فرضت الحروب خلال العقود الماضية، في إيران ولبنان وسائر الشرق الأوسط، حالة مستمرة من الاستنزاف والخراب.

لقد عاش الكرد هذه الحروب بعمق أكبر، كما عاشتها شعوب المنطقة كافة. فالنساء والأطفال والإنسانية برمتها يواجهون حالة تفكك وجودي، حيث تتعرض القيم التي راكمتها المجتمعات للتآكل والتدمير.

وفي المقابل، لا يقتصر مشروع الحداثة الرأسمالية على استهداف الإنسان فحسب، بل يمتد ليطال الطبيعة ذاتها باعتبارها الحاضنة الأولى للحياة، ما يقود إلى تدمير شامل للبيئة وأسُس الوجود. وفي كردستان وفي مختلف المناطق، يتجلى هذا الواقع بوضوح.

لقد بلغ العالم مرحلة من الهجوم البنيوي الشامل، لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل. إنها مرحلة من القطيعة العميقة بين الإنسان وطبيعته، حيث يتحول إلى كيان غريب عن محيطه وبيئته.

وقد أشار القائد آبو إلى أن ما يجري هو تدمير للطبيعة من أجل مكاسب صغيرة، وأن الجبال تُمحى من أجل ذريعة بسيطة، في إشارة إلى حجم التدمير البيئي والاقتصادي الجاري. ولذلك فإن الوعي البيئي يمثل ركناً أساسياً.

إن جوهر الاشتراكية الديمقراطية يقوم على حرية المرأة، والمجتمع الأخلاقي والسياسي، والمجتمع الديمقراطي، والتوازن مع الطبيعة، وصون القيم البيئية، ومنع تدميرها، وتحويل هذا الوعي إلى فعل اجتماعي واعٍ. وكما أشار القائد آبو، فإن أعمق تعريف للحرية هو التعريف البيئي، أي التوازن بين الإنسان والطبيعة.

ومن هذا المنطلق، فإن كل تصورات الحرية، وفي مقدمتها حرية المرأة، تستند إلى هذا الأساس البيئي. فهي ليست منفصلة عنه، بل متجذرة فيه.

لذلك، ينبغي أن يشكّل الأول من أيار أيضاً لحظة لبلورة وعي بيئي في مواجهة سياسات تدمير الطبيعة، وأن يتحول إلى تعبير حي عن هذا الوعي. ومن هنا تتجلى أهميته الكبرى.

وفي كردستان وتركيا، تتواصل حركات المقاومة ضد مشاريع السدود وغيرها من مشاريع الإخلال البيئي. وعلى المستوى المحلي، يقف القرويون والنساء والسكان في وجه هذه السياسات، رغم محدودية قدرتهم على إيقافها. لذلك لا بد من مواجهة هذه الهجمات بشكل شامل ومنهجي، والاستمرار في النضال على جميع المستويات.

إن الأول من أيار يجب أن يكون اليوم الذي تتجسد فيه كل هذه المعاني، ويُعاد فيه تأكيدها عملياً. فهو يحمل هذه الرمزية وهذه الخصوصية. تاريخياً، وعلى الرغم من تراجع العديد من التجارب الاشتراكية، ظل الأول من أيار ثابتاً، بوصفه يوماً للعمال والكادحين، وموضعاً لصيانة الذاكرة النضالية.

ونحن نؤمن بأن هذه المعاني ستتعمق أكثر في هذا اليوم، وأنه سيتحول أيضاً إلى رافعة لمسار نداء السلام والمجتمع الديمقراطي.

وانطلاقاً من ذلك، أجدّد التهنئة للجميع بمناسبة الأول من أيار.