المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

جيدم دوغو: لا ينبغي ترك العمليّة بيد الدّولة وحدها – تم التحديث

5

شاركت عضوة المجلس التّنفيذي في منظومة المرأة الكردستانيّة (KJK)، جيدم دوغو، في البرنامج الخاص الّذي يُبث على قناة مديا خبر التّلفزيونيّة، حيث قيّمت المستوى الرّاهن لعمليّة السّلام والمجتمع الدّيمقراطي الّتي أطلقها القائد آبو، كما تطرَّقت إلى أحداث المجازر والعنف المجتمعي في تركيا وكردستان.

وفيما يلي تقييمات عضوة المجلس التّنفيذي في منظومة المرأة الكردستانيّة (KJK)، جيدم دوغو:

نودُّ أنْ نبدأ بجدول أعمال القائد آبو. فقد عقد وفد إمرالي لحزب المساواة وديمقراطيّة الشّعوب لقاءً مع القائد آبو في 27 آذار، إلّا أنَّهُ رغم مرور أكثر من شهر على هذا اللّقاء، لم يُعْقَدْ اجتماع ثانٍ حتّى الآن. ما الّذي يمكنكم قوله بشأن مسار العمليّة، وكذلك حول وضع القائد آبو؟ وهل هناك أيّة تطوّرات؟

بدايةً، نحن نقترب من الأول من أيار. ويُعدُّ هذا اليوم مناسبة خاصة للغاية بالنّسبة لشّعوب العالم وللنّضال من أجل الاشتراكيّة العالميّة، فهو يوم مميّز وتاريخ ذو دلالة عميقة. إنَّهُ يوم العمال والكادحين، ويُحيى تقليديَّاً أيضاً ونتبناه كيومٍ للنّضال والعمل الميداني. وبهذه المناسبة، أستذكر بكلّ محبة واحترام وامتنان شهداء الأول من أيار، وشهداء الجهل العظيم، وكذلك رفاق السّادس من أيار: دنيز كزميش، يوسف أصلان، حسين إينان، والرّفيق حقي قرار في الثّامن عشر من أيار. كما أستذكر أيضاً الرّفاق الأربعة الّذين نفّذوا في السّجن يوم 18 أيار عمليّة فدائيّة جماعيّة: الرّفيق فرهاد كورتاي، الرّفيق نجمي أونر، الرّفيق أشرف آنيك، والرَّفيق محمود زنكين، إضافة إلى الرَّفيق محمد قره سونغور، والفنانة مزكين. واستذكر في شخص شهداء أيار جميع شهداء الثَّورة بكلّ محبَّةٍ واحترامٍ وامتنان.

ولا شكّ أنَّ شهداء أيار قد تركوا إرثاً عظيماً لقيم النّضال الموحد والنّضال الاشتراكي، سواء في تركيا أو في الشّرق الأوسط. ومن أجل وحدة الشّعبين الكردي والتّركي، ومن أجل المطالبة بحياة مشتركة ونضال مشترك، خلقوا إرثاً عظيماً، أيّة قيمة عظيمة؛ في الحقيقة، أسّسوا قيماً أخلاقيّة. وقد عبر دنيز كزميش، وهو في طريقه إلى حبل المشنقة، عن هذا الأمر بالذَّات في كلماته الأخيرة. ففي أنفاسه الأخيرة، حيث أصبح النّداء من أجل الأخوة بين الشّعبين الكردي والتّركي، في جوهره، هو المضمون والخط والمقياس الّذي مَهَدَ الطّريق أيضاً لنضال حزب العمال الكردستاني.

وبالطّبع، منذ البداية وحتّى اليوم، كلما تحدَّثْنا عن النّضال، اتّخذْنا هذا المبدأ أساساً لنا. ومهما كانت الرَّسالة والمضمون اللّذان أبرزهما شهداؤنا، فمن واجبنا ومسؤوليّتنا أنْ نناضل انطلاقاً من حياتهم وأنْ نكرمهم ونعظمهم. وأودُّ في البداية أنْ أوضح هذه الأمور وأسلط الضّوء عليها في شخص شهداء أيار. بالطّبع، لقد طرحْتُم سؤالاً بشأن مسار العمليّة ووضع القائد آبو. وقبل أنْ أبدأ في هذا الموضوع، أحيي القائد آبو بكلّ احترام ومحبة.

بالتّأكيد، كان القائد آبو قد أطلق قبل نحو عامٍ ونصف عمليَّةً سمّاها “عملية السّلام والمجتمع الدّيمقراطي”. وخلال هذه الفترة، وعندما ننظر إلى مسار نضالنا، نرى أنَّه قد تمَّ اتّخاذ خطوات بالغة الأهمّيّة، استراتيجيّة وتاريخيّة. لقد وضع آبو استراتيجيّة واضحة، وحدّد على أساسها الخطوات التّكتيكيّة المطلوبة، وما الّذي تستهدفه هذه العمليّة. أي أنَّهُ لم يتناول المسألة من زاوية آنيَّة فحسب، بل قدَّم أيضاً رؤية شاملة من النَّاحيتين التَّاريخيّة والظّرفيّة لواقع الشّرق الأوسط، وما الذي تقتضيه هذه الرّؤية بالنّسبة لتركيا والشّعب الكردي، خاصةً في إطار تحالف استراتيجي. وقد طرح كلّ ذلك كمنظورٍ متكاملٍ وقوي. ونحن بدورنا، كتنظيم، اتَّخذْنا هذا الأساس مرجعاً لنا؛ ومنذ البداية قلنا: ما يقوله القائد آبو هو بالنّسبة لنا الأساس.

لكنَّنا في الوقت نفسه نُقيّم العمليات أيضاً من خلال النَّظر إلى ما مضى؛ ماذا حدث في المرحلة الّتي تركناها خلفنا؟ وعندما ننظر إلى النّقاشات الجارية، نرى بوضوح شديد أنَّها تُطْرَح بطريقة لا تفضي إلى نتائج، ولا تُنتج حلولاً حقيقيَّة في الواقع. فعلى سبيل المثال، تمَّ مؤخراً تشكيل لجنة برلمانيّة، وقد أعدَّتْ هذه اللجنة تقريراً. وبالرّغم من وجود انتقادات ونواقص في مخرجاته، إلّا أنَّه وللمرة الأولى تمَّ طرح إطار عام يتعلق بالقضيّة الكرديّة حظي بتوافق جميع الأحزاب. وبناءً على ذلك، كان من المفترض أنْ يصل الأمر خلال شهر نيسان إلى صيغة قانونيّة. أما الآن، فإنَّ شهر نيسان أوشك على الانتهاء، واليوم هو السّابع والعشرون من الشّهر، وعندما ننظر إلى الوضع نرى أنَّهُ لم تُتَّخَذْ أيّة خطواتٍ. كما نلاحظ أيضاً بروز مقاربة تتعامل مع هذه العمليّة بشكلٍ تقني مفرط. وهذه المقاربة التّقنيّة، في الواقع، تتحوّل إلى النّهج الأساسي الّذي يُفْرَغُ العمليّة من مضمونها ويُفضي إلى تعثّرها.

دائماً ما يرددون هذا الكلام “ليُلقوا أسلحتهم أولاً، ثمَّ سنمضي لاحقاً في المسار القانوني”. وهذا بالتّأكيد ليس كلام عقليّة تريد حل القضيّة. إن كان المرء لا يريد حل القضيّة، أكان ليقول ذلك. أما إذا كان المطلوب فعلاً هو حلُّ القضيَّة، وإذا كان هناك وعي داخل الدَّولة، وكانت السّلطة مقتنعة بهذا الموضوع وتريد المضي فيه، فإنَّ أسلوب ونهج إدارة العمليّة يجب أنْ يكون مختلفاً. فإذا ما اعتبرنا هذه العمليّة عمليّة استراتيجيّة، أيّ تناولها كـ “عمليّة بناء الجمهوريّة الدّيمقراطيّة”، فمن الطّبيعي أنْ تكون المقاربة مختلفة تماماً.

فعلى سبيل المثال، عقدْنا مؤتمرنا. حيث لم يكن مؤتمر الحلّ مجرد مؤتمر لحلّ الحزب فحسب؛ بل عبّر من خلال هذا المؤتمر عن قرار حركتنا بالانخراط في “بناء الجمهوريّة الدّيمقراطيّة” وأظهر هذه العمليّة. وكان لمؤتمر الحلّ الّذي عقدْناه معنى بهذا الشّكل. ويُقال أحياناً بصيغة ضيقة جداً: “كان تنظيمًا وانتهى”. حسنًا، وعلى أيّ أساس حلَّ نفسه؟ لقد حلَّ نفسه بهدف الانخراط في العمليّة الّتي ستُبنى على أساس الحياة المشتركة لشعوب تركيا وكردستان. وبالمثل، تمَّ تنظيم مراسم إتلاف السّلاح بقيادة الرّفيقة بسي. ولم يكن ذلك حدثاً يمكن تقييمه بمنظور تقني سطحي أو بعقليّة فارغة من المضمون. لماذا ذهبت رفيقاتنا ورفاقنا لإحراق السّلاح؟ وما هي الرّسالة الّتي حملها هذا الفعل؟ عند النَّظر إليه، يتبيّن أنَّهُ كان في الواقع فعلاً يُعبّر عن تصميمنا بالمعنى الاستراتيجي، أي تصميمنا على إنهاء الكفاح المسلح والانخراط في الجمهوريّة الدّيمقراطيّة.

رغم كلّ هذه الخطوات، فقد تصدَّرَتْ وسائل الإعلام الموالية للحكومة عناوين رئيسيَّة خلال اليومين الماضيين تزعم “أنَّ حركة التَّحرّر الكردستانيّة لا تستمع إلى القائد آبو، وأنَّ هناك خلاف بين قنديل وإمرالي” ماذا تقولون بشأن هذه العناوين؟

كما قلت؛ إذا كانت هناك نيَّة حقيقيَّة لحلّ القضيَّة، فهل يتمَّ الاقتراب منها بهذه الطَّريقة؟ عندما ننظر إلى هذا العام ونصف العام الماضيين، فإنَّ ما قاله القائد آبو كانت حركتنا تقترب منه بالفعل، وستستمرُّ كذلك. لا توجد أيّة مشكلة في هذا الجانب، المشكلة الأساسيَّة هي وجود مقاربة لا تريد للعمليَّة أنْ تتقدَّم، بل تبطئها أو لا ترغب بدفعها إلى الأمام.

انظرُوا، خلال هذه العمليّة تمَّ اتّخاذ خطواتٍ تاريخيَّة للغاية، ولم تكن خطواتٍ عاديَّةً. على سبيل المثال، أي قوة أخرى كان يمكنها أنْ تحلَّ حزب العمال الكردستاني؟ إذا تمَّ التَّفكير بجديَّة، فهذا أمر بالغ الأهمّيّة. كما أنَّ الكريلا، مع مجموعة من الرَّفاق مؤلفة من 30 شخصاً، نفذت مراسم إحراق السّلاح. من غير القائد آبو كان بإمكانه أنْ يجعل هذا يحدث؟

ومن الآن فصاعداً أيضاً، من الّذي سيقنعنا؟ القوة الأساسيَّة الّتي نصغي إليها ونتحرك وفقاً لها في مسار هذه العمليّة هي بالطبع القائد آبو، وبشكلٍ خاص، فإنَّ تقييمات رئيس جهاز الاستخبارات التُّركيَّة (MIT) الّتي جاءت بصيغة “قنديل لا تستمع إلى القائد آبو”، هي في أبسط توصيف لها مقاربة غير صحيحة. المشكلة ليست في استماعنا للقائد آبو؛ فالموضوع ليس هذا، الجميع يرى أنَّنا نصغي له، وفي مقدّمتهم الدَّولة وجهاز الاستخبارات يعرفان ذلك جيداً.

إذن، لماذا يُقال هذا؟ عندما لا يتَّخذ البرلمان أيّة خطوة، وعندما تبطئ الدَّولة والسّلطة هذه العمليّة، يتمُّ طرح مثل هذه الأقوال، هناك تطوّرات خطيرة في المنطقة؛ سابقاً كانت سوريا، والآن إيران… ولا أحد يعرف ماذا سيحدث غداً، فهل عندما نحاول حلَّ قضيَّةٍ تاريخيّةٍ كهذه، ستستمرُّ الدَّولة دائماً في اتّخاذ قراراتها وفق تطوّرات الشّرق الأوسط من حولنا؟ هذا نهج خاطئ جداً، الجمهوريّة التُّركيَّة تريد أنْ تأخذ موقعاً في القرن الحادي والعشرين، ولديها أهداف واضحة؛ لكن مع وجود قضيّة كرديّة غير محلولة، كيف ستتقدّم؟ وكيف ستسير إلى الأمام؟

إذا كان هناك عقل يريد حلَّ القضيَّة، فيجب أنْ تُحدَّد المقاربة وفق ذلك. لقد تمَّ وضع إطار استراتيجي؛ وتمَّ تحديد مفهوم يتعلق بعلاقة الأتراك والكرد من أجل الدّخول إلى القرن الحادي والعشرين. هذه ليست أموراً مخفية. لكنَّ أثناء السّير في هذا الطّريق، ماذا سيكون وضع القائد آبو؟ وماذا سيكون وضع الشّعب الكردي؟ وإذا تمَّ تطوير الحلّ، فما الّذي سيكون عليه موقع الكريلا؟ عندما تكون كلّ هذه الأمور غير واضحة، ولا يتمُّ اتّخاذ أيّة خطوةٍ، ثمَّ يُقال: “ليأتِ الكريلا أولاً، وليضعوا السّلاح، وبعدها سيتمُّ ضمان هذه الأمور واحدة تلو الأخرى”، فهذا لا يعني شيئاً سوى إغلاق الطَّريق وانعدام الحلّ. يجب بالتَّأكيد التَّخلي عن هذه المقاربة.

وبشكلٍ خاص، فإنَّ قيادة القائد آبو وموقعه السّياسي أمر حاسم لتقدّم هذه العمليّة، فهو قائد الشّعب الكردي، وليس شخصاً عادياً، البعض يقول “وضع شخص واحد”؛ لا، هذا الوضع يعبر عن مكانة شعب تمَّ إنكاره وإفناؤه منذ 200 عام. إنَّهُ في موقع قائد انتفاضة تجاوزت خمسين عاماً، وعندما يُراد إيصال هذه الانتفاضة إلى حلّ، فما الّذي سيكون عليه موقع ومكانة ووضع قائد هذه الانتفاضة؟ كيف سيشارك القائد آبو في هذه العمليَّة؟ كلُّ هذه الأمور غير واضحة، وفوق ذلك لم تُعقد أيّة لقاءات منذ شهر. في ظلّ هذه الشّروط، ليس ممكناً أنْ تتقدّم العمليّة.

يتمُّ الحديث دائماً عن “الاندماج”، لكن أصلاً النَّظر إلى القضيّة فقط من زاوية “الدَّمج” هو بحد ذاته مشكلة. وإذا استمرَّ الأمر بهذا الشّكل، فهناك احتمال أنْ تتجه العمليّة نحو مسار سرطاني وانسداد كامل، بالطّبع لا أحد يريد أنّ تصل العمليّة إلى مكان سلبي؛ نحن لا نريد ذلك، والقائد آبو أيضاً لا يريده. لقد بذل بنفسه جهداًَ كبيراً جداً من أجل هذه العمليَّة. لكن من أجل الحلّ، يجب اتّخاذ خطوات ملموسة، ويجب أنْ يرى القائد آبو ذلك.

يجب أنْ يتحرّر القائد آبو جسديَّاً، وأن يمتلك شروط عمل حرّة، ويجب أنْ نرى أنَّ القائد آبو يفتح الطّريق أمام العمليَّة لكي تتقدّم بخطواتٍ متبادلة ومتزامنة.

هذه ليست مساومةً أو بازاراً؛ بل هي خطواتٌ متبادلةٌ منسقةٌ، وتتمُّ في الوقت نفسه، أما القول: “ليحدث هذا أولاً، ثمَّ يحدث ذاك لاحقاً”، فهو خطاب انعدام الحلّ. الصّحيح هو النَّهجُ قائم على المساواة، والعدالة، وأساس التّفاوض، بحيث يتحمل الطّرفان المسؤوليّة المشتركة. هذا هو نهجنا.

إنَّ خلق الظّروف الّتي تمكّن القائد آبو من التَّدخل في العمليّة بكلّ الأشكال، له أهمّيّة حيويَّة، ونحن نرى عدم عقد اللّقاءات منذ شهر خطراً جديَّاً، يجب بالتَّأكيد أنْ نحصل على معلوماتٍ، فنحن لا نعرف ما الّذي يحدث هناك. ونحن نؤمن بأنَّ وجود القائد آبو في ظروفٍ حرّةٍ، وتحديد وضعه، سيفتح الطّريق أمام هذه العمليّة.

السَّيدة جيدم، ذكرْتُم أنَّ العمليّة تسير وسط صعوبات، القائد آبو هو أحد الأشخاص الّذين بذلوا أكبر جهدٍ من أجل إحلال السّلام؛ ولذلك أيضاً كان يُوصَف دائماً من قبل الشّعوب بأنَّهُ “مناضل الجهد الأكبر” و”أكبر العاملين من أجل السّلام”، ومع اقترابنا من الأول من أيار، كيف تقيمون مفهوم “الكدح”؟ هناك جهد بهذا الشّكل للقائد آبو، لكن في يومنا الحالي يوجد أيضاً فهم للعمل يُقاس فقط بالمال، في هذا الإطار، ما هو الكدح؟ وماذا يمكنكم أنْ تقولوا عنه؟

العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال أو نشاطاً يُقاس بالأجر فقط، بل هو ضرورةٌ أساسيّة للحياة الإنسانيّة والاجتماعيّة، بل ولحياة جميع الكائنات، فهو لا يقتصر على الجانب المادي فقط، وإنَّما يشمل أيضاً بناء الإنسان لذاته، وتطوير مجتمعه، وصناعة ثقافته، وتقدّم أخلاقه، وتوسيع عالمه الفكري والرّوحي. لذلك فإنَّ خلق الإنسان لعالمه الخاص وبناء علاقاته الاجتماعيّة هو بحد ذاته شكل مهم من أشكال العمل المرتبط بالحرّيّة.

مفهوم “العمل الحرّ” لا يقوم على البيع والشّراء أو على قيمة الرّاتب، بل يُقاس بمدى ما يقدّمه من خدمة للمجتمع، وللإنسان، وللطبيعة، وهذه الفلسفة تتجسد بوضوح في تجربة القائد آبو، الّذي بنى حياته على هذه القيم، وواصل نضاله حتّى في أصعب  إمرالي، حيث شكّل صموده لسنوات طويلة نموذجاً للعمل الجسدي والفكري والمعنوي في آنٍ واحد.

أنا لا أحصر جهد القائد آبو من أجل الاشتراكيّة فقط في مرحلة إمرالي؛ بل عشنا هذه العمليّة طوال تاريخ نضالنا. بدأنا بهذه النّظريّة، وخضنا نضالنا بها، وخلال مسار النّضال، قيّم القائد مواضع النّقص أو الأخطاء. ومع تسعينيات القرن الماضي وانهيار الاشتراكيّة المشيدة، ظهر هناك تحليل أعمق لمسألة العمل. فالاشتراكيّة الّتي طُوّرت فقط على أساس الطّبقة العاملة والبروليتاريا، وأقصد هنا الماركسيين الكلاسيكيين، كانت بالطّبع تحمل معنى مهماً؛ وكانت أساساً وإرثاً مهماً لتطور نضالنا. ونحن أيضاً سرنا على هذا الإرث، وحتّى اليوم نحاول دفع العمليّة إلى الأمام من خلال إعطاء القيمة لتلك الأسس.

لكنَّ حصر العمل في شيء مادي فقط، في الحقيقة يضيّق أيضاً النّضال الاشتراكي نفسه، وقد رأينا ذلك بوضوح في التّجارب الاشتراكيّة الّتي ظهرت. يجب أنْ يُعاش العمل بشكلٍ حرَ؛ لا على أساس البيع والشّراء أو مسألة الرّاتب، بل يجب أنْ يُتناول على أساس دعم المجتمع، والإنتاج المشترك، والاستهلاك المشترك. وهذا موجود في الأدبيات الاشتراكيّة العامة، لكن عندما نسير في هذه العمليّة، كيف سنتناول المسألة؟ وكيف سنعرّف ظاهرة العامل والعمل الحرّ؟

كما أنَّ حصر العمل في الطّبقة العاملة أو في الجانب المادي وحده يضيّق فهم الاشتراكيّة نفسها. فجهد المرأة في إنجاب الأطفال وتربيتهم، والعمل داخل المنزل، وجهد التّاجر الصّغير، وكلّ ما ينتج القيم الثّقافية والمعنويّة في المجتمع، هي أيضاً أشكال أساسيّة من العمل.

إنَّ “الاشتراكيّة المجتمعيّة الدّيمقراطيّة” الّتي يعبر عنها القائد ترتبط مباشرة بهذا العمل الّذي يُظهر نفسه في كلّ لحظة من المجتمع والحياة. لا توجد حياة بلا عمل وكدح، وكيف تكون نتائج حياة بلا عمل؟ هذا أيضاً يجب أنْ يكون موضع نقاش، فإذا تناولنا العمل من دون حصره في قوالب ضيقة وماديّة فقط، ونظرنا إلى كلّ نتائجه، فسوف نرى أنَّ جميع القيم الثّقافيّة الّتي أبدعتها المرأة، والطّفل، والكبار في السّنّ، والشّعوب، قد ظهرت نتيجة جهد وعمل، فالعمل ليس فقط هو العمل داخل المصنع.

في الحقيقة، النّساء هن الأكثر تضرُّراً من هذا الواقع، لأنَّنا نتحدَّث دائماً عن النّساء اللّواتي يعملْنَ داخل المنزل، لكنَّ النّساء العاملات في المجالات الأخرى يواجهْنَ الأمر نفسه أيضاً؛ أي أنَّ عملَهنَّ يبقى دائماً ذلك العمل غير المرئي. فإلى جانب حصر المرأة داخل المنزل، وحتّى عندما تعمل خارجه، فإنَّها تواجه المعايير نفسها. وفي هذا المعنى، إلى أي مدى يكون وضع المال والعمل في الكفة نفسها صحيحاً؟ لقد قال القائد آبو: “العمل هو الحرّيّة”، لكنَّنا اليوم نعيش داخل نظام أصبح فيه العمل بالنّسبة لكثير من النّاس نوعاً من المعاناة الكبيرة. فما هو شكل العمل الّذي يمكنه فعلاً أنْ يكون سبباً للحرّيّة؟ أو كما عبّر القائد آبو؛ ما هي الأعمال الّتي تجعل الإنسان يشعر بذلك، وتطوّر لديه حب العمل، وتوقظه صباحاً برغبةٍ وحماسٍ للقيام به؟

العمل والجهد يشكلان وحدةً مترابطةً، لكنَّ النّظام الرّأسمالي حوّل هذه العلاقة إلى معادلة تختصر كلَّ شيءٍ بالمال، فالرَّأسماليّة ربطت الإنسان، والمجتمع، والقيم المعنويّة والماديّة، وحتّى الطَّبيعة، بقيمة ماليّة محدَّدَة، وكأنَّ كلَّ جهدٍ يمكن قياسه بالمال فقط.

لكنَّ الحقيقة أنَّ العمل لا يُقاس بالأجر وحده. فجهد الأم في تربية أطفالها، وعمل المرأة داخل المنزل، ورعاية المجتمع والطّبيعة، كلَّها أعمال أساسيّة لا يمكن اختزالها في قيمة ماديّة. لذلك فإنَّ مساواة العمل بالمال تمثّل أحد أخطر أوجه الفكر الرّأسمالي، لأنَّ المال أصبح وكأنَّهُ المعيار الوحيد للحياة.

إنَّ كسر معادلة “العمل يساوي المال” هو جوهر النّضال الاجتماعي والاشتراكي. فالمطلوب ليس فقط الدّفاع عن الطّبقة العاملة، بل تجاوز النّظام الّذي يحصر الإنسان في العمل المأجور ويربط وجوده كلَّهُ بالرّاتب والاحتياج المادي.

ومن هنا تبرز أهمّيّة “الكومون” والحياة الجماعيّة والتَّعاون المجتمعي، حيث يمكن للناس بناء نماذج اقتصاديَّة قائمة على المشاركة والتّضامن، مثل التّعاونيات والإنتاج المشترك، بدلاً من الخضوع الكامل لمنطق السّوق والاحتكار.

فالاشتراكيّة لا تعني بالضّرورة بناء دولة جديدة، بل تعني قبل ذلك بناء مجتمع قادر على تنظيم نفسه بنفسه، وإعطاء العمل معناه الحقيقي كوسيلة للحرّيّة والكرامة، لا كأداة للاستغلال فقط. وعندها يصبح عمل النّساء مرئيّاً، ويكتسب جهد العمال والفئات المهمشة قيمة إنسانيّة واجتماعيّة أعمق.

أي أنَّ الإنسان يجب أنْ يعيش في أرضه، أليس كذلك؟ وهذه نقطة مهمّة جداً بالنّسبة للكرد، لأنَّهم غالباً ما يُعرَّفون بأنَّهم “مقاتلو الآخرين”، أو “الّذين يبذلون جهداً أكبر من أجل الآخرين”، أو “الّذين يؤدون الخدمة العسكريّة الأفضل لصالح الآخرين”، وحتّى في آخر التَّوتُّرات بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل رأينا ذلك بوضوح. ومن هذا المنطلق، فإنَّ العودة إلى القرى، وحماية الأرض، وتطوّير الأنشطة ضدَّ الهجمات البيئيّة، تُعدُّ أيضاً وسائل مهمّة لكي يدافع الكرد عن جهدهم وعملهم بأنفسهم، أليس كذلك؟

الكرد شعب عُرِفَ تاريخيَّاً بالكدح والعمل، إذ كانت جغرافيّتهم من أوائل مناطق الاستقرار والإنتاج، وما زالوا حتّى اليوم يحافظون على وجودهم رغم الصّعوبات والهجمات المستمرّة. لكن خلال المئتي عام الأخيرة، أدَّى الاستعمار إلى اغترابهم عن جهدهم، فأصبح عملهم يُستغل لخدمة الآخرين بدلاً من خدمة حريّتهم وتطوير مجتمعهم. ولهذا قيل إنَّ الشّعب الّذي خلق الخبز على أرض كردستان أصبح اليوم شعباً بلا خبز، في إشارة إلى سياسة الإفقار الممنهج الّتي فرضتها الدّول لإبقائهم في حالة تبعيّة دائمة.

فكلّما ازداد الفقر، ازداد ارتباط الإنسان بالدّولة وتحوّل إلى أداة في خدمتها، سواء كجندي أو حارس أو مُخبر. ولم يكن الهدف فقط السّيطرة الأمنيّة، بل دفع الكرد بعيداً عن خدمة مجتمعهم وقضيتهم، وربطهم بالدّولة المستعمِرة الّتي قامَتْ على القمع والإنكار.

وهذه السّياسة لم تقتصر على جزء واحد من كردستان، بل شملت الأجزاء الأربعة بدرجاتٍ مختلفةٍ، بهدف استغلال جهد الكرد ومنعهم من تحويل عملهم إلى قوة تخدم حريّتهم ووجودهم الحقيقي.

ومن هنا تأتي أهمّيّة تأكيد القائد آبو على “العمل الحر”، فجوهر عظمة القائد يظهر في هذه النّقطة تحديداً: تعريف الكردي بنفسه، أي تعريفه بهويّته الأصيلة وبعمله الأصيل. فهو يقول له: “لديك لغة، لديك وجود، أنت موجود”، ويضع كلّ ذلك ضمن مفهوم العمل، ولهذا يؤكّد أنَّ على الكرد أنْ يحققوا وجودهم على أساس اشتراكي. فالكرد لا يمكنهم تحقيق ذاتهم إلّا من خلال هذا العمل الحرّ، لأنَّهم بالفعل شعب عامل ومجتهد، لكنَّ هذا الجهد تعرض دائماً للإنكار والاستهداف تحت الاستعمار.

وهنا نرى أنَّ الكردايتيَّة تتحقّق من خلال العمل الحرّ، أي ضمن إطار الاشتراكيّة المجتمعيّة الدّيمقراطيّة. فامتلاك الكرد لعملهم يعني أنْ يديروا أنفسهم بأنفسهم. أي أنَّ عليهم بناء نظامهم الإدارة الذّاتيّة، فالشّعب الكردي يعيش مع الدّول، لكنَّهُ في الوقت نفسه يجب أنْ يكون قادراً على بناء نظامه الاجتماعي الخاص: نظام البلديَّة، ونظام الحي، ونظام القرية، ونظام المدينة، وهذه ليست أفكاراً نظريَّة فقط، بل ممارساتٍ موجودةٍ بالفعل، فهم يعملون بلغتهم، ويطوّرون ثقافتهم وسينماهم، والنَّساء يؤسّسْنَ أنظمةَ دعمٍ خاصةٍ بهنَّ. وهذا يعني تحويل الجهد الكردي الأصيل إلى نظامٍ متكامل.

وفي هذا الإطار، فإنَّ الأعمال الجارية اليوم مهمّة جداً وذات قيمةٍ كبيرةٍ، لكن يجب أنْ تصل إلى بنية أكثر تنظيماً وشمولاً، إلى وحدة نظاميَّة يُطلق عليها “الكونفدراليّة المجتمعيّة” أو “نظام المجتمع الدّيمقراطي”، بحيث تكون أكثر ترابطاً وتكاملاً وتوسعاً.

كما أنَّ هذا يرتبط أيضاً ببناء ثقافة ديمقراطيّة تبدأ من داخل الأسرة نفسها؛ فالعلاقات بين المرأة والرّجل، والعلاقات داخل العائلة، كلها تدخل ضمن مفهوم العمل. لذلك لا يمكن حصر العمل في الجانب المادي فقط. فمثلاً، بناء ثقافة علاقة متساويّة بين المرأة والرّجل هو بحد ذاته شكلٌ من أشكالِ العمل، بل جهد كبير جداً. وكذلك تطوير علاقة ديمقراطيّة داخل الأسرة، سواء بين الأبّ والابن، أو الأبّ والابنة، أو الأمّ والطّفل، والخروج من الأنماط التّقليديّة نحو حياة حرّة، هو تعبير عن جهد حرّ وعميق، فإعادة إنتاج العلاقات الإنسانيّة على أسس ديمقراطيّة أيضاً هي من أهم أشكال العمل.

في الختام، هل لديكم ما تودُّ قوله بمناسبة الأول من أيار؟

بالتّأكيد، الأول من أيار يحمل تاريخاً وأهمّيّةً كبيرةً. ومن هذا المنطلق، أوجّه نداءً إلى جميع الكادحين والشّعوب المناضلة للنّزول إلى السّاحات، وفي الوقت نفسه، هناك حالة من الجمود في مسار العمليّة، ولذلك يجب على الشّعب أنْ يقول كفى وأنْ يتدخل، أنْ تحمل المسؤوليّة تجاه هذه العمليّة من أجل تقدّم السّلام والدّيمقراطيّة أمر بالغ الأهمّيّة، ولا ينبغي ترك هذه القضيّة للّدولة وحدها، بل يجب على المجتمع أنْ يكون صاحب الدَّور الأساسي فيها، لأنَّ ذلك يحمل أهمّيّة استراتيجيّة كبيرة، ومن هذا الجانب، يجب على الشّعب الكردي وكذلك شعوب تركيا أنْ يكونوا ضمن نضالٍ مستمرّ، وأنْ ينزلوا إلى الشّوارع بمطالبهم.

أما القضيّة الأخرى المهمّة فهي جرائم قتل النّساء الّتي يتمَّ التّستر عليها، والّتي حُظِيَتْ حتّى الآن بحماية من قبل الدّولة. وكلما تقدَّمَتْ نضالات النّساء، كلّما لم تصمت النّساء أمام هذه الجرائم واستمررنّ في النّضال، وخاصة عندما تتابع عائلات النّساء المقتولات هذه القضايا بجديَّة وإصرار، تظهر الحقائق إلى العلن، ويتمُّ كشف الجناة واعتقالهم. لذلك يجب تعزيز نضال المرأة بشكلٍ أكبر في هذا الإطار، وتقويته وتوسيعه أكثر.