المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

جميل بايك: الهجمات على روج آفا تستهدف المجتمع الدّيمقراطي والإرادة الكرديّة

6

صرّح الرّئيس المشترك للمجلس التّنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايك،أنَّ الهجمات التّي تستهدف روج آفا وشمال وشرق سوريا لا تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل تشكّل جزءاً من توجّه متعدّد المستويات يهدف إلى”تصفيّة المجتمع الدّيمقراطي والإرادة الكردية”أكّد الرّئيس المشترك للمجلس التّنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني  (KCK)، جميل بايك، أنَّ الهجمات التّي تستهدف روج آفا وشمال وشرق سوريا تُعدُّ جزءاً من هذه الحرب الدّوليّة والإقليميّة الدّائرة، مشيراً إلى أنَّ روج آفا تُستهدف لأنَّ ثورتها، بكلّ أبعادها، تعيق حرب التّقاسم الجديدة الجاريّة في الشّرق الأوسط. وقال بايك إنَّ للهجمات على روج آفا أبعاداً دوليّة وإقليميّة في آنٍ واحد، وهي مرتبطة مباشرة بسياسات القوى الدّوليّة القائمة على الدّولة المركزيّة.

وأوضح بايك أنَّ القوى الدّوليّة ليس لديها سياسة موحَّدة تجاه الكرد بحكم ارتكازها على الدّول، مبيّناً أنَّ تركيا وهيئة تحرير الشّام وسائر الأطراف الإقليميّة الأخرى تلتقي على هذا الأساس، ويتمُّ إعدادها بهدف “كسر الإرادة الكرديّة”.

ولفت بايك إلى أنَّ الاستهداف الموجّه إلى روج آفا لا يقتصر على البعد العسكر أو السّياسي، بل ينطوي كذلك في الوقت نفسه على بُعدٍ أيديولوجي، موضحاً أنَّ أحد الأبعاد المهمة للهجوم على روج آفا وشمال وشرق سوريا يتمثّل في استهداف المجتمع الدّيمقراطي. ونوّه بايك إلى أنَّ النّموذج القائم هناك يرتكز على ’نموذج المجتمع الدّيمقراطي البيئي وتحرر المرأة‘، ولذلك فإنَّ هذه الهجمات تعني، في جوهرها، استهدافاً مباشراً لنموذج المجتمع الدّيمقراطي. وأوضح بايك أنَّ نموذج الإدارة الذّاتيّة في روج آفا وشمال وشرق سوريا، بما يحمله من دلالات ومعاني لمستقبل الشّرق الأوسط، أصبح الهدف الرّئيسي لهذه الهجمات.

وجاء القسم الأوّل من المقابلة الخاصة التي أدلى بها جميل بايك لوكالة فرات للأنباء (ANF) على النحو الآتي:

نحن نعيش في زمن تشهد فيه كلَّ يومٍ تغيرات جذريّة تؤثّرُ على العالم بأسره. في العديد من مناطق العالم، تدور صراعات على المستوى المحلي أو الإقليمي. يمكن للمرء القول إنَّ هناك حرباً انتشرت في كلّ مكان من خلال الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والدّبلوماسيّة. وقد وصف القائد آبو هذه الحرب بأنَّها الحرب العالميّة الثّالثة. ويُنظر إلى الشّرق الأوسط، وخاصة كردستان، على أنَّه مركز هذه الحرب. ما السّبب وراء ذلك؟ وما الأهميّة التّي يتمتّع بها كردستان من هذا المنظور؟ ولماذا تُستهدَف؟

تدور الحرب العالميّة الثّالثة منذ اندلاع حرب الخليج الأولى. ولأنَّ طبيعتها تختلف عن الحربين العالميتين الأولى والثّانية، لا يدرك النّاس أنَّ الحرب العالميّة الثّالثة قد بدأت وما زالَتْ مستمرَّةً. فهذه الحرب تدور في إطار الرّأسماليّة العالميّة، ولا تشبه الحربين العالميتين السّابقتين اللتّين اعتمدتا على مواجهة صارمة ومباشرة. فالاختلاف يكمن في غياب المواجهة المباشرة وطريقة الحرب القائمة على التّدمير المتبادل في فترة قصيرة، كما كان الحال في الحربين العالميتين الأولى والثّانيّة. وبدلاً من ذلك، هناك صراعٌ مستمرٌ يظهر بأشكال متنوعة، يُخاض ضمن النّظام العالمي بهدف إضعاف البلدان الرّأسماليّة الأخرى من خلال تحالفات مختلفة وتقوية الذّات. وتندلع الحروب العالميّة دائماً في أوقات انهيار التّوازنات السّابقة، مع السّعي لإقامة توازنات ووضعيات جديدة. فبدل الأوضاع والتّوازنات السّياسيّة التي أُثّرَتْ بفعل الحرب الباردة، تدور حرب لإعادة تأسيس وضعيات وتوازنات سياسيّة جديدة وفقاً لاحتياجات النّظام الرّأسمالي العالمي. وبسبب طبيعة الرّأسماليّة العالميّة، تُعدُّ هذه الحرب صراعاً مستمرّاً منذ عقود، ويتخذ في الغالب شكل صراعات إقليميّة. وكلّ هذا التَّوتُّر والحرب يُشكّل جزءاً من الحرب العالميّة الثّالثة. لذا، يجب على المرء فهم طبيعة الحرب العالميّة الثّالثة على هذا النحو، كما ينبغي إدراك العلاقة الوثيقة بين هذه الحرب وحقيقة الرّأسماليّة العالميّة.

وتستمرُّ الحرب العالمية الثّالثة بالتّوازي مع أزمة الرّأسماليّة العالميّة، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما. إذ تمرُّ الرّأسماليّة العالميّة بأزمة متعدّدة الأبعاد، تشمل التّمييز والظّلم في توزيع الدّخل بين المجتمعات والدّول، والأزمة البيئية، واستمرار اضطهاد النّساء بشكلٍ قاسٍ، وقضيّة الهجرة، وانتشار الأسلحة، واستمرار الحروب، والتّي تُعدُّ من الجوانب الأساسيّة لهذه الأزمة. ونظراً لعدم قدرة المعارضة اليساريّة داخل النّظام على إيجاد حلول لهذه القضايا، تتولَّى الأحزاب اليمينيّة السّلطة في العديد من الدّول. ويُعدُّ صعود السّلطات اليمينيّة مؤشراً على تفاقم أزمة الرّأسماليّة العالميّة.

ومن الواضح أنَّ تفاقم الأزمة يضع مهمة تاريخيّة على عاتق قوى الدّيمقراطيّة والحرّيّة. ففي ظلّ هذه الأجواء المشبعة بالأزمة، يتمتّع أولئك الذّين يمتلكون نهجاً أيديولوجيّاً وسياسيّاً صحيحاً ومشاريع حلول عمليّة بفرصة كبيرة للنجاح. ونظراً لأنَّ نموذج القائد آبو يمتلك القدرة على الاستجابة لقضايا هذه الأزمة، فمن الواضح أنَّ نضالنا سيتقدَّمُ بشكلٍ أكثر. ومع استمرار الحرب العالميّة الثّالثة في الشّرق الأوسط وكردستان، فقد بلغ نموذج القائد آبو ومشاريعه للحلّ مرحلة التّقدّم والإنجاز. ولقد أظهرت حركتنا التّحرَّريَّة، التي وصلت إلى هذه المرحلة، أنَّهُ على الرّغم من الصّعوبات والعقبات، إذا تمَّ تطبيق نموذج القائد عملياًّ بشكلٍ صحيح، فإنَّ التّقدُّم الذّي تحقّق حتّى الآن سيكون أساساً لتحقيق المزيد في المستقبل. وقد أدَّتِ الظّروف الصّعبة إلى ظهور حركتنا، لذا فإنَّ هذه الظّروف ستصبح دافعاً لنا للنّضال وتحقيق النّصر.ِ

وكان الشّرق الأوسط على مرّ التّاريخ، المنطقة الجغرافيّة التّي تأسّست عليها الوضعيات الرّاهنة والتّوازنات السّياسيّة. واليوم، تحوّل الشّرق الأوسط إلى ساحة للحرب التّي تُرْسَم عليها التّوازنات العالميّة. وبما أنَّ كردستان تقع في قلب الشّرق الأوسط، فإنَّ الحرب تتصاعد داخلها وحولها أيضاً.

ويتمتَّع الشّرق الأوسط بأهميّة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة بالغة بالنسبة للعالم. وفي عالمنا المشبع بالعولمة، ينبغي النّظر إلى الشّرق الأوسط وأوروبّا وإفريقيا ضمن سياق مشترك. وإذا أُضيف غرب آسيا إلى هذا السّياق، ندرك مدى أهميّة الشّرق الأوسط من منظور جيوسياسي. وعند الأخذ في الاعتبار أهميّة الطّاقة، على قدم المساواة مع المياه، للمجتمعات والرّأسماليّة العالميّة، عندها يمكننا فهم السبب وراء شنّ هذه الحرب في الشّرق الأوسط، ولا سيَّما في كردستان الواقعة في مركزه.

ولا شكَّ أنَّ وجود إسرائيل ورغبتها في زيادة نفوذها في المنطقة، فضلاً عن الخطوات التّي تتخذها في هذا الإطار، تشكل عاملاً أساسياً آخر يجعل الشّرق الأوسط مركزاً للحرب العالميّة الثّالثة. وتقع كردستان داخل حدود أربع دول في الشّرق الأوسط، وهذه الدّول الأربع هي التّي تحدّد التّوازن السّياسي للقوى في المنطقة. وفي هذا السّياق، تقع كردستان في قلب الصّراع الإقليمي. ولكن، وبفضل نضال دام عقوداً، أصبح الكرد اليوم قوة سياسيّة مهمة، وتحتلُّ مكانةً بالغة الأهميّة داخل الدّول التّي يعيشون فيها، وكذلك ضمن التّوازنات السّياسيّة في الشّرق الأوسط. لم يَعدْ بإمكان أيَّة قوةٍ إقليميّةٍ أو دوليّةٍ اتباع سياسة صحيحة وسليمة في الشّرق الأوسط دون أخذ الكرد في الاعتبار. ومما لا شكَّ فيه أنَّ الكرد، بالنّظر إلى وضعهم الرّاهن، سيكون لهم مكانة مؤثرة في هذه التّوازنات السّياسيّة، حتّى لو كان التّركيز الحالي على الدّول. وإلى أنْ يتمَّ حلُّ قضيّة وجود الكرد وحرّيّتهم، لن تتمكن الدّول التّي تهيمن على كردستان من تحقيق السّلام، ولن تستطيع القوى الدّوليّة تحقيق نتائج ملموسة من سياساتها الإقليميّة، حيث إنَّ عدم حلَّ القضيّة الكرديّة تشكّلُ الرّكيزة الأساسيّة للمشكلة السّياسيّة والأزمة القائمة في الشّرق الأوسط.

ونظراً لتأثير الكرد في الأجزاء الأربعة، تحاول القوى الإقليميّة والدّوليّة إخضاعهم لنفوذها، فهي تسعى إما إلى تقيد تأثيرهم أو إخضاعهم لسيطرتها. ولهذا السّبب، تدور الحرب الإقليميّة في كردستان. كما يدرك الكرد أهميّة هذه الحالة في نضالهم السّياسي، ويواصلون النّضال من أجل تحقيق المكتسبات في مسيرة نضال الشّعب الكردي نحو الحرّيّة والوجود.

وخلال عمليّة المحادثات التّي جرت بين عامي 2013 و2015، قال القائد آبو، إنَّ الحرب الإمبرياليّة والعدوان في سوريا ستنتقل، بعد فترة، نحو الشّمال والشّرق. هل تؤكّد الأحداث الرّاهنة هذا التّوقع؟ على سبيل المثال، كيف ترون تصاعد الحرب في سوريا؟ لقد استهدفت الولايات المتّحدة مؤخراً، وبشكلٍ علني، العراق وإيران؛ فهل من الممكن أنْ تمتدَّ الحرب إلى هذين البلدين؟ وما هي العواقب المحتملة لذلك؟ وكيف سيؤثر هذا على تركيا؟ يُقال إنَّ تركيا ستكون الدّولة التّالية المتأثرة؛ هل تتفقون مع هذا الرأي؟

ويُعتبر شرق البحر الأبيض المتوسط بوابة إلى الشّرق الأوسط وأوروبّا، ويشمل هذه المنطقة سوريا ولبنان وإسرائيل، وقطاع غزة الذي تحتله إسرائيل. وقد شهدت سوريا على مرّ التّاريخ صراعات مهمة، وفتحت الإمبراطوريّة العثمانيّة الباب أمام السّيطرة عليها، لتصبح المنطقة تحت نفوذها الواسع في الشّرق الأوسط. وكانت هذه السّاحة قد شهدت أيضاً الحروب الصّليبيّة، فخلال الحرب العالميّة الأولى، كانت منطقة الشّرق الأوسط أحد المسارح الرّئيسيّة للصراع السّياسي والحرب. حيث كانت ساحة للصّراع بين بريطانيا وفرنسا. في نهاية المطاف، سعت فرنسا إلى ممارسة نفوذها في المنطقة من خلال سيطرتها على سوريا، بينما سعت بريطانيا إلى ذلك من خلال سيطرتها على العراق والأردن. وأدَّى إنشاء إسرائيل إلى زيادة أهميّة الوضع في لبنان وسوريا. ولذلك، ما لم يستقر الوضع السّياسي والتّوازنات السّياسيّة في سوريا، سيظلُّ مستقبل الشّرق الأوسط محفوفاً بالغموض. ولهذا السّبب، وبمساعدة من الولايات المتّحدة الأمريكيّة وبريطانيا وتركيا، تمَّ تحريك هيئة تحرير الشّام لإنهاء نظام البعث في سوريا. ولا شكَّ أنَّ لإسرائيل دوراً في إنهاء نظام البعث. وبعد انهيار نظام البعث، جاء تدخل إسرائيل في سوريا كجزء من خطة إسقاطه.

وتضع كلّ من الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإسرائيل النّظام السّياسي الحالي في إيران في مرمى هدفيهما. وقد بدأ الأمر في البداية بتحييد القوى التّابعة لإيران في الشّرق الأوسط، والآن تستهدفان إيران نفسها بشكلٍ مباشر. وقد دخل نظام سياسي جديد في العراق حيز التّنفيذ بالتّزامن مع الاحتلال الأمريكي، ولا يزال بلداً يرزح تحت نفوذ الولايات المتّحدة الأمريكيّة. إذ تسعى الولايات المتّحدة وإسرائيل، نظراً لأنَّ العراق يُعتبر أحد المناطق الحيويّة التّي تتنفس فيها إيران، إلى إزالة الحكومة العراقيّة من موقعها الدّاعم لإيران. فهي تسعى على وجه الخصوص إلى تحييد الحشد الشّعبي. وقد اتُخذت خلال فترة حكومة السّوداني بعض الخطوات في هذا الإطار، لكنذَ الولايات المتّحدة وإسرائيل لم تعتبر ذلك كافياً، إذ تسعيان إلى إنهاء الوضع الذّي يوفر متنفساً لإيران. ولهذا، هدّد ترامب المرشح الشّيعي لرئاسة الوزراء في هذا السّياق. وإذا لم يتم التّوصل إلى اتّفاق، قد يشهد العراق تدخّلات إضافيّة. ومن الممكن أنْ تتغير التّوازنات السّياسيّة في العراق، الذي أصبح هادئاً نسبياً. وتُفضّل الولايات المتّحدة في المرحلة الأولى التّوصّل إلى اتّفاق، ويبدو أنَّ المالكي قد صرف النّظر عن منصب رئاسة الوزراء.

وأصبح هذا الأمر واضحاً. فقد تلاشَتِ الأرضيّة التّي كان بإمكان النّظام الإيراني الحالي الصّمود. إما أنْ يتغير هذا النّظام أو ينهار. وإذا لم يقم بتغييرات جذريّة، يبدو أنَّ النّتيجة ستكون على هذا النّحو. ومع ذلك، فإنَّ الإدارة التّي تعتمد على التّدخل الخارجي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات والمشاكل في إيران بشكلٍ أكبر. وقد توقفت الحرب التي استمرَّتْ 12 يوماً، في بعض النّواحي، لهذا السّبب بالذّات. وقد أدَّتِ الانتفاضات التّي أعقبت ذلك إلى إضعاف النّظام بشكلٍ أكبر. ورغم أنَّ التّدخل المفرط قد أدَّى إلى إحداث حالة من التّراخي في الانتفاضة الشّعبيّة، إلّا أنَّهْ لا يمكن القول إنَّ النّظام قد استعاد قوته.

وتدعم إسرائيل والولايات المتّحدة بقاء إيران موحَّدة، ولكن مع تغيير النّظام. فهما تريان أنَّ إيران الموحَّدة تخدم مصالحهما. فعندما ينهار النّظام، حتّى لو لم تنقسم إيران، فسيتمُّ حتماً إقامة نظام ديمقراطي قائم على مناطق تتمتع بإدارة ذاتيّة. في الواقع، تاريخ إيران السّياسي قائم على الإدارات الذّاتيّة المحليّة. إنَّ تحقيق ذلك في إيران سيؤدي إلى الاستقرار. سنرى مع الوقت أيَّة قوة ستحقق ذلك. فتاريخ الشّرق الأوسط هو تاريخ قائم على الحياة في ظلّ الإدارة الذّاتيّة المحليّة. وقد جاءت فتنة النّزعة القوميّة من العالم الغربي. وإذا كان الشّرق الأوسط يمرُّ بأزمة مستمرة اليوم، فإنَّ أحد الأسباب المهمة لذلك هو أنَّ مفهوم الدّولة القوميّة، الذي يتعارض مع التّاريخ السّياسي للمنطقة، قد فُرض عليها كشكل من أشكال الفتنة. كما أنَّ سياسة ”فرّق تسد“ سيئة السّمعة تعتمد على هذا المفهوم المتجانس للدّولة القوميّة.

وإذا لم تُغيّر تركيا نفسها، وإذا لم تتحوّل إلى نظام ديمقراطي قائم على الأخوة بين الأتراك والكرد، بمفهوم الأمة الدّيمقراطيّة، فلن تستطيع التّحرّر من كونها دولة تعيش في ظلّ أزمات دائمة وتتعرض للاستغلال. قد تُحيك القوى الدّوليّة المستفيدة من هذا الوضع خطة في تركيا قائمة على مصالحها. إذ تُعدّ مسألة عدم حلّ القضيّة الكرديّة إحدى أبرز نقاط ضعفها، وسيتحوّل عدم حل هذه القضيّة إلى مشكلة حقيقيّة ودائمة بالنسبة لتركيا. فمن ناحية، ترى الدّولة التّركيّة المخاطر التّي قد تواجهها؛ ولكن، كما أشرتم أيضاً، قد تواجه مخاطر لأنَّها لم تستطع إظهار الرّغبة والإرادة في تغيير سياستها التي اتبعتها حتّى الآن بشأن القضيّة الكرديّة.

هل أصبحَتْ ثورة روج آفا هدفاً للهجمات لأنَّ حرب التّقسيم الجديدة وصلتْ إلى طريق مسدود من جميع الأطراف؟ ما هي أسباب ذلك؟ هل يتمَّ فرض التّهميش على الكرد، الذين أصبحُوا فاعلين في القرن الجديد؟ هل يمكن تنفيذ مثل هذه الخطَّة؟ ما الذّي تودون قوله للقوى الكرديّة والشّعوب؟ ما هو موقف القائد آبو في هذا الشّأن؟

إنَّ الوضع الذّي يُصعّب حلّ القضيّة الكرديّة أكثر، هو تقسيمها بين أربعةِ دول في الشّرق الأوسط، تركيا وإيران وسوريا والعراق، في هذه الدّول الأربعة يُعدُّ الكرد ثاني أكبر مجموعة عرقيّة، في إيران هناك أذريين، ولكنَّ نظراً لأنذَ المذهب الشّيعي هو الهويّة الرّئيسيّة أيضاً، فإنَّ بُعدهم العرقي لا يُسلّطُ عليه الضّوء، ولا يُبرَز، تشكّلت هذه الدّول الأربع في القرن العشرين وفقاً لمفهوم الدّولة القوميّة، وقد ظهرت أشدّ المقاربات صرامةً تجاه الوجود الكردي من قبل تركيا، بينما في الدّول الثّلاث الأخرى، طُبّقت سياسة السّيادة أيضاً ضدَّ الكرد، لأنَّ موقع الشّرق الأوسط مهمٌّ جداً في موازين القوى العالميّة، فإنَّ القوى الدّوليّة تُولي أولويّة للدول في سياساتها، طبعاً هذا يُشكل في حد ذاته عائقاً كبيراً أمام نضال الشّعب الكردي من أجل الحرّيّة، من جهة أخرى، حتّى لو كانت أربع دول متضادّة في قضايا مختلفة، يُمكنهم الاتّفاق على سياسة مشتركة عندما يتعلق الأمر بالكرد، هذه الحقيقة توضّح الصّعوبات والتّحديات التّي سيواجهها نضال الشّعب الكردي من أجل الحرّيّة، عندما تمَّ خوض نضال الحرّيّة للشعب الكردي، يجب مراعاة ذلك، وتطبيق السّياسات وفقاً لها، وللتّغلب على هذه المعوقات التّي تحدثنا عنها، هناك حاجة إلى نضال قوي وحازم، إلى جانب الدّقَّة في السّياسة وسرعة البديهة، لذا، لا تجد كلمات المعارضة والعداء حلاً في القضيّة الكرديّة، باختصار، القضيّة الكرديّة لا تشبه أيّة قضايا مماثلة في أنحاء أخرى من العالم، فعدم حلّها لا يعود إلى نقص المطالب أو تزايدها، بل إلى سياسات تهدف إلى طمس وجود الكرد في إطار مفهوم الدّولة القوميّة، إذا تمَّ النّظر إلى السّياسات المتَّخذة ضدَّ الكرد على أنَّها مماثلة للمشاكل في أماكن أخرى من العالم، فسيكون ذلك مضللاً ولن يؤدي إلى سياسات حل.

للهجمات على روج آفا أبعاد دوليّة وإقليميّة، لقد وصلت القوى الدّوليّة إلى قناعة بأنَّ استمرار العلاقات التّكتيكيّة مع روج آفا التّي تعاونت معها ضدَّ داعش، لا يصب في مصلحتها، بل رأت أنَّ العلاقات مع تركيا وبعض الدّول العربيّة هي التّي تصب في مصلحتها أكثر، اتَّفقتْ مع تركيا والدّول العربيّة على مسألة الإطاحة بالأسد، وأخذَتْ مصالح إسرائيل في الحسبان، ونظراً لاتباعها سياسة توازنات سياسيّة جديدة في الشّرق الأوسط قائمة على التّعاون مع هذه الدّول، فقد غضت الطّرف عن هجمات هيئة تحرير الشّام، ولأنَّ القوى الدّوليّة تأخذ الدّول أساساً لها، فليس لديها سياسة متماسكة حيال الكرد، ولذلك فضّلت مصالح وتوازنات سياسيّة أخرى، طبعاً الجمهوريّة التّركيّة وهيئة تحرير الشّام تخطّطان دائماً لتنفيذ ذلك وشنّ الهجوم، وقد شنَّتْا الهجوم بموجب اتّفاق ترك جنوب سوريا لإسرائيل.

في الواقع، يدرك الجميع أنَّ للكرد القدرة على التأثير في العديد من قضايا الشّرق الأوسط، فالنّضال الدّائر في أجزاء كردستان الأربعة منذ عقود جعل من الكرد قوة سياسيّة مؤثّرة للغاية، إذ يؤثّرون في سياسات تركيا وإيران والعراق وسوريا، وقد تجاوزت حركة التّحرُّر الكردستانيّة سياسة فرق تسدُّ، واتجهت نحو الشّرق الأوسط انطلاقاً من مبدأ الأخوة بين الشّعوب، وهذا ما لا يخدم مصالح بعض القوى، كان الدّور الذّي مُنح للكرد في القرن العشرين يتمثّل في جعلهم مصدراً لعدم الاستقرار، ما مكّن القوى المهيمنة من إبقاء دول المنطقة تحت سيطرتها، ورغم أنَّ هذه السّياسة شهدت بعض النّكسات في القرن العشرين، إلّا أنذَها ما زالت قائمة، فالكرد ليسوا بمنأى عن الأنظار، إلّا أنَّهم لا يرون في حلّ المشكلة الكرديّة عبر اتّفاق ديمقراطي بعيد عن الحرب مصلحة لهم، ولا يسعون إلى سياسة كرديّة متماسكة، ومع ذلك، ولأنَّ الكرد أصبحُوا قوة مؤثّرة في جميع أنحاء كردستان اليوم، فقد بات تطبيق هذه السّياسة أمراً صعباً، إذا استمرّ الكرد بنضالهم الذّي يخوضونه حتّى الآن، وتخلّت القوى السّياسيّة الكرديّة عن سياسة عرقلة بعضها البعض أو الهيمنة على بعضها، فسيتمُّ إزالة هذه السّياسة من الوسط، وسينعم الكرد بحياة حرّة وديمقراطيّة في كلَّ بلد يتواجدون فيه، إنَّ مشروع الحلّ الدّيمقراطي الذّي طرحه القائد آبو والذي يستند إلى الأمة الدّيمقراطيّة، هو أيضاً مشروع للقضاء على سياسة القوى الدّوليّة والإقليميّة ضدَّ الكرد، لا يمكن إلغاء هذه السّياسة من خلال مناهج قوميّة ضيّقة، فمثل هذه المقاربات يجعل الكرد في مواجهة سياسات الإبادة الجماعيّة، ولأنَّ وحدة الأمة الدّيمقراطيّة التي سوف تتحقّق وستمنح القوة لنضال الشّعب الكردي في جميع الأجزاء، فإنَّ مشكلة حرّيّة الكرد ووجودهم في الأجزاء الأربع سوف تُحلُّ.

من ناحية، يُقدّم القائد آبو رؤية استراتيجيّة للكرد، ومن ناحية أخرى يهدف لإرساء الدّيمقراطيّة في جميع دول المنطقة، إنَّ التقاء الحاجة إلى الدّيمقراطيّة في الشّرق الأوسط مع الرّؤية الكرديّة، لن يبدأ عصر جديد للكرد فحسب، بل لعموم الشّرق الأوسط أيضاً، إنَّ الحكمة التّي أظهرها القائد آبو ستجعل القرن الحادي والعشرين قرناً للكرد، إنَّ انتفاضة الشّعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة ضدَّ الاعتداءات على روج آفا، وصداها في الرّأي العام العالمي، أظهرت مرّةً أخرى مدى قوة الشّعب الكردي في نيل حرّيّته.

هل هناك تهديد على نموذج القائد؟ هل تهدف هذه الهجمات التّي تشارك فيها قوى إقليمية ودوليّة، إلى تحييد نموذج المجتمع الدّيمقراطي؟ أم أنَّها مجرد هجوم على إرادة الكرد؟ هل يمكنكم تقييم هذه الهجمات في ضوء العلاقة بين هذه الإرادة ونموذج المجتمع الدّيمقراطي؟

إنَّ نموذج القائد آبو المتمثّل في مجتمع بيئي ديمقراطي وتحرير المرأة هو نموذج معادي للسّلطة والدّولة والرّأسماليّة، بلا شكّ، من يملكون السّلطة الاستبداديّة على الشّعوب، والقوى الرّأسماليّة الحديثة التّي أوصلت البشريّة إلى حافة الفناء، لا يقبلون نموذج القائد آبو، بل يصبحون عقبة أمام تطبيقه، لذلك، لا يقتصر الأمر على روج آفا، بل في كلّ مكانٍ يوجد فيه تأثير القائد آبو وحركة التّحرّر الكردستانيّة، يُظهرون موقفاً رافضاً لهذا النّموذج، فالنّساء والشّباب والعمال والمجتمعات المضطهدة لن يخضعوا للحداثة الرّأسمالية التّي تنهب الطبيعة وتستخدم القمع أداةً ضدَّ المجتمعات، وفي كلّ أنحاء العالم، يناضل ذوو توجُّهات سياسيّة وأيديولوجيّة مختلفة ضدّ هذه القوى المعاديّة للمجتمع والطبيعة، وحركتنا، التّي تمتلك نظريّةً وأيديولوجيّةً منهجيّةً في هذه القضيّة، هي بلا شكّ قوة بحيث ستخوض النّضال الأكثر فعّاليّة، ونحن نفضل خوض هذا النّضال ليس عن طريق الحرب في الجبهات وضدّ بعضنا، بل في جو ديمقراطي، يتمثّل أحد جوانب نضالنا في الوصول إلى هذه الأرضيّة النضاليّة، فالشّعوب والمجتمعات المضطهدة تخوض نضالها بأقصى فعّاليّة في هذه الظّروف، وفي أجزاء كردستان الأربعة والدّول المذكورة، نجعل هذا النّوع من النّضال هدفنا وأساسنا، أما بالنسبة لفيدراليّة جنوب كردستان، فنحن نرى هذا النّوع من النّضال السّياسي والأيديولوجي صائباً أيضاً.

الجانب المهم للهجمات على روج آفا وشمال شرق سوريا، هو الهجوم على المجتمع الدّيمقراطي، حاكم دمشق المتمثّل في هيئة تحرير الشّام، لم يعترف ولم يقبل بالنّظام الدّيمقراطي في روج آفا وشمال شرق سوريا، وكان من الواضح أنَّهُ سيدخل في توتُّر مع شمال شرق سوريا، فهل سيكون هذا التّوتُّر في جو ديمقراطي، أم سيُستخدم فيه العنف؟ ولأن حُكّام دمشق يفتقرون إلى الفكر الدّيمقراطي، لم يكن خافياً على أحد لجوؤهم إلى العنف، وبالطبع، لم تكن لديهم الأرضيّة والقوة الكافيّة للقيام بذلك بمفردهم، وبعد حصولهم على موافقة القوى الدّوليّة ودعم دول المنطقة، شرعوا في العمل على تدمير هذا النّظام الدّيمقراطي وكسر إرادة الكرد، من الواضح أنَّ الهجوم استهدف النّظام الدّيمقراطي في روج آفا، فقد صرّح توم بّراك بأنَّه لا وجود للدّيمقراطيّة في الشّرق الأوسط، وأنَّ النّظام الملكي هو الأنسب، يُعدُّ هذا التّصريح إهانة لشعوب الشّرق الأوسط، يرى أنَّ شعوب الشّرق الأوسط ليسوا جديرين بالدّيمقراطيّة، وبهذا التّصريح، وُجّه تهديد لشمال شرق سوريا، فعندما يُطرح نظام ملكي في الشّرق الأوسط، طبعاً يُنظَر إلى النّظام الدّيمقراطي في روج آفا وشمال شرق سوريا بأنَّه ُتهديد للأنظمة الملكيّة وغير الدّيمقراطيّة في المنطقة، ويُمثّل هذا النّظام الدّيمقراطي خطراً على الشّرق الأوسط، الذي يُهيمن عليه النّظام الرّأسمالي الحديث، ومن أهداف الهجوم على نظام الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة في روج آفا وشمال شرق سوريا، هو القضاء على هذا التّهديد.

لطالما نظرت تركيا إلى الدّيمقراطيّة كتهديد لوجودها، ولم تتخذ خطوات نحوها خشية أن يستفيد منها الكرد، فالدّيمقراطيّة، كنتيجة طبيعيّة، تعني الدّيمقراطيّة المحلية، أيّ أخذ الإرادة المحليّة بعين الاعتبار، ولذلك، لا تقبل تركيا بشرط الإدارة المحليّة الأوروبّي، فليس هناك دولة ديمقراطيّة لا تعترف باستقلال الهويات المختلفة وإدارتها لنفسها، وإذا كانت الدّيمقراطية تعبيراً عن إرادة الشّعب، حينها سيتمُّ قبول الإرادة المحليّة أيضاً، البلديات في تركيا تُنتخب في المدن من قِبل الشّعب وتكون تحت صلاحيات الوالي، وفي النّواحي تكون تحت صلاحيات الوكلاء، ولا تقتصر مهام البلديات على توفير الطّرق والمياه والصّرف الصّحّي وجمع النّفايات.

لم تقبل لا قوات التّحالف ولا هيئة تحرير الشّام ولا تركيا بنظام الإدارة الذّاتيّة الذّي تأسّس في روج آفا وشمال شرق سوريا، يعتبرون الدّيمقراطية بأنَّهُ نظام الإدارة يُبطل مفعول نظامهم، ولذلك أرادوا القضاء على النّظام الدّيمقراطي في شمال وشرق سوريا من خلال كسر إرادة الكرد، لأنَّ هذا النّظام الذّي يستند إلى المجتمعات العربيّة والسّريانيّة والشّركسيّة والتّركمانيّة والأرمنيّة، قد شُكّل من قبل إرادة الكرد في ثورة روج آفا، لذا فإنَّ الهجوم على هذه الإرادة، هو هجوم مباشر على نموذج المجتمع الدّيمقراطي، رأوا بأنّه إذا نجح هذا النّموذج في سوريا، فسوف ينتشر