المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

عمليَّة السَّلام .. مماطلة النّظام تثير مخاوف العودة إلى المربّع الأول

رغم الخطوات الّتي اتَّخذها الجانب الكردي لإنجاح مبادرة السَّلام، لا تزال المماطلة التُّركيَّة وغياب الضّمانات القانونيَّة يثيران مخاوف من انهيار العمليَّة والعودة إلى المربّع الأول.

8

منذ شباط 2025، تعيش الأوساط السّياسيَّة في المنطقة على وقع آمالٍ معلّقةٍ بانتظار ترجمة نداء القائد عبد الله أوجلان التَّاريخي إلى واقعٍ ملموسٍ، وهو النّداء الّذي وضع خارطة طريق لإنهاء عقود من الصّراع المسلّح وتحقيق التَّحوّل نحو “المجتمع الدّيمقراطي” في الدَّولة التُّركيَّة، كمبادرة منه شكّلت نقلةً تاريخيّةً كبيرةَ.

إلّا أنَّ المشهد الحالي، وبعد مرور أكثر من عام، يَشي بحقيقةٍ صادمةٍ، فبينما قام الجانب الكردي بخطوات استراتيجيَّة كبرى من أجل السَّلام وإنجاح العمليَّة، يبدو أنَّ النّظام التُّركي، في المقابل، ركن إلى سياسة “التجميد” والمماطلة، محوّلاً، فيما يبدو كذلك، فرصة السّلام التَّاريخيّة إلى ورقة مناورةٍ سياسيَّةٍ وقانونيَّةٍ. ولا يزال يماطل يوماً بعد يوم على نحو يثير شكوكاً عدَّة بشأن إمكانيَّة نجاح العمليَّة.

مرونة في مواجهة الجمود

لقد أثبتت حركة التَّحرّر الكردستانيَّة جدَّيتها في إنجاح مبادرة القائد عبد الله أوجلان من خلال خطواتٍ غير مسبوقةٍ، فالتَّصريحات الأخيرة للقيادي مراد قره يلان كشفت عن حجم التزام الحزب بإنهاء الكفاح المسلّح فعليَّاً، وتغيير العقيدة القتاليَّة، وسحب المقاتلين من مناطق التَّماس، هذه الخطوات لم تكن مجرّد تكتيك، بل كانت تحرُّكات جادّة لإثبات حسن النَّوايا.

أمّا الحكومة فجعلت إدارة الملف تتمُّ عبر “مراسيم إداريَّة” هشّة بدلاً من صياغة قوانين دستوريَّة ثابتة، ممّا يجعل أيّ اتّفاق عرضةً للانهيار مع تغير المزاج السّياسي للحزب الحاكم. كما تتبنّى أنقرة منطقاً مقلوباً يطالب بنزع السّلاح الكامل قبل تقديم أيّة ضمانات قانونيَّة، على نحو يجعل الأمر يبدو كما لو كان محاولة لفرض الاستسلام لا عقد اتّفاق سلام.

ورغم كلّ ما قُدِّم، لا يزال القائد عبد الله أوجلان محروماً من ممارسة دور القيادة السّياسيَّة والميدانيَّة المباشرة، مما يعطّل محرّك السَّلام الأساسي ويجعل التَّواصل مع القواعد الشَّعبيَّة والميدانيَّة مبتوراً، هنا، يقول محمد جمعة آلا، الكاتب والباحث، حول تعطُّل المسار، إنّّهُ إذا رجعْنا إلى التَّاريخ منذ نشأة الدَّولة التُّركيَّة، فهناك صراع على السُّلطة بين التَّيارين الإسلامي والقومي في تركيا منذ العشرينيات، وقد حُسِمَ الأمر للقوميّين حتى قدوم أردوغان بعد عام 2000، ولكن بعد عام 2018 تمَّ عقد تحالف بين التَّيارين، ولهذا يمكن وصفهما بـ”الشُّوفينيّة الإسلاميّة”.

وأضاف، في تصريح هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أنَّ ما يحدث الآن هو أنَّ كلَّ تيّار منهما يتبع مقاربة معيّنة تجاه عمليَّة السَّلام، فالتَّيار الإسلامي، ممثّلاً في الحكومة، يريد الاستفراد بالسّلطة ولا يعطي للكُرد حقوقهم، وبالتَّالي فهو يستعمل المكوّنات لتحقيق أهداف سياسيَّة، كما فعل من قبل مصطفى كمال أتاتورك حين نادى بالإخوّة بين الأتراك والكرد لبناء الدَّولة التُّركيَّة، ثمَّ انقلب على ذلك الاتّفاق.

ويوضّح أنَّهُ، في المقابل، فإنَّ التَّيار القومي يرى أنَّ التَّاريخ لا يمكن أنْ يكرَّرَ نفسه، وأنَّ تركيا أمام مرحلةٍ حرجةٍ على كافّة الأصعدة، وبالتّالي يدافع زعيم حزب الحركة القوميَّة دولت بهجلي عن الشّكل الأوّل الّذي قامت عليه الدَّولة في عشرينيات القرن الماضي، ومن ثمَّ يريد الحفاظ على الدّولة من خلال الكرد.

حسابات ضيّقة

بدوره، يقول مصطفى صلاح، الباحث في الشَّأن التُّركي، لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إنَّ أردوغان يتحرّك ضمن مساحة ضيّقة من المصالح الذَّاتيَّة، فهو من جهة، يطمح لصياغة دستور جديد يثبت دعائم نظامه الرّئاسي ويسمح له بالاستمرار في السُّلطة، ومن جهةٍ أخرى، يخشى استفزاز حليفه القومي دولت بهجلي، ولهذا تبدو الأمور غير واضحةٍ بشأن الخطوة التَّالية فيما يخصّ عمليَّة السَّلام، لا سيَّما الخطوات القانونيَّة.

ويرى الباحث السّياسي المصري أنَّ المفارقة تكمن في أنَّ النّظام التُّركي لا يرى في السَّلام غاية، بل وسيلة، فهو يستخدم حالة “اللّا حرب واللّا سلم” لاستنزاف الخصوم السّياسيّين (مثل حزب الشّعب الجمهوري) وكسب بعض الأصوات الكرديَّة، دون تقديم حقوق دستوريَّة حقيقيَّة أو الاعتراف بالهويَّة الثَّقافيَّة والسّياسيَّة للكرد، كما حذَّرَ من خطورة هذه الحالة الّتي ربَّما تعيد العمليَّة إلى المربّع الأول رغم كلّ ما قطعته من خطوات.

متطلّبات المرحلة

بلا شكّ، إنَّ إنجاح العمليَّة يتطلّب في المرحلة الحاليّة تشريع قانون الانتقال الدّيمقراطي، ووضع جدول زمني ملزم للتعدّيلات الدَّستوريَّة الّتي تضمن حقوق الكرد الثَّقافيَّة والسّياسيَّة. كما يجب تغيير الوضع القانوني للقائد عبد الله أوجلان أو منحه حرّيّة الحركة السّياسيَّة ليقود مسار السَّلام من موقع الفاعل لا السَّجين.

وبالتَّالي، فالنّظام التُّركي اليوم أمام اختبار تاريخي، فإمّا المضي نحو تركيا ديمقراطيَّة تجمع كلَّ مكوّناتها، أو الاستمرار في حسابات الرّبح السَّريع الّتي ستحرق الأخضر واليابس، وتعيد المنطقة إلى مربّع العنف الأول، فالجانب الكردي قدَّم ما لديه، والكرة الآن في ملعب النّظام، الّذي عليه أنْ يتجاوز طريقة حسابه الحاليّة للأمور.