المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

أكاديمية القائد عبدالله أوجلان للعلوم الاجتماعية

66

اتفاقية سايكس-بيكو والبُنى (هياكل) الدولة-القومية في الشرق الأوسط    

                                                                                                                          

   إن تجاهل وإنكار سايكس-بيكو لِحقْ الشعوب في تقرير مصير المجموعات الأثنية والعقائدية والثقافية، جعل شعوب المنطقة تواجه الضغط والقمع والتفكك على المدى الطويل. بدأت هذه الاتفاقية بعملية إقصاء شملت العرب وفلسطين والكرد والأرمن والإيزيديين والمسيحيين والدروز والشركس والتركمان والبلوش والأذربيجانيين واللاز والعلويين والسنة والشيعة والعديد من المجموعات الأثنية والثقافية والعقائدية الأخرى. ولم يتم تزويد هذه المجموعات الأثنية والثقافية والعقائدية بهيكلة متساوية وحرة حيث يمكنها العثور على هوياتها الخاصة بها ومفاهيم الإدارة الخاصة بها، بل على العكس من ذلك، فقد واجهت المذابح.

اتفاقية سايكس بيكو هي اتفاقية سرية أُبرمت عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، حيث تم بموجبها تقسيم الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية. حددت هذه الاتفاقية التي تقاسمت الأراضي العثمانية حدوداً مصطنعة، بما في ذلك تركيا، وخاصة في مناطق مثل سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين، الخ. متجاهلة التنوع العرقي والديني والثقافي في المنطقة. كما أنها فرضت دولًا مركزية قومية جعلت الدولة في صدام مع الشعوب المختلفة التي تعيش ضمن حدودها الجديدة. تم تحديد هذه الحدود وفقًا للمصالح الإمبريالية، دون مراعاة الحقائق الاجتماعية والثقافية لسكان المنطقة.

انهيار سايكس-بيكو وتراجع الدول القومية.

   مع إعادة تشكيل الشرق الأوسط في ظل التطورات على مستوى الحرب العالمية الثالثة ومن الملاحظ بدأت آثار اتفاقية سايكس بيكو في التراجع. وفي العراق على وجه الخصوص، اهتزّ هيكل الدولة-القومية المركزية والكلاسيكية في شخصية صدام حسين والتدمير الرمزي لحدودها، وفي سوريا اهتزت أسس الدولة القومية العربية، مما أدى إلى انهيار هذا الهيكل وتراجعه. ورغم أن هذا يعني نهاية بعض الهياكل التي أرسيت باتفاقية سايكس بيكو، إلا أن القمع المفروض على الشعوب لم ينتهِ بالكامل. لكنه يظهر أيضاً أنه في مواجهة هذا الانهيار، بدأت الشعوب بفترة ٍتطالب بمزيد من الحرية، والمزيد من التمثيل الديمقراطي، وحكم أنفسهم سياسياً واجتماعياً، وتنظيم هوياتهم بحرية والعيش فيها.

  ومع سايكس بيكو، لوزان، خاضت الشعوب فترة نضال من عدة جوانب، ولو بشكل متقطع، ضد هيكل الدولة-القومية القائمة على الوضع الراهن في المنطقة وفلسفة إنشاء حدود مصطنعة. وهو أحد أبرز مؤشرات سعي الشعوب نحو الحرية والمساواة، وكان آخرها تحت اسم الربيع العربي والشعوب. هذه الحركات الشعبية، التي بدأت في عام 2010 وانتشرت في جميع أنحاء الشرق الأوسط، على الرغم من أن الحكام أسكتوها، فهي ليست مجرد تمرد ضد الأنظمة الديكتاتورية القائمة، ولكنها أيضاً للمطالبة بشكل أكثر عدلاً من الإدارة حيث يمكن للشعوب التعبير عن هوياتهم الثقافية والسياسية بحرية أكبر.

تناقضات الدولة-القومية والشعوب.

   مع نضال الشعوب النامية من أجل الحرية والمساواة والإدارة الذاتية، أصبحت استدامة الدولة-القومية المركزية المتجانسة في المنطقة كنموذج لفلسفة سايكس-بيكو ولوزان التأسيسية موضع تساؤل. كان الوضع الراهن للدولة-القومية المركزية الذي أنشأته اتفاقيات سايكس بيكو ولوزان محكوماً بشكل عام من قِبل أنظمة قمعية وإقصائية ومركزية وسنّية وأحادية متحيزة جنسياً وقبلية متحيزة جنسياً، تم تشكيلها وفقاً للمصالح الاستعمارية للرأسمالية، والتي لا تتوافق مع الهويات والثقافات والمعتقدات ومفهوم حرية المرأة لدى شعوب الشرق الأوسط المحلية. وقد ارتكبت هذه الهياكل عملية الإبادة الجماعية الثقافية والسياسية من خلال انتهاكها المستمر لحق الشعوب في التعبير عن أنفسهم ثقافياً وعقائدياً وأثنياً، وفي تكوين هوياتهم الخاصة بحرية.

