المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

رسالة القائد عبدالله أوجلان إلى المؤتمر الوطني الكردستاني وانعكاسها على عملية السلام وحق الأمل

دائما ما تأتي الرسائل التاريخية من أضيق الأماكن وأكثرها عزلاً بعيداً عن أسوار المنتديات الدولية أو قاعات البرلمانات، تُحدث صدىً يتجاوز حدود اللحظة وتحجز لها مكان في كتب التاريخ وآداب السير.

10

جاءت رسالة القائد عبدالله أوجلان إلى المؤتمر الوطني الكردستاني كوثيقة تاريخية نادرة تحمل بين طياتها أكثر من مجرد موقف سياسيين ويمكن تصنيفها على أنها محاولة لإعادة تأسيس أرضية فكرية وسياسية للحركة الكردية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتشابك فرص السلام مع حسابات السلطة وتتقاطع إرادة الشعوب مع مصالح الدول.

الوحدة الديمقراطية

ما أكده القائد آبو في رسالته حول مفهوم الوحدة الديمقراطية يُمثّل في حقيقته انزياحاً نوعياً عن الخطاب الأحادي التقليدي الذي كثيراً ما أُريد به فرض مركزية قيادية تحت واجهة التوحد، فالتمييز الذي رسمه بين الوحدة الحقيقية وإلغاء الاختلافات هو تمييز لا يبدو بديهياً في سياق حركات التحرر التي تميل تاريخياً إلى اشتراط التوافق الكامل شرطاً للصمود، إلا أن القائد عبدالله أوجلان اقترح بديلاً أكثر نضجاً بأن تكون الأرضية الديمقراطية هي الحاضنة التي تُتيح للاختلافات الداخلية أن تتعايش دون أن تتحول إلى شروخ تُهدد الكيان الجمعي، فالهدف ليس صوتاً واحداً يُسكت الأصوات الأخرى، بل رؤية مشتركة في القضايا القومية الجوهرية تنبثق من حوار حقيقي لا من إملاء مركزي.

ويكتسب هذا التأطير أهميته المضاعفة حين يُقرأ في ضوء التشتت الراهن الذي لا يقتصر على اختلاف جغرافي بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، بل يمتد إلى تباينات استراتيجية حقيقية في قراءة المرحلة وأدوات التعامل معها، حيث تفرض البيئة الإقليمية شديدة التحول بعد التحركات الاضطرارية، ويُعيد سقوط الأسد مثلا رسم المعادلات في سوريا، وتتنافس القوى الكبرى على ملء الفراغات، وتتراجع ضمانات الأمس أمام متطلبات صفقات اليوم، وفي هذا الفضاء المتقلب، تُصبح الوحدة الديمقراطية التي يدعو إليها القائد آبو  ضرورة وليست رفاهية أيديولوجية بل وإنما حتمية بقائية، لأن الاختلاف المُدار ديمقراطياً أقوى في مواجهة الضغوط الخارجية من الإجماع المُفروض الذي يتشقق عند أول اختبار حقيقي.

تناقض صارخ

على صعيد عملية السلام، تأتي الرسالة في توقيت يختزن تناقضاً صارخاً بين ما تُعلنه أنقرة وما تُمارسه فعلياً، فالمبادرة التي فُتحت بين القائد عبدالله أوجلان والحكومة التركية أطلقت موجة تفاؤل حذر لدى شرائح واسعة من الرأي العام، إلا أنّ مسار التفاوض كشف عن مماطلة ممنهجة لا تُفسَّر بالتعقيد التقني لملف بهذا الحجم، بل بقراءة سياسية تركية تجد في إبقاء الملف معلقاً مكسباً أكثر من حسمهن حيث يمتلك أردوغان ورقتين يُمكن توظيفهما في اتجاهين متقابلين، إحداهما داخلية يُقدّمها للناخب القومي التركي باعتبارها إخضاعاً لمطالب الكرد بشروط تركية، وأخرى خارجية يُسوّقها في أوروبا دليلاً على براغماتية سياسية ونضج ديمقراطي يستحق المكافأة بمزيد من الانخراط التركي في المنظومة الغربية، وهذا التوظيف المزدوج يجعل التقدم الفعلي في ملف السلام ثانوياً بالنسبة للحسابات الانتخابية وصفقات إعادة التموضع الإقليمي.

مسؤولية تاريخية

إنّ قراءة رسالة القائد عبدالله أوجلان ضمن هذا الإطار الضيق وحده يُفوّت بُعدها الأعمق، فالرسالة تُخاطب الحركة الكردية بما يتخطى ملف المفاوضات مع أنقرة، إذ تضع الشعب الكردي أمام مسؤولية التاريخ في لحظة يتشكل فيها النظام الإقليمي من جديد، والمؤتمر الوطني الكردستاني بوصفه فضاءً جامعاً يُراد له أن يتجاوز الانتماءات الحزبية والحدود الجغرافية المرسومة، يحمل في تصور القائد آبو إمكانية أن يكون المرجعية التي ينبثق منها الموقف الكردي الموحد تجاه كل التحولات الجارية، من إعادة رسم الخرائط السورية إلى مستقبل الوجود في إقليم شمال وشرق سوريا أمام الضغوط التركية المتصاعدة والحسابات الأمريكية المتغيرة.

الأكاديمي المصري الدكتور كرم سعيد المختص في الشأن التركي قال في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، إنّ المتابع للشأن التركي لا يمكنه تصنيف حق الأمل الذي تُعبّر عنه رسالة القائد عبدالله أوجلان الأخيرة على أنه مجرد تفاؤل يتجاهل تعنت أنقرة أو تقلبات السياسة الأمريكية أو تراجع التوافقات الإقليمية، وإنما يمكن وصفه بالأمل المبني على فرضية أن ما يجمع الكرد في مظالمهم التاريخية وطموحاتهم السياسية المشروعة أعمق وأكثر ديمومة من كل التناقضات التنظيمية والخلافات التكتيكية .

أما مصطفي صلاح الباحث في الشأن التركي أكد في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، أنّ أنقرة التي تُماطل في السلام تراهن على أن ما يُفرق الكرد بعضهم عن بعض سيُجهض مبادراتهم قبل أن تُحقق أهدافها، ومن ثم فإن رسالة القائد عبدالله أوجلان في جوهرها ترفض هذا الرهان وتُقدّم الوحدة الديمقراطية رداً عليه .

وستكشف المرحلة المقبلة أنّ هذه الرسالة ستبقى وثيقة فكرية يُستشهد بها في الأدبيات السياسية، وستُترجم إلى فعل ميداني يُعيد تشكيل البنية التنظيمية للحركة الكردية في مواجهة أكثر لحظاتها الإقليمية تعقيداً وحساسية منذ عقود، خاصة وأن الرسال لا يمكن توصيفها كشعار يُحفَر على الجدران بل كأداة سياسية تُختبر في التفاصيل والمواقف اليومية.