مسيرة الحرية والديمقراطية في نضال الشعب الكردي: بين التاريخ والتحديات المعاصرة بقلم: آمنة خضرو عضوة في المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله أوجلان
المقدمة:
الشعب الكردي، بثرائه الثقافي والتاريخي، يُعدّ جزءًا لا يتجزأ من منطقة الشرق الأوسط. ورغم تنوعه الحضاري والجغرافي، فقد خاض عبر التاريخ نضالًا طويلًا للحفاظ على هويته وحقوقه. تأثرت هذه المسيرة التاريخية بالتحولات السياسية الكبرى في المنطقة، فضلاً عن تأثيرات القوى الإمبريالية التي عملت على تقسيم المنطقة وتحجيم إرادة الشعوب الأصلية فيها. من هنا، يشكل النضال الكردي محطّةً مفصلية في فهم تفاعلات الهوية والحرية السياسية في الشرق الأوسط.
يعود تاريخ الشعب الكردي إلى العصور القديمة حيث كان له حضور بارز في مهد الحضارات الإنسانية. فقد مرَّ الشعب الكردي بتطورات حضارية متنوعة، بدأً من مملكة الميديين التي أسهمت بشكل فاعل في تطور حضارة الشرق الأدنى القديم، وصولًا إلى دوره في تشكيل الهويات السياسية والثقافية في عهد الإمبراطورية الفارسية. امتلك الشعب الكردي لغة وهوية مستقلة استطاعت أن تصمد أمام التحديات الكبيرة التي واجهها الشعب الكردي تحت ظل الإمبراطوريات المتعاقبة. ومع دخول الإسلام إلى المنطقة، اكتسبت هذه الهوية بعدًا دينيًا وثقافيًا مميزًا، حيث أصبح الكرد جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي في العهد الإسلامي.
ومن ثم، أثرت التطورات السياسية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، مثل الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الصفوية، في صياغة واقع الشعب الكردي الذي عانى من تفتيت قسري لمناطقه إلى مناطق منفصلة بين الدول الحديثة التي تُعرف اليوم بـ “تركيا”، “سوريا”، “إيران” و”العراق”. ورغم ذلك، بقيت الثقافة الكردية حية من خلال المحافظة على العادات، اللغة، والفكر السياسي الذي يدافع عن الحريات والمساواة. تاريخ الكرد هو تاريخ مقاومة وصمود أمام محاولات الاستيعاب والهيمنة.
ولطالما كانت منطقة الشرق الأوسط ساحة لتدخلات القوى الكبرى، سواء في العصور الاحتلالية أو في القرن العشرين. تميزت السياسة الخارجية الغربية، بما في ذلك سياسات الاحتلال البريطاني والفرنسي، بتقسيم المنطقة إلى كيانات سياسية من خلال اتفاقات مثل سايكس-بيكو، مما أفرز دولًا ذات حدود مصطنعة لا تأخذ في اعتبارها التنوع العرقي والديني في المنطقة. هذا التفكيك كان له آثار فلسفية وفكرية عميقة على الشعوب الأصلية في الشرق الأوسط، إذ خلق حالة من الصراع الداخلي وعدم الاستقرار في معظم الدول العربية والكردية على حد سواء.
تضاف إلى هذه التقسيمات حالة من الاستقطاب الفكري، حيث سعت القوى الغربية إلى نشر الفكر الرأسمالي والليبرالي بما يتماشى مع مصالحها، مما أسهم في خلق حالة من العزلة الفكرية لدى الشعوب التي تبنت سياسات بديلة أو معارضة. في هذا السياق، جاءت السياسات الاستبدادية التي تبنتها الحكومات الوطنية في الشرق الأوسط لتعزز التفكك الفكري والاجتماعي، مما جعل العديد من الشعوب، بما في ذلك الشعب الكردي، يعيش في حالة من القمع السياسي والاجتماعي. السياسة الخارجية، في هذا الإطار، ساهمت في تفتيت الهويات الوطنية والإقليمية، وهو ما أسهم بدوره في تعميق الصراع الداخلي في الشرق الأوسط.
في هذا السياق الفكري والسياسي المضطرب، برزت حركة حرية الفكر والتعبير في كردستان كمحرك رئيسي في النضال ضد الأنظمة الاستبدادية. كان الهدف الأساسي هو تحرير الفكر الكردي من القيود التي فرضتها السياسات القمعية، سواء من قبل الأنظمة الإقليمية أو القوى الإمبريالية التي سعت إلى استغلال الظروف المحلية لمصالحها الخاصة. لقد شكلت هذه الحركة، في جوهرها، تجسيدًا للفكر الاشتراكي التحرري، الذي سعى إلى تحقيق العدالة والمساواة، ليس فقط للشعب الكردي، بل لكل شعوب المنطقة.
حركة حرية كردستان نواة في تعزيز نشر قيم الحرية السياسية والاجتماعية في المنطقة. تبنت الحركة فلسفة التحرر الاشتراكي التي ترفض الهيمنة الرأسمالية الاستغلالية، وتسعى إلى بناء مجتمعات ديمقراطية تعترف بالحقوق الثقافية لجميع الشعوب. كانت نقطة انطلاق للعديد من الحركات الشعبية التي طالبت بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وقد أثرت الحركة بشكل ملحوظ في وعي الشعوب الكردية والشعوب الأخرى في المنطقة.
و ثورة روج آفا الفصل الأهم في تاريخ الحركة والشعب الكردي . في مواجهة الصراعات الداخلية والإقليمية، ورغم صعوبة المرحلة استطاع الشعب الكردي في روج آفا أن يبني نموذجًا فريدًا للديمقراطية المباشرة والتنظيم الاجتماعي، قائمًا على مبادئ مشروع الأمة الديمقراطية هذا المشروع بمثابة رد فعل فلسفي وسياسي على الأنظمة الرأسمالية والديكتاتورية التي سعت إلى القضاء على وجود الشعب الكردي أو تهميشه. مشروع الأمة الديمقراطية يروج لفكر يسعى إلى بناء مجتمع متسامح ومتعدد الثقافات، يعزز من المساواة بين الأفراد ويشجع على الحرية السياسية والاقتصادية.
وبرغم أن مشروع الأمة الديمقراطية الجديد الذي يضمن تحقيق سلامة المنطقة ارضا وشعبا، تعرضت هذه الثورة للعديد من الهجمات من القوى الإمبريالية والدول الإقليمية التي سعت إلى ضرب هذا النموذج الديمقراطي، نظرًا لأنه يمثل تهديدًا لهيمنة الأنظمة الرأسمالية. وتزامن ذلك مع محاولات لتقسيم المنطقة، مما دفع الشعب الكردي إلى مقاومة هذه القوى، ليس فقط على أرضه بل عبر العالم، حيث اندلعت مظاهرات وتضامنات عالمية فريدة من نوعها لدعم مشروع روج والحد بشكل فوري على سياسة الإبادة.
الخاتمة:
في هذه اللحظة التاريخية، وبعد مرور عام على نداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أطلقه القائد عبدالله أوجلان، يجب أن نتأمل في الأبعاد السياسية، الحقوقية، والدستورية لهذه المبادرة. هذا النداء يمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في بناء العلاقات بين شعوب المنطقة على أسس من العدالة الاجتماعية والمساواة. إن مشروع الأمة الديمقراطية ليس مشروع كردي محلي، انما يطرح رؤية شاملة لدمقرطة المنطقة بأكملها، بعيدًا عن هيمنة الأنظمة الاستبدادية والرأسمالية التي عاثت فسادًا في الأرض. إذا ما تم تبني هذه المبادرة بشكل جاد، فإنها ستحدث تحولًا جوهريًا في العلاقات السياسية والاجتماعية بين شعوب الشرق الأوسط.
في النهاية، يظل إرادة الشعب الكردي صلبة كما الحديد. لن تنكسر هذه الإرادة الحرة أمام أي قوة مهما كانت. فالشعب الكردي، رغم كافة التحديات والإبادة التي تعرض لها، يظل يسعى نحو الحرية والعدالة. سيبقى نضاله مستمرًا حتى يحصل على حقوقه المشروعة، حتى في وجه أكبر القوى الإمبريالية، مؤكدًا أن إرادة الشعوب الحرة لا يمكن أن تُهزم، وأنها ستصل في النهاية إلى تحقيق أهدافها في بناء مجتمع تعددي ديمقراطي ومتحرر.