المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

من تقييمات القائد عبد الله أوجلان.. مؤامرة غلاديو الكبرى

30

يسلّط القائد عبد الله أوجلان الضوء على الوضع الداخلي التركي ومساعي شبكة الغلاديو التابعة لحلف الناتو لإكمال حرب الإبادة في الشرق الأوسط وارتباطها بالمؤامرة الدولية.

من تقييمات القائد عبد الله أوجلان.. مؤامرة غلاديو الكبرى

في المجلد الخامس المعنون باسم “القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية دفاعاً عن الكرد المحصورين بين فكّي الإبادة الثقافية”، يقيّم القائد عبد الله أوجلان في الفصل الخامس (الأزمة داخل الاشتراكية العلمية، المؤامرة الكبرى وتحوُّل PKK) الظروف الداخلية في تركيا التي سبقت خروجه من سوريا ومخططات شبكة الغلاديو التابعة لحلف الشمال الأطلسي (الناتو) في إكمال حرب الإبادة في منطقة الشرق الأوسط.

وفيما يلي مقتطفات من تقييمات القائد عبد الله أوجلان

“مؤامرة غلاديو الكبرى:

1- الخروج من سوريا:

وقبلَ خروجي من سوريا، كان التنافسُ بين هذَين الفريقَين قد طفا على السطحِ ثانيةً. هكذا، انتهى التنافسُ بين الموالين والمعارضين بشأنِ الحوارِ معنا لصالحِ جناحِ غلاديو الناتو، أي لصالحِ الفريقِ المُناصرِ للحربِ والإبادة، وبدعمٍ من إسرائيل وأمريكا. وعشيةَ الخروج، أصرَّت الاستخباراتُ الإسرائيلية على الإيماءِ بنحوٍ غيرِ مباشرٍ بضرورةِ خروجي من سوريا. لَم أَكُنْ أرى ذلك مناسباً، تجنباً لتَكَبُّدِنا خسائر فادحة في سوريا. كما لَم أَكُنْ أصادقُ على ذلك استراتيجياً وأيديولوجياً. لكنّ الحربَ كانت ستسيرُ في مجراها الطبيعيّ، وكنا سنعيشُ ما خبّأَه لنا القدَر. لَم أَكُنْ قَدَرياً. إلا إنّ تغييرَ المسارِ والتخلي على حينِ غرّةٍ عن النهجِ الأيديولوجيِّ والسياسيِّ والعسكريِّ السائدِ قُرابةَ ثلاثةِ عقود، ما كان لِيَكُونَ عصياناً ذا معنى على القدرِ المحتوم. كان يتعينُ الالتزامُ بالصدق. وما كان لي أنْ أعملَ أساساً لإنقاذِ نفسي. وبعد الإنذارِ الأخيرِ الذي أطلقَه “أتيللا أتيش” باسمِ غلاديو الناتو، لَم يَكُنْ بإمكانِنا تصعيدُ الحربِ إلا في حالِ مساندةِ سوريا وروسيا لنا بثَبات. ولكن، لَم يُؤَمَّنْ هكذا دعمٌ أو مساندة. بل ولَم تَكُنْ لدى كِلا البلدَين القدرةُ ولا حتى النيةُ على تَحَمُّلِ وجودي شخصياً على أراضيهما. لقد كان هذا مستحيلاً فعلاً بالنسبةِ إلى سوريا. إذ كان من الواردِ أنْ تُحتَلَّ بين ليلةٍ وضحاها من طرفِ الجيشَين التركيِّ شمالاً والإسرائيليِّ جنوباً. ولو أنهم (سوريا) لَم يتوتروا، لَكان بوسعِهم خلقُ إمكانياتِ تَموقُعٍ أفضل بالنسبةِ لي. إلا إنهم لَم يستطيعوا المُجازفةَ في ذلك. أما موقفُ روسيا، فكان ذليلاً أكثر. حيث أرغمَتني على الخروجِ من موسكو، مقابل مشروعِ التيارِ الأزرقِ وقرضٍ من صندوقِ النقدِ الدوليِّ مقدارُه عشرةُ ملياراتٍ من الدولارات.

من عظيمِ الفائدةِ والأهميةِ الإمعانُ عن كثبٍ في سياقِ ما قبلَ الخروجِ وأثناءَه، قبل الخوضِ في مغامرةِ أثينا وروما.

لن نستطيعَ فهمَ المجرياتِ بصورةٍ كاملة، ما لَم نُدركْ ثنائيةَ انقلابِ 28 شباطٍ 1997 بشكلٍ صحيح. حيث اقتربَ جناحٌ من الانقلابيين منا مع مقترحاتِه الموضوعيةِ بشأنِ السلام. وأعتقدُ أنّ أرشيفَنا يحتوي على الوثائقِ المتعلقةِ بذلك. وعلى غرارِ ما حصلَ إزاء مقاربةِ تورغوت أوزال ونجم الدين أربكان، كنتُ مقتنعاً بجديتِهم وبرغبتِهم في إحلال السلام. إلا إنّ هذا الموقفَ المواليَ للحلِّ السلميِّ والسياسيّ أفضى إلى حصولِ انقلابٍ داخل الانقلاب. والآن يتضحُ أفضلِ أنّ إسرائيل وأمريكا لَم تَكُونا في مصافِّ الحلِّ السلميِّ والسياسيِّ قطعياً آنذاك، أي إلى حينِ اعتقالي. بل كانتا ترغبان بإصرارٍ شديدٍ في استمرارِ الحرب، ولو بمستوى منخفض، وفي تخبُّطِ القضيةِ الكرديةِ في العقمِ واللاحل. إذ كانتا بأمسِّ الحاجةِ إلى ذلك للتحكمِ بزمامِ الأمورِ في الشرقِ الأوسط عموماً، ولأجلِ إسقاطِ الحكمِ في العراقِ بصورةٍ خاصة. حيث ما كان لهما أنْ تَحُدّا من فاعليةِ تركيا، ولا أنْ تُطَبِّقا مخططاتِهما إلا عن طريقِ ذلك. وهكذا، أُطيحَ بـ”تورغوت أوزال” و”نجم الدين أربكان” و”بولند أجاويد”، لأنهم لم يأبهوا لهذه المخططات، بل سلكوا مقاربةً أناضوليةً وقوميةً عموماً ومواليةً للسلامِ وللحلِّ السياسيٍّ على صعيدِ القضيةِ الكرديةِ خصوصاً. أما انتهاءُ إزاحتِهم بالموتِ أو بعدمِه، فلَم يَكُنْ يتسمُ بأهميةٍ تُذكَرُ بالنسبةِ لمُوالي الحرب، لأنهم كانوا في قلبِ الحربِ من الأساس. لقد كانوا يتطلعون إلى بلوغِ مآربِهم بالاستمرارِ بالحربِ حتى الأخير، وإلى تذليلِ كلِّ عائقٍ ينتصبُ أمامهم، بما في ذلك الحسمُ العسكريُّ المطلقُ للواقعِ الكرديّ، وسلوكُ ضربٍ من ضروبِ التطهيرِ العرقيّ. وما كان للقوى المهيمنةِ أنْ تحرزَ النجاحَ المأمولَ أبداً، ما لَم تُساندْ هذا المفهوم، الذي يُعدُّ امتداداً لنهجِ الاتحادِ والترقي الكلاسيكيّ. ونظراً لأنها على درايةٍ بذلك، فقد كانت تشعرُ بالحاجةِ المطلقةِ إلى دعمِ أمريكا وإنكلترا وإسرائيل. وقد تحققَ هذا الدعمُ أثناء خروجي من سوريا عام 1998.

وتمَّ الحظيُ بالدعمِ المطلقِ من قِبَلِ أمريكا وإنكلترا في مستهلِّ أعوامِ التسعينيات، ومن قِبَلِ إسرائيل عام 1996 (اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية عسكرياً بين تركيا وإسرائيل). فأتى الدورُ على حلِّ الجانبِ الداخليِّ من الأمر، أي على القيامِ بالتغييراتِ الحكومية، وبالتسويةِ اللازمة داخل صفوفِ الجيش. وكانوا سيُطَبِّقون ذلك خطوةً تلو الأخرى بدءاً من عامِ 1990. وتتبدى هذه الحقيقةُ علانيةً من خلالِ ما صرَّحَ به دوغان غوريش، الذي تسَلَّمَ منصبَ رئاسةِ هيئةِ الأركانِ العامة، فورَ عودتِه من أولِ زيارةٍ له إلى إنكلترا. حيث قال: “لقد أَشعَلوا لنا الضوءَ الأخضرَ للقضاءِ على PKK”. وفي السياقِ الذي أَعقَبَ ذلك، لَم ينحصر الأمرُ على الإبادةِ التي استهدَفَت الكردَ وPKK. وجميعُنا على علمٍ بمشاهدِ الأحداثِ المُرَوِّعةِ والاشتباكاتِ الفظيعةِ البالغةِ حدَّ قتلِ رئيسِ الجمهورية، وبإحداثِ التغييراتِ الحكومية وأحداثِ التصفيةِ داخل الجيش، وبحركاتِ امتصاصِ ردودِ الفعلِ بين صفوفِ المجتمع وسلسلةِ اغتيالاتِ المثقفين ورجالِ الأعمال والمجازرِ الجماهيرية، وبفرضِ الاستسلامِ على الوسائلِ الإعلامية. ما ينقصُ هنا، هو إدراكُ كونِ كلِّ هذه الأحداثِ مترابطةً ببعضِها بعضاً. من هنا، لن نستطيعَ تحليلَ أيَّ حدثٍ أو صِدامٍ أو حادثِ اغتيالٍ مهم بعينٍ سليمة، ما لَم نَرَ النهجَ العريضَ لغلاديو الناتو خلفَ كافةِ الأحداثِ السياسيةِ والاجتماعيةِ المهمةِ التي شهدَتها تركيا اعتباراً من دخولِها حلفَ الناتو وحتى عام 1998. أي أنّ صُلبَ الموضوعِ يتجسدُ في شنِّ حربٍ بطابعِ الناتو ضد مطالبِ الشعوبِ في الحريةِ والمساواةِ والديمقراطية. وأُضيفَت حادثةُ خروجي من سوريا سنةَ 1998 إلى الحلقةِ الأخيرةِ من مسلسلِ الحربِ هذا.

كان ثمة طريقان أمامي أثناء الخروج: أولُهما طريقُ الجبل، والثاني طريقُ أوروبا. اختيارُ طريقِ الجبلِ كان يعني تصعيدَ الحرب، بينما ترجيحُ طريقِ أوروبا كان يعني البحثَ عن فرصةِ الحلِّ الدبلوماسيِّ والسياسيّ. ومعروفٌ أنّ الاستعداداتِ لشقِّ طريقِ الجبلِ كانت قد جرت قبل ذلك بأيام. إذ كانت كفةُ الاحتمالِ تَرجحُ في هذه الوِجهة. إلا إنّ مجيءَ هيئةٍ يونانيةٍ إلى عندنا في تلك الأوقاتِ بالضبط، والاتصالاتِ الهاتفيةَ الكثيفةَ التي أجرَتها ممثلتُنا في أثينا “آيفر كايا” حينذاك مع المسؤولين اليونانيين (الذين يُعتَبَرون مسؤولين رفيعي المستوى)؛ قد آلَ إلى تغييرِ مسارِنا صوب أثينا. كانت هَمُّ المسؤولين السوريين هو أنْ أخرجَ بأقصى سرعة. إلا إنهم لَم يَبدوا مرتاحين كثيراً لانطلاقي نحو أوروبا. وعدمُ إيجادِهم البديلَ في هذا المضمار هو مَأخَذٌ جادٌّ عليهم. في واقعِ الأمر، لَم يَكُنْ الانطلاقُ نحو أثينا في موضعِ الحُسبان. بل كانت فرصةً مسنوحةً لَم أتجنَّب الاستفادةَ منها، إيماناً مني بجديةِ أصدقائِنا هناك. ولو كنتُ أعرفُ أنهم كما قابَلتُهم على أرضِ الواقع، لَما انطلقتُ إلى هناك إطلاقاً. لكنّ السؤالَ الذي يجب طرحُه هنا: تُرى هل شعبةُ شبكةِ الغلاديو –التي من المعلومِ أنها قويةٌ جداً في اليونانِ أيضاً– هي التي لعبَت دورَها في سيناريو الخروجِ ذاك؟ لا أستطيعُ الجزمَ بذلك. بل يتعينُ البحثُ في هذا الموضوع. وما يندرجُ في لائحةِ الاحتمالاتِ بشأنِ تسليمي إلى تركيا، هو اتفاقُ أمريكا مع الإدارةِ التركيةِ من حيث المبدأِ على حلِّ مشاكلِها مع اليونان، أو أنها اقتَطَعَت منها عهداً بذلك”.