   في مواجهة النضال الطويل الأمد للشعوب، وصلت الدول-القومية المركزية والمتجانسة في الشرق الأوسط إلى موقف يجب كشفه والتغلب عليه، وهي تواجه ضغوطاً من الخارج. يوضح هذا الوضع أن هناك وعياً متزايداً في المجتمعات بأن الدولة-القومية هي بنية مقيدة ومركزية ومتحيزة جنسياً وأحادية قبلية وقمعية للشعوب. واليوم، أصبحت الدول-القومية المركزية المتجانسة، التي ظهرت إلى الوجود مع الفلسفة التأسيسية لسايكس بيكو ولوزان، في صراع متزايد مع كل من الشعوب والاحتكارات فوق الوطنية (الشركات المتعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية العالمية، والقوات العسكرية، الخ). لأنه في حين تصر الدول القومية على أساس الوضع الراهن من أجل الدفاع عن حدودها وسيادتها وهياكلها المتجانسة، تهدف الاحتكارات فوق الوطنية إلى اختراق حدود أوسع بما يتماشى مع حركة رأس المال والاستراتيجيات الموجهة نحو الربح، وبالتالي التغلب على العقبات الداخلية القائمة، وحل هذه الهياكل وإعادة انشائها وفقاً لمصالحها الرأسمالية العالمية. لذلك، ومع تصاعد الوعي الشعبي، باتت هذه الأنظمة تواجه تحديات داخلية وخارجية تهدد استمراريتها. فالاحتجاجات الشعبية، جنبًا إلى جنب مع الضغوط الخارجية، كشفت أن الدولة القومية لم تعد تمثل نموذجًا قابلًا للحياة. وبينما تعمل الجهات المهيمنة في هذه العملية على إعادة هيكلة هياكل الدولة ـالقومية، بما في ذلك التجزئة والانقسام، من أجل مصالحها الرأسمالية العالمية والأمن خلال عملية إعادة هيكلة الشرق الأوسط، فإن دور الشعوب في هذه المعادلة واستجابتهم لما ستكون عليه بدائلهم قد اكتسب أهمية كبيرة.

الحل؛ الأمة ديمقراطية، إدارة ذاتية ديمقراطية، كونفدرالية ديمقراطية

  انهيار الاتفاقيات مثل سايكس بيكو يُمثل فرصة لإعادة بناء المنطقة وفق نموذج أكثر عدالة وشمولية. إن تفكيك الدولة القومية التقليدية قد يفسح المجال أمام أشكال جديدة من الإدارة وتمهد عملية انشاء الشرق الأوسطية هذه الطريق لأرضية نظام جديد. يمكن أن يؤدي هذا النظام إلى هياكل تتجاوز سيادة الدولة-القومية المركزية والسنية والأحادية والقبلية والمتحيزة جنسياً والدينية، حيث تكون الإدارة الذاتية المحلية والكونفدرالية الديمقراطية في المقدمة. ومع ذلك، فإن القوى العالمية قد تحاول إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، متجاهلة تطلعات الشعوب المحلية، بما في ذلك تفكك وتقسيم أنظمة الدولة-القومية التي تحولت في عملية انشاء الشرق الأوسط، يجب أن تتجسد في شكل استقلال ديمقراطي وأنظمة كونفدرالية ديمقراطية قائمة على الوحدة الديمقراطية للشعوب من خلال باراديغما الأمة الديمقراطية. تدفق المجتمع-التاريخي هو فترة التطور نحو فترة الإدارة الذاتية مع الحكومات المحلية القائمة على الوحدة الديمقراطية للشعوب.

   إن تناقضات الدول-القومية مع الشعوب ومع الاحتكارات فوق الوطنية، تخلق فرصة تاريخية للشعوب لتحويل هذه العملية لصالحها. وبالتالي، فإن التناقض بين الدول-لقومية والدول فوق الوطنية والشعوب يعزز الحاجة إلى نماذج حكم جديدة تعترف بالهويات التاريخية والثقافية والعقائدية والأثنية لشعوب الشرق الأوسط وتضمن حريتها، في مواجهة هياكل الهوية المركزية الموحدة. تبرز نماذج الإدارة الذاتية والفيدرالية والكونفدرالية، وهي أشكال بديلة للحكم ضد الهياكل المركزية، كوسيلة للشعوب في الدفاع عن حريتها ضد فرضيات الدولة القومية المركزية.

    وبالتالي فقد أطلقت عملية اكتشاف الشعوب لهوياتها وأشكال حكومتها ضد هياكل الدولة-القومية التي أنشأتها اتفاقيات مثل سايكس بيكو والتي تهتز أسسها اليوم. إن البحث عن الحرية والإدارة الذاتية لشعوب الشرق الأوسط ضد التوجهات التدميرية والمتحللة لهذه الدولة-القومية الأحادية والمركزية المتحيزة جنسياً والقبلية والدينية، التي استمرت لسنوات، وبالتالي ضد الحدود المصطنعة المرسومة بين المعتقدات الثقافية والعقائدية والأثنية، أصبح أكثر وضوحاً في هذه الفترة الجديدة. ويبدو أن هذه الرغبة المتطورة في الحرية والديمقراطية والإدارة الذاتية ستقود الشعوب إلى إيجاد وإدارة أنفسها ليس ضمن هياكل الدولة-القومية المركزية والأحادية والمتحيزة جنسياً والقبلية والدينية، بل من خلال نماذج أكثر مرونة وديمقراطية مثل الإدارة الذاتية والفيدرالية. ومن الضروري اعتبار نضال الشعوب من أجل الحرية والديمقراطية ضد الوضع الراهن للدولة-القومية في المنطقة بمثابة القوة الدافعة لهذه العملية. وتشكل المطالبة بالديمقراطية والتعددية والإدارة التشاركية حجر الأساس في رؤية شرق أوسطية جديدة، خارج الحدود المصطنعة والتشكيلات الدكتاتورية التي خلقتها سايكس-بيكو ولوزان بين الشعوب.

   وبينما تتم إعادة هيكلة الشرق الأوسط، فإن استجابة الشعوب هي بداية عملية تطوير الأنظمة الديمقراطية ذات الأغلبية ضمن نظام الأمة الديمقراطية. إن تطوير نظام ديمقراطي تعددي وكونفدرالي يقدم نموذجاً قادراً على حماية التوازنات الإقليمية وتمكين رأس المال من إيجاد أرضية آمنة للديمقراطية. إنها عملية التنظيم للأنظمة الديمقراطية حيث تتنوع الشعوب في نزاهتها ويعتبر التنوع ثروة. ومن الضروري تهيئة الظروف الملائمة للنضال المنهجي داخل النظام من خلال النضال السياسي والثقافي والاقتصادي والأيديولوجي، مع مفهوم ثقافة العيش المشترك على أرضية ديمقراطية تعددية متشابكة، يستبعد العنف والسيطرة والهيمنة. ولذلك فإن تفكير ونظام الأمة الديمقراطية يتوقعان التنافس وممارسة السياسة على أساس مشترك وشمولي.

   يوفر الوعي السياسي والتنظيم والباراديغما والقيادة النضالية، والوحدات وقوى الأمة الديمقراطية أرضية قوية للنضال من أجل تطوير نماذج النظام الديمقراطي. إذا كان الشرق الأوسط يشهد عملية تحول تتجاوز الدولة-القومية والهياكل الأحادية والمركزية والمتحيزة جنسياً والدينية والقبلية في عملية إعادة الهيكلة، فيجب أن تتحول الهياكل المنشأة حديثاً وفقاً لمصالح الشعوب على أساس الإدارة الذاتية الديمقراطية والكونفدرالية، بدلاً من تشكيلها وفقاً لمصالح رأس المال العالمي. ولهذا السبب، تتمتع قوى الأمة الديمقراطية بالمعرفة والخبرة النظرية والنموذجية والعملية في تطوير شكل بديل من الحكم ضد نماذج الدولة القومية المركزية والأحادية والمتحيزة جنسياً والدينية والقبلية. وفي إطار نموذج الأمة الديمقراطية، فإن الإدارة الذاتية المشتركة للأرمن والمسيحيين والإيزيديين والعرب والكرد والتركمان والشركس والآشور-السريان وجميع الشعوب الأثنية والعقائدية والثقافية في شمال وشرق سوريا على أساس الإدارة الذاتية الديمقراطي هو مثال على ذلك. ولهذا السبب، فقد خلق مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية أرضية قوية وخبرة ومعرفة لمدة 13 عاماً. ومن الضروري أن يتم نقل هذا النموذج إلى كافة المناطق وإلى الشرق الأوسط. تتوافق باراديغما الأمة الديمقراطية مع النماذج البديلة المزمع إنشاؤها في الشرق الأوسط، إذ تقدم نظاماً يتجاوز الدولة-القومية والمركزية ويطور البدائل، كما ظهر مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية في سوريا.  وفي هذا التدفق التاريخي فإن قوى الأمة الديمقراطية هي القوة الأكثر استعداداً وتنظيماً وهي المخططة لهذه العملية، ولديها باراديغما لإيجاد الحل. ويرتبط لعب دورها القيادي في الشرق الأوسط بحقيقة أن هناك نماذج بديلة. ولهذا السبب، لا بد من تطوير باراديغما الأمة الديمقراطية، وهو مشروع حلّ في كل مكان، لإقامة جبهات ديمقراطية وتوحيد النضال ضد هياكل الدولة-القومية القائمة والدول الاستعمارية. لكي نكون مطورين ونقوم بالتغيير على نفس المستوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من الضروري إقامة تحالفات أكثر عمومية.

كنتيجة؛ في ظل التحولات الجارية، من الضروري أن تسعى الشعوب إلى تطوير بدائل ديمقراطية قائمة على التعددية والإدارة الذاتية، بدلًا من البقاء رهينة للهياكل القومية التقليدية. والأمة الديمقراطية مشروع حل، ويجب ان تؤسس جبهاتها الديمقراطية وتوحد النضال أينما كانت ضد الدول الاستعمارية. على نفس المستوى، من الضروري الذهاب إلى تحالفات أكثر عمومية من أجل أن نكون البادين بالتحول التطور في الشرق الأوسط.

   ونتيجة لذلك، يجب على الشعوب أن تنجح من تحويل هذه العملية لصالحهم في عملية التصميم الجديدة التي تتطور في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ومن الضروري معالجة هذه العملية، خاصة في العراق وسوريا وتركيا وإيران ولبنان وفلسطين وجميع المناطق الأخرى.

   تعتبر سوريا منطقة نموذجية من حيث النضال وتكون نموذج لهذه العملية. وتعد سورية أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول الديمقراطي وإعادة الهيكلة. وعلى الرغم من أن هيكل الدولة-القومية الأحادية والمركزية والمتحيزة جنسياً والقبلية والدينية التي فرضتها اتفاقية سايكس-بيكو مع الحدود المصطنعة المرسومة بين الشعوب قد تم تدميرها بشكل رمزي، إلا أن هذه العملية لم تكتمل وهي في فترة إعادة بناء هيكلها من جديد. ولهذا السبب فإن صورة سوريا لم تظهر بشكل كامل، بل ستظهر بنضال مكثف ومنظم. ولهذا، انهارت هيكلة الدولة الكلاسيكية المركزية والأحادية والدينية والمتحيزة جنسياً والقبلية في سوريا، في مواجهة نضال الشعوب. إن العودة إلى نفس هيكل الدولة-المجتمع الأكثر تخلفاً هو جهد يبذله أولئك الذين يريدون الاستمرار في نموذج سايكس-بيكو. إن نضال الشعوب الذي دام 13 عاماً من أجل الديمقراطية والحرية كان ضد عقلية سايكس-بيكو، وناضلت الشعوب من أجل سوريا ديمقراطية حرة وتعددية وليس مجدداً من أجل استمرار دولة مركزية وأحادية متحيزة جنسياً ودينية وقبلية تحت سيطرة الأقلية. وبالتالي، في هذه الفترة الجديدة، لا ينبغي أن تضلل صورة سوريا كدولة-قومية مركزية وأحادية ودينية وقبلية وسنية ومتحيزة جنسياً تحت سيطرة الأقلية مثل هيئة تحرير الشام، لأن هذا المفهوم وهذه السياسة قد دُمّرا بسبب إفلاسهما. في الفترة المقبلة، لن يتشكل الواقع السوري الديمقراطي والتعددي الذي طال انتظاره إلاّ من خلال نضال تنظيمي ومكثف. ولهذا السبب، ما سيحدد هذه العملية مرتبط بمقاومة الشعوب ونضالها التنظيمييَن وفق الجبهة الديمقراطية المشكلة في إطار باراديغما الأمة الديمقراطية ميدانياً وفي الحياة العملية.

حقي تكين