المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

ميلاد القائد عبدالله أوجلان: ولادة الفكرة التي فكّت عقد الشرق الأوسط

82

بقلم: آمنة خضرو عضوة إدارة المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله أوجلان

ليس كل مولد هو مجرد بداية حياة على هذه الأرض، فثمة مواليد تعيد تعريف الحياة ذاتها. عندما نتحدث عن ميلاد القائد عبدالله أوجلان، فإننا نتحدث عن لحظة تحول كبرى، عن “ميلاد” امتدّ ليشمل شعباً بأكمله، وقضيةً، وفلسفةً حررت العقول قبل الأرض. إنه ميلاد أطروحاتٍ أيقظت الوعي الكردي من سبات التبعية، وفتحت نافذة أمل لكل شعوب الشرق الأوسط المتعطشة للحرية.

ما قبل الميلاد: ذهنية الدولة القومية كسجن للعقول

لطالما عانى الشرق الأوسط من عقدة معقدة: الدولة القومية الحداثية التي فُرِضت عليه بعد تفكك الإمبراطوريات. هذه الذهنية جعلت من “الآخر” خطراً، ومن التعددية تهديداً، ومن الحدود أوتاراً مشدودة تنزف دماً. الكرد، كأكبر شعب بلا دولة، دفعوا ثمن هذه العقدة، حيث تم اختزالهم إلى “مشكلة أمنية” أو “أقلية متمردة”. القائد أوجلان، في ميلاده الفكري، لم يطرح حلاً عسكرياً أو إقليمياً تقليدياً، بل ذهب إلى الجذور: لقد شخص المرض في “الدولة القومية” نفسها، وهيمنتها على الخيال السياسي، وأدرك أن استبدال دولة قومية بأخرى لن يحرر الشعوب بل سيعيد إنتاج آليات القمع ذاتها بأسماء جديدة.

ميلاد الأطروحة: الكونفدرالية الديمقراطية كولادة للشعب الكردي

هنا يكمن جوهر الميلاد الحقيقي. لم يقل ألقائد “سنبني دولتنا القومية لنكون أسوأ نسخة من مضطهدينا”. بل قال العكس تماماً. ميلاده الثاني تمثل في أطروحة “الكونفدرالية الديمقراطية”، التي كانت بمثابة ولادة جديدة للهوية الكردية. لقد حرر الكرد من فخ تقليد النموذج القومي، وقدم هوية قائمة على المواطنة، والبيئة، والمشاركة المباشرة. طرحه لم يكن مجرد حل سياسي،أنما كان ثورة وجودية: أن تكون كردياً لا يعني أن تحلم بحدود ضيقة، بل أن تكون حارساً للحرية في كل الجغرافيا التي تعيش فيها. الكونفدرالية الديمقراطية لم تكن فقط بديلاً عن الدولة، بل كانت نقضاً لمنطق السلطة الهرمي، واستبداله بنظام يقوم على الكومينات والمجالس الحرة التي تمارس الديمقراطية من الأسفل إلى الأعلى.

بناء مجتمع ديمقراطي: الديمقراطية

إن المشروع الذي طرحه القائد عبدالله أوجلان يتجاوز بكثير مجرد ترتيبات سياسية شكلية، إنه مشروع مجتمع بديل قائم على الديمقراطية بوصفها أسلوب حياة وليس مجرد صناديق اقتراع. في رؤيته، الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق عبر انتخابات دورية تجري في إطار دولة مركزية، بل من خلال تنظيم المجتمع ذاته في هيئات شبه مستقلة، مجالس شعبية، ولجان حيوية تدير شؤونها بنفسها. هذا المجتمع الديمقراطي يقوم على مبدأ المشاركة المباشرة، حيث يتخذ القرارات من هم معنيون بها مباشرة، بعيداً عن بيروقراطية الدولة وفسادها. لقد فك القائد العقدة الأساسية التي يعاني منها الشرق الأوسط: كيف ندير أنفسنا دون أن نستبدل طاغية بآخر؟ وكان جوابه في اللامركزية، وفي بناء مجتمع مدني قوي قادر على تنظيم ذاته، وفي تحويل السلطة من مؤسسة قمعية إلى وظيفة خدمية.

نداء السلام والمجتمع الديمقراطي: السلام ليس حصيلة ثورة الكفاح المسلح

في قلب مشروع القائد عبدالله أوجلان، يحتل السلام موقعاً محورياً لا يمكن فصله عن بناء المجتمع الديمقراطي. ندائه للسلام لم يكن هدنة مؤقتة أو اتفاقاً بين أطراف متحاربة، أنما هو مشروع مجتمعي متكامل يبدأ من إعادة تعريف العلاقات الإنسانية على أسس جديدة. لقد أدرك القائد أن السلام الحقيقي لا يمكن بناؤه فوق أنقاض الظلم والإقصاء، وأن أي سلام لا يقوم على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية هو مجرد تأجيل للصراع وليس حلاً له. من هنا، أصبح “نداء السلام” الذي أطلقه القائد وثيقة فارقة في تاريخ المنطقة، حيث دعا فيه إلى وقف العنف والانتقال إلى حل سياسي ديمقراطي، مؤكداً أن المعركة الحقيقية ليست مع جيران الكرد بل مع نظام الدولة القومية القمعي ذاته. نداء السلام كان ترجمة عملية لفلسفة القائد في أن العدو الحقيقي هو منظومة الهيمنة والاستبداد، وليس أي شعب أو مكون آخر. المجتمع الديمقراطي الذي يحلم به هو الضمان الوحيد لسلام دائم، لأنه يقوم على الاعتراف بالآخر، وتقاسم السلطة والثروة، وحل النزاعات بالحوار وليس بالعنف.

ميلاد المرأة: الثورة الأعمق في جسد المجتمع

ولادة القائد وميلاد المرأة الجديدة

في مجتمع شرقي أبوي، طرح القائد فكرةً كانت ولا تزال صادمة للمحافظين من كل الأطراف: “لا حرية دون حرية المرأة، ولا مجتمع ديمقراطي دون مشاركة المرأة”. لقد حوّل “التحرر” من شعار نخبوي إلى ممارسة يومية من خلال نظام “الكومينات” والمجالس. المرأة الكردية، خاصة في وحدات حماية المرأة (YPJ)، لم تنتظر الإذن لتحمل السلاح فحسب، بل لتعيد كتابة العقد الاجتماعي. هذا هو ميلاد أمة داخل الأمة: ميلاد عقلية ترفض القتل باسم الشرف، وتؤسس لقيادة مشتركة، وتجعل من تحرير المرأة مقياساً حقيقياً لتحرر المجتمع بأسره. القائد لم يضع المرأة في خانة “القضايا الثانوية” أو “ملف حقوق الإنسان”، بل جعلها في صلب مشروعه الفلسفي، معتبراً أن الهيمنة الذكورية هي النموذج الأصلي لكل أشكال الهيمنة والاستبداد، وأن تفكيكها هو الشرط الأساسي لتفكيك كل سلطة قمعية.

البعد البيئي: مجتمع يتصالح مع الطبيعة

في إطار بناء مجتمع ديمقراطي جديد، لم يغفل القائد عبدالله أوجلان البعد البيئي، بل جعله ركناً أساسياً في فكره. إن الأزمة البيئية ليست عنده مجرد مشكلة تقنية أو اقتصادية، بل هي نتيجة مباشرة لمنطق الدولة القومية والرأسمالية التي تنظر إلى الطبيعة كمورد قابل للاستنزاف وليس ككائن حي يستحق الاحترام. لهذا، طرح مفهوم “الحداثة الديمقراطية البيئية” الذي يقوم على إقامة علاقة جديدة بين الإنسان والطبيعة، علاقة تقوم على التشارك والاستدامة وليس على السيطرة والنهب. المجتمع الذي يحلم به قائدنا هو مجتمع يزرع بدلاً من أن يستنزف، يحافظ على الماء والهواء والتربة، ويدرك أن تدمير الطبيعة هو تدمير لشروط وجود الإنسان نفسه. من خلال الكومينات والمجالس المحلية، يتم تشجيع الزراعة العضوية، حماية مصادر المياه، التوجه نحو الطاقة المتجددة، وإعادة تشجير الأراضي. إنه نموذج بيئي ينطلق من القاعدة الشعبية وليس من مراسيم حكومية، مما يجعله أكثر فعالية واستدامة، ويربط بين السلام مع الإنسان والسلام مع الطبيعة في وحدة عضوية.

فك عقد الشرق الأوسط: تجاوز ثنائيات العصر

أكبر إسهام لميلاد هذه الأطروحات هو قدرتها على فك العقد المستعصية التي ظل الشرق الأوسط أسيراً لها لعقود. قدم القائد نموذجاً لا يقع في فخ الاستبداد الديني (كالدولة الإسلامية) ولا في فخ الاستبداد القومي (كالدولة التركية الحديثة) ولا في فخ الاستبداد الرأسمالي. بدلاً من ذلك، أسس لعلمانية ديمقراطية تترك للشعب إدارة معتقداته دون وصاية الدولة، وللقبائل والطوائف مساحة للتنظيم دون أن تتحول إلى سلطة قمعية. لقد كسر الازدواجية القاتلة في المنطقة: لم يعد الخيار محصوراً بين ديكتاتورية عسكرية أو فوضى دينية، ولا بين قومية متطرفة أو رأسمالية متوحشة، بل أتاحت أطروحاته فضاء ثالثاً حقيقياً: الديمقراطية بدون دولة، والعدالة بدون سلطة قمعية، والمجتمع الحي القادر على تنظيم نفسه بنفسه. كما نجح في تقديم حل لقضية كردستان ليس على أساس التقسيم والصراع، بل على أساس الاعتراف المتبادل والعيش المشترك، مقدمًا بذلك نموذجاً يمكن أن يمتد إلى كل القضايا العالقة في المنطقة.

ميلاد مستمر: الأطروحة تتجسد كل يوم

إن ميلاد القائد عبدالله أوجلان ميلاد مستمر متجدد. كل يوم تتبنى فيه امرأة قراراً في مجلسها المحلي، وكل يوم يقرر فيه شاب كردي وعربي وأشوري وتركماني العيش معاً في إدارة ذاتية، وكل يوم يتم فيه حل نزاع دون تدخل جيش أو دولة، وكل يوم يتم فيه حماية شجرة أو نهر أو حقل من التدمير، وكل يوم يُستجاب فيه لنداء السلام ويُبنى جسر جديد من الحوار بدلاً من جدار من الصمت، فإن ميلاداً جديداً يحدث. إن ميلاده هو ميلاد الأمل بأن الشرق الأوسط يمكن أن يقوم ليس على حساب تنوعه، بل بفضل هذا التنوع، وبأنه لا توجد مصائر متصارعة بل مصير واحد مشترك في أرض واحدة. القائد أوجلان لم يمنح الكرد فقط أطروحة تحررهم، بل منح كل شعوب المنطقة أداة لفك عقدها الخاصة، ومفتاحاً لسلام لم يعرفوه من قبل: سلام لا تفرضه القوى الكبرى، ولا توقعه نخب متعاقدة، بل يبنيه الناس بأنفسهم، قراراً بقرار، ومجلساً بعد مجلس، وحواراً بعد حوار. إنه الدليل الحي على أن فك العقد لا يحتاج إلى سيف ولا إلى دولة، بل إلى فكرة، وإلى جرأة على الحلم، وإلى ميلاد حقيقي كان في لحظة تجرأ فيها قائد على أن يحلم بغير الدولة، وأن يفكر خارج كل الأطر المغلقة التي ظلت لعقود تأسر خيال الشعوب وتعميها عن الاحتمالات الأخرى، الأجمل والأكثر إنسانية.
كل عام وانت بخير قائدي.