المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

مقالة :للأستاذ أنس المرفوع

84

إن توقيع الاتفاق بين الجنرال والشرع علامة فارقة في المشهد السياسي المعاصر لسوريا وهو ليس مجرد خطوة دبلوماسية بل يجسد حنكة وثقافة سياسية عميقة تأثرت بفلسفة القائد عبد الله أوجلان هذا الاتفاق يمزج بين المفاوضات والحوار كأدوات رئيسية مما يعكس رؤية سياسية متحررة من القيود التقليدية للقوة فكما يقول المفكر أوجلان في أحد مقالاته “إن السلام يبنى على الحوار وليس على السلاح”مشيرا إلى أهمية الحوار كوسيلة للتفاهم والتقارب بين الأطراف المختلفة وهو ما يسلط الضوء على ضرورة تجاوز الصراعات بحلول سلمية وعملية.
فلسفة أوجلان: الدبلوماسية كأداة للتغيير :
تُعتبر أفكار أوجلان حول الدبلوماسية من أبرز أوجه فلسفته فهو يركز على أهمية تقبل الاختلافات الثقافية والانفتاح على الآخر من أجل بناء مجتمع سليم يفتتح المفكر أوجلان أحد مقالاته بقوله: “تعد الدبلوماسية فنا يتجاوز حدود التعصب ويتطلب من الفاعلين في الساحة السياسية أن يكونوا رحماء ومتسامحين .هذا الموقف يعكس عمق مفاهيم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في فكر وفلسفة المفكر أوجلان حيث يتم التأكيد على أن التفاهم بين الهويات المختلفة يعزز من إمكانية التعايش السلمي. فحقيقة الأفكار التي طرحها المفكر أوجلان في جميع مرافعاته وكتاباته وخاصة ندائه الاخير الذي أطلقه من سجن ايمرالي استخلصها من تاريخه الطويل في الحركة السياسية فقد دعا وبشكل دائم إلى الابتعاد عن استخدام القوة كوسيلة لتحقيق الأهداف ويرى أن استخدام السلاح يؤدي في النهاية إلى تعميق الجروح واليأس ولا يوفر فرصا حقيقية للتغيير الجذري من هنا يأتي توقيع الاتفاق بين الجنرال والشرع كخطوة تعكس هذا التوجه الأوجلاني نحو تحقيق السلام عبر آليات دبلوماسية.حقيقة اذا ماتناولنا التاريخ فإننا نرى ان العديد من الحركات السياسية التي حولت مساراتها نحو الحوار والاعتراف المتبادل حققت نجاحات كبيرة في بلدان مثل جنوب أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي مع نيلسون مانديلا تظهر نجاح الحوار في إنهاء الفجوات العميقة بين عرقيات مختلفة وقد يكون هذا ما يستهدفه الجنرال والشرع في سياقهم الراهن فحقيقة إن الدروس المستفادة من هذه التجارب تبرز كيف يمكن لبساطة الحوار أن تلعب دورا حاسما في معالجة القضايا الشائكة فحقيقة إن توقيع الاتفاق يعطي أملا بأن المستقبل قد يحمل في طياته إمكانية تغيير جذري في المنطقة ككل تبعا لرؤية أوجلان والتي تركز على الابتعاد عن العنف لتحقيق التوافق والسلام وانهاء مشكلات الشرق الأوسط وهذا الرأي يتسق مع ما يؤمن به الجنرال الذي يظهر حكمته من خلال تعامله مع الضغوطات العسكرية والاعلامية طيلة الفترة السابقة أنه قادر على تجاوز العقبات بروح إيجابية فقد سعى الجنرال مظلوم إلى بناء جسور الحوار مستندا إلى المبادئ التي أرسى أسسها المفكر أوجلان والتي تركز على الاعتراف المتبادل والتفاهم حيث قال “لا يمكننا بناء مجتمع ديمقراطي دون الحوار” وهذا يتجلى بوضوح في الدور الذي لعبه الجنرال في تشكيل بيئة من الثقة رغم الصعوبات التاريخية والسياسية.فحقيقة تعتبر نقاط الاتفاق محاور رئيسية في فكر أوجلان مثل وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات وضمان عودة المهجرين وهذا يتماشى مع رؤية المفكر أوجلان التي ترى ضرورة تجاوز النزاعات من أجل بناء وطن يسع الجميع بحيث يتعين على القوميات المختلفة أن تتعاون من أجل تحقيق السلام والرفاهية المشتركة ويؤكد أيضا على أهمية تطوير هوية وطنية مشتركة تتماشى مع تنوع الفئات وهو ما يتجلى بشكل واضح في هذا الاتفاق الذي يعزز حقوق المجتمع الكردي كجزء لا يتجزأ من النسيج السوري وايضا ان بند رفض التقسيم وخطاب الكراهية يؤكد من جديد أهمية الوحدة الوطنية كشرط أساسي لتحقيق الاستقرار وهذا ما كان يدعو له المفكر أوجلان في مشروعه للشرق الأوسط حيث أكد على ضرورة تجاوز الصراعات القومية والدينية وتكريس الحوار كوسيلة لحل النزاعات ومن الجدير بالذكر أن ما جرى هو جزء من رؤية أوجلان وندائه الأخير من سجنه في إيمرالي من أجل السلام. فقد دعا أوجلان من خلال مشروع الأمة الديمقراطية وفي عدة نداءات إلى ضرورة التوصل إلى حلول سلمية تعالج جذور الصراعات في منطقة الشرق الأوسط مما يعزز من أهمية هذا الاتفاق في الظرف الراهن.فحقيقة تأتي أهمية هذا الاتفاق في أن التركيز على الحوار يفتح المجال لإمكانيات جديدة للتعاون والتعامل مع الاطراف الاقليمية والدولية وليس فقط بين الأطراف المحلية حيث تعد هذه الخطوة بمثابة رسالة قوية لمنطقة الشرق الأوسط والتي تعاني من صراعات منذ زمن بعيد حول أهمية الاستقرار والسلام في تحقيق التنمية المستدامة وتؤكد أن تحقيق الأمن والسلام عبر الدبلوماسية والاعتراف بالحقوق الثقافية يمكن أن يفضي إلى بناء ثقافة ديمقراطية حقيقية فحقيقة إذا اردنا لهذا الاتفاق أن يستمر ويؤتي ثماره يتوجب على جميع الأطراف المعنية العمل بروح التعاون والمشاركة بعيدا عن الأنماط التقليدية التي تكتفي بالسلطة الفردية إن الحوار الفعال يجب أن يعزز من خلال إنشاء جسور للتفاهم مما يؤدي إلى توزيع عادل للحقوق ويحقق تطلعات الشعوب نحو حياة أفضل .
الخاتمة:
إن توقيع اتفاق الجنرال_الشرع يمتد إلى ما هو أبعد من كونه مجرد حدث سياسي فهو يعبر عن رؤية عميقة وفلسفة سياسية تتجسد في مشروع الأمة الديمقراطية للمفكر والقائد أوجلان لأنه حقيقة هو نموذج الحل الوحيد الذي يناسب التعدد الإثني والعقائدي والثقافي الغني في الشرق الاوسط وهو الذي سيجعل المنطقة مجددا مهدا للحضارات مثلما كانت، فحقيقة إن الانتقال من استخدام القوة إلى تبني الحوار كوسيلة رئيسية للتغيير يعتبر نموذجا يحتذى به في عالم مليء بالتوترات والصراعات وهكذا يبقى الأمل معقودا على أن يقود هذا الاتفاق إلى شراكات حقيقية تعزز من العدالة والمساواة وتفتح آفاقا جديدة للسلام في الشرق الأوسط والمناطق المتأثرة بالصراعات والحروب في مختلف بقاع العالم
فحقيقة إن مشروع المفكر أوجلان يدعو لإستكمال التأخي الذي جاءت به الديانات الإبراهيمية وتوسيعه ليشمل جميع الشعوب ومن جميع الثقافات والديانات وذلك ليقرب بين الجميع حتى تلتئم هذه الشعوب في ظل إدارة ديمقراطية حرة تمكن الجميع من تحقيق الحرية والعدالة والمساواة والرفاه المادي والمعنوي وتوثق التفاعل بينهم ومن هنا حقيقة يكون طرح القائد لمشروع الأمة الديمقراطية بمثابة الصوت المذكر والحامل للرسالة والداعم لحاجة وعي الشعوب واغتنام الفرص التي لاتزال متاحة واتباع طريق اسلم من الوقوف على اطلال الضائع منها في المستقبل فمشروع الأمة الديمقراطيةيتضمن حل لجميع القضايا المعاشة ليس فقط في سوريا بل والشرق الأوسط فهو يقول في احدى مرافعاته :(أهدي مشروع الأمة الديمقراطية للشرق الأوسط )لأنه حقيقة سينعش ثانية دمقرطة العلاقات الإجتماعية ويضم الهويات المتباينة بروح الوفاق والسلام والسماحة كما يسلحه بوعي مجتمعي سديد وإعادة المنطقة الى قديم عهدها الخصيب والتي كانت يوما جنة والتي تحولت اليوم الى بركان مستعر.
في الختام على الجميع ان يتذكر ويأخذ العبرة من أحد اشهر مقولات المفكر أوجلان وهو أسير ومقيد اليدين وبعزيمة صلبة عندما قال له الضابط الذي كان يقف بجانبه في الطائرة التي أقلته من كينيا وهي تحط في تركيا بأنه سيقضي بقية حياته في السجون حيث ادهش جواب المفكر أوجلان العالم عندما قال له ساخرا : إن عمر الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد السنين التي خدم فيها شعبه.
الاستاذ أنس المرفوع