محلل سياسي: عزلة أوجلان جزء من تعقيدات المشهد السياسي والأمني في تركيا
يتواصل الجدل في تركيا حول مستقبل عملية السلام وإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية للقضية الكردية، في ظل استمرار العزلة المفروضة على القائد عبد الله أوجلان، رغم تحقيقه شروط نيله “الحق في الأمل”، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن تأثير هذه العزلة على فرص نجاح أي مسار تفاوضي محتمل.
وفي هذا السياق، أعلنت حركة التحرر الكردستاني، عبر بيان نشرته في 5 أيار الجاري، بالتزامن مع الذكرى السنوية لإعلان حل حزب العمال الكردستاني وإنهاء الكفاح المسلح، أن نجاح عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” يتطلب تمكين القائد عبد الله أوجلان من أداء دوره كمخاطَب أساسي ومفاوض رئيسي، وذكرت أن تحقيق تقدم فعلي في العملية يستلزم تحديد وضعه القانوني وتوفير ظروف عمل حرة له، كشرط أساسي لإحراز أي اختراق.
من جهته، رأى المحلل السياسي العراقي أسعد العبادي أن العزلة المفروضة “ليست مسألة قانونية بحتة، بل هي نتاج تداخل معقد بين اعتبارات سياسية وأمنية وقانونية داخل تركيا وخارجها”.
وأوضح العبادي أن هذا الملف يمكن فهمه عبر عدة مستويات، أولها “البعد الأمني والسياسي الداخلي”، إذ ترى الدولة التركية أن القائد عبد الله أوجلان لا يزال يتمتع بتأثير رمزي كبير على حزب العمال الكردستاني، لذلك ترى أن تخفيف العزلة أو منحه تواصلاً أوسع قد يترجم إلى إعادة تنشيط نفوذه السياسي أو التنظيمي، خصوصاً في لحظات التوتر أو التفاوض.
وأضاف أن البعد الثاني يتعلق بحساسية الملف الكردي داخل السياسة التركية، مشيراً إلى أن القضية الكردية في تركيا لا تُطرح كملف حقوقي فقط، بل تربطها تركيا بوحدة الدولة والهوية الوطنية، وأن أي خطوة باتجاه تخفيف القيود على أوجلان قد تُفسر داخلياً من قبل بعض القوى السياسية على أنها “تنازل”، ما يدفع الحكومات المتعاقبة إلى الحذر الشديد، خاصة خلال فترات الانتخابات أو الاستقطاب السياسي.
وفيما يخص البعد الثالث، لفت العبادي إلى تعثر مسار السلام السابق خلال عملية السلام بين عامي 2013 و2015، موضحاً أن القائد عبد الله أوجلان لعب دوراً محورياً في التهدئة آنذاك، إلا أن انهيار العملية أعاد المقاربة الأمنية إلى الواجهة، ومنذ ذلك الحين تم تشديد العزلة كجزء من سياسة أوسع لاحتواء الصراع، بالتوازي مع تراجع الثقة بين الأطراف.
أما البعد الرابع، فربط العبادي الملف بالإطار القانوني ومفهوم “الحق في الأمل”، موضحاً أن هذا المفهوم يرتبط بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي دعت إلى ضرورة وجود أفق قانوني لإعادة النظر في أحكام السجن المؤبد، مشيراً إلى أن تطبيق هذه المبادئ داخل تركيا ما يزال محدوداً بسبب عدم تعديل القوانين بما ينسجم كلياً مع تلك المعايير، إضافة إلى اعتبار السلطات أن حالته “استثنائية” وتحمل أبعاداً أمنية خاصة.
وفي البعد الخامس، أشار العبادي إلى أن ملفه لا ينفصل عن الحسابات الإقليمية والدولية، وأشار إلى أن وضعه يرتبط بتوازنات أوسع في الشرق الأوسط، ولا سيما ما يتعلق بسوريا والعراق ودور القوى الكردية هناك، إذ إن أي تغيير في وضعه قد يُفهم إقليمياً كإشارة سياسية ذات انعكاسات تتجاوز الداخل التركي.
وتوقف العبادي عند تساؤل وصفه بأنه مطروح بقوة، حول أسباب عدم ترجمة مبادرات القائد عبد الله أوجلان للحوار إلى تخفيف في العزلة، موضحاً أن صانع القرار التركي يقيس الأمور وفق منطق “الضمانات والنتائج”، حيث لا تكفي المبادرة السياسية وحدها دون تغير ميداني واضح ومستدام، إلى جانب وجود شكوك متراكمة حول استمرارية أي اتفاق في ظل تجارب سابقة.
وختم العبادي بالقول إن العزلة “ليست عقوبة فردية فقط، بل أداة ضمن إدارة صراع طويل”، في حين أن مسألة “الحق في الأمل” تبقى مطروحة كقضية قانونية وإنسانية، لكنها تصطدم بواقع سياسي وأمني شديد التعقيد.