المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

القائد آبو: الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة هي شريان الرَّئيسي للاندماج الدّيمقراطي _محدّث

أكّد القائد آبو، في رسالة إلى كونفرانس الإدارات المحلّيَّة الدّيمقراطيَّة، أنَّ الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة هي الشَّريان الرَّئيسي للاندماج الدّيمقراطي ضمن عمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي، داعياً إلى تقليص المركزيَّة وتعزيز دور الإدارات المحلّيَّة.

15

وجه القائد عبد الله أوجلان رسالة إلى كونفرانس الإدارات المحلّيَّة الدّيمقراطيَّة لحزب المساواة وديمقراطي الشَّعوب.

وجاء في نص الرّسالة:

إلى مندوبي ومشاركي كونفرانس الإدارات المحلّيَّة الدّيمقراطيَّة لحزب المساواة وديمقراطيَّة الشَّعوب؛

على مرّ التَّاريخ، استند الحكم في المجتمعات إلى الحكم المحلّيّ، أيّ على أساس الإدارة الذَّاتيَّة. وحتَّى في تقاليد الدَّولة نفسها كانت الإدارات المحلّيَّة هي القاعدة، بينما كانت السُّلطة المركزيَّة هي الاستثناء، وكان القانون السَّائد قانوناً محلّيَّاً، إلّا أنَّ هذا الإرث جرى تدميره على يد نموذج الدَّولة القوميَّة المركزي المتجانس والأحادي الصَّارم الّذي فرضته الحداثة الرَّأسماليَّة خلال القرنين الماضيين، ويكمن المصدر الأساسي لمعظم المشكلات والصّراعات في فرض هذا النَّموذج وتعميمه على العالم.

ومع اندلاع الحربين العالميتين، عانت البشريَّة جمعاء، ولا سيَّما الدَّول الأوروبّيَّة الّتي أنتجت هذه الذَّهنيَّة، من ويلات الفاشيَّة ولا تزال تعاني من آثارها حتَّى اليوم، ومنذ خمسينيات القرن الماضي، أُعيد الاعتراف بالحقوق المحلّيَّة والقوميَّة والثَّقافيَّة، ولو بشكل محدود، وأصبحت جزءاً من القواعد الدّيمقراطيَّة الأساسيَّة. ويُعدُّ “الميثاق الأوروبّي للحكم الذَّاتي المحلّيّ” الّذي أقرَتْهُ دول الاتّحاد الأوروبّيّ امتداداً لهذه العمليَّة، لقد أصبح العودة إلى الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة مصدر خلاص للدَّول وتنفساً للمجتمعات.

وفي الشَّرق الأوسط، حيث تلعب تركيا دوراً محوريَّاً، فإنَّ الاعتراف بالحقّ في التَّعبير الدّيمقراطيّ على المستوى المحلّيّ والإقليمي من شأنه أنْ يسهم في حلّ معظم المشكلات بصورة أسهل، وعلى وجه الخصوص، فإنَّ إزالة القيود المفروضة على الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة يمكن أنْ تعزَّزَ مكانة تركيا في المنطقة خلال قرنها الثَّاني، فالحلُّ الدّيمقراطيّ يتطلب إعادة بناء كلّ من المجتمع والدَّولة. كما أنَّ التَّوجه العام ومتطلبات العصر يرتبطان بتقليص المركزيَّة وتعزيز الإدارة المحلّيَّة. أما مقاومة هذا التَّوجه فإنَّها تعمّق الأزمات السّياسيَّة والاقتصاديَّة والبيئيَّة القائمة، وفي الواقع، لقد ضاع قرن كامل بهذه الطَّريقة وخسر الجميع بسببه.

لهذا السَّبب، لا ينبغي الوقوع في وهم انتظار الأنظمة المركزيَّة المناهضة للدّيمقراطيَّة كي تتغير من تلقاء نفسها. فقد كان للنّضال المنظم والمستمرُّ الّذي خاضته القوى الثَّقافيَّة والمحلّيَّة الدّيمقراطيَّة دور حاسم في تسريع التَّغيير والتَّحولات. كما تحقَّقَتِ الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة والقواعد الدّيمقراطيَّة الأساسيَّة نتيجة لهذه النّضالات.

إنَّ صيغة “الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة والدَّستور الدّيمقراطي” هي في الوقت نفسه صيغة الحلّ السَّلمي والدّيمقراطي للقضيَّة الكرديَّة. كما أنَّ الشَّريان الرَّئيسي للاندماج الدّيمقراطي الّذي نسعى إلى تطويره في إطار عمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي هو الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة. فالاندماج الدّيمقراطي لا يكتسب معناه إلّا من خلال الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة، وغياب الدّيمقراطيّة المحليَّة هو السَّبب الأساسي للسّياسات القائمة على تعيين الوكلاء خلال السَّنوات الأخيرة. ففي بلد يمكن فيه إنكار الدّيمقراطيَّة بسهولة، لا يمكن حلّ أيّ مشكلة، وهو ما تؤكّده الوقائع القائمة.

لقد وصلت القضيَّة الكرديَّة إلى مرحلة يمكن فيها إيجاد حلّ لها على مستوى الإدارة المحلّيَّة. وليس في إطار القضيَّة الكرديَّة فقط، بل إنَّ الطَّريق إلى تجاوز مشكلات الإدارات المحلّيَّة في تركيا عموماً يمرُّ عبر ديمقراطيَّة محلّيَّة قويَّة. وضمان الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة من خلال القانون هي الصّيغة الواقعيَّة والوحيدة للحلّ، كما أنَّ ما تحتاجه سوريا والعراق وإيران هو التَّطبيق الكامل وغير المنقوص للدّيمقراطيَّة المحلّيَّة، ويكمن حل جميع السَّلبيات في السّياسة الدّيمقراطيَّة والدّيمقراطيَّة المحلّيَّة، ولا يمكن بلوغ المجتمع الدّيمقراطي إلّا عبر هذا الطَّريق.

كما تؤدي الإدارات المحلّيَّة دوراً ريادياً وحاسماً في تطوير الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة. فالحيز المحلي هو الخطوة الأولى للدّيمقراطيَّة وللكومونات الدّيمقراطيَّة أيضاً، كما أنَّ تطوير بلدية الشَّعب الكوميناليَّة والدّيمقراطيَّة يشكل دليلاً على هذا المسار. ولذلك ينبغي تطوير نماذج اجتماعيَّة واقتصاديَّة وبيئيَّة بديلة تستند إلى الشَّعب، لا إلى المركزيَّة والسُّلطة والاحتكار. إنَّ أكبر رأس مال تمتلكه الإدارات المحلّيَّة هو الشَّعب نفسه؛ وإذا توحدت جهود الشَّعب فلن تبقى مشكلة يستحيل حلّها.

لذلك، يجب تطوير مفهوم البلديَّة الدّيمقراطيَّة، فحركة البلديَّة الدّيمقراطيَّة، بوصفها شبكة اجتماعيَّة واسعة، ينبغي أنْ تبني تنظيم المجتمع الدّيمقراطي في كلّ مكان؛ من الكومونات في القرى وأحياء المدن إلى جمعيات التَّعاونيَّة، ومن منظمات المجتمع المدني إلى مؤسّسات حقوق الإنسان، ومن نضال حرّيَّة المرأة إلى المدافعين عن حقوق الأطفال والحيوانات، ومن الشَّبيبة إلى النَّاشطين البيئيَّين، وينبغي إعطاء الأولويَّة لنشاطات وأعمال المرأة، الطّفولة والشَّبيبة والتَّعليم واللُّغة والثَّقافة والفنون والصّحَّة والاقتصاد والبيئة، كما يجب توسيع مجالات الإنتاج وتوفير حلول لمشكلة البطالة المتفاقمة، وخلق مساحات جديدة للحياة بقيادة النّساء.

كما ينبغي اعتماد مشاركة الشَّعب في الإدارة وإشراكه في جميع القرارات. ويجب إنشاء مجالس المدن بحيث يتمكن المواطنون من الاجتماع ومناقشة قضاياهم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة واتّخاذ القرارات بشأنها، وإذا تمَّ تطوير بلديَّة الشَّعب الدّيمقراطيَّة فإن الشعب سيدافع عن بلديّته، وعندها لن تتمكن الممارسات المناهضة للدّيمقراطيَّة، مثل تعيين الوكلاء، من التَّقدُّم بسهولة.

إنَّ البلديَّة ليست دولة مصغرة، رغم أنَّ النّظام القائم يحولها إلى دولة صغيرة. فمن الضّروري التَّحرّر من هذه النَّظرة فكريَّاً وعمليَّاً، فالبلديَّة ليست دولة مصغرة، بل هي كومون، وفي أوروبّا يقوم أساس البلديَّة على الكومون، ولدى الكرد أيضاً يقوم على مفهوم “التَّجمع” الّذي تعود جذوره إلى آلاف السَّنين وانتشر من هذه الأراضي إلى أوروبّا.

فالدَّولة تفكر على المستوى الكلي، بينما تنتج الكومونات حلولاً على المستوى الجزئي، وبين الاثنين ينبغي أنْ تقوم علاقة حوار وتفاوض وتنافس لا علاقة صراع. وعندها يكتسب المجتمع المدني وظائفه الحقيقيَّة ويتحوّل إلى مؤسّسات ثقافيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة فاعلة.

ويجب إحياء روح الكومون داخل البلديّات الّتي تمتلك الأرضية والإمكانات اللازمة لذلك، وأنْ تُدار جميع الأعمال بهذه الرَّوح. فلم يعد النّقاش وحده كافيَّاً؛ لقد حان وقت البناء والتَّنفيذ.

لقد استبدلنا مفهوم “الطَّبقة” بمفهوم “الكومون” في مانيفستو السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي، وأثار ذلك نقاشات واسعة. نحن لا ننكر الطَّبقات ولا الدَّولة، لكن الدَّولة تتحول إلى عقدة كبرى. ويقدَّم تصورنا القائم على التَّوفيق بين الدَّولة والكومون بديلاً للحروب العقيمة الّتي تتسبب في أزمات كبيرة، وللمبالغة في تمجيد الصّراع الطّبقي، ونسعى باستمرار إلى تطوير هذا التَّصور. ويكمن الحلُّ في تحويل العلاقة بين الكومون والدَّولة إلى علاقة قائمة على النّضال والتَّنافس الدّيمقراطي، وما يُراد تحقيقه في سوريا اليوم مهم في هذا الصَّدد، وينبغي تطبيق الأمر نفسه في العراق، إذ يُعدُّ انتخاب محافظ تركماني في كركوك مثالاً على ذلك؛ فالتُّركمان هناك ليسوا دولة مصغرة، بل يمكنهم أنْ يشكلوا كوموناً يحدد بنفسه مضمونه وشؤونه.

لذا يجب إدارة البلديات بوعي وأهمية الدّيمقراطيَّة المحلّيَّة، لا بعقليَّة البيروقراطيَّة الضَّيقة. ويمكن إيجاد حلول لجميع احتياجات المدن، من النَّظافة إلى الإنتاج منخفض الكلفة، ومن التَّعليم إلى الصّحَّة، ومن المواصلات إلى البيئة، من خلال نهج الكومون، وما يلزم هو التَّحرك على أساس أنَّ “البلديات هي كومونات” والقيام بما يقتضيه ذلك.

وسيقود النّجاح في الإدارات المحلّيَّة والبلديات ضمن عمليَّة السَّلام والمجتمع الدّيمقراطي إلى تطوّرات جديدة ويمنح زخماً أكبر لمسار التَّفاوض الدّيمقراطي، وبكلّ الجديَّة المطلوبة لدفع هذه العمليَّة إلى الأمام، أتمنى النَّجاح لكلّ من يساهم في تطبيق نموذج بلديَّة الشَّعب الدّيمقراطيَّة، كما آمل أنَّ يكلل كونفرانس الإدارات المحلّيَّة بالنَّجاح، وأقدَّم لكم تحياتي ومودّتي الدَّائمة.

24/05/2026

عبد الله أوجلان

جزيرة إمرالي”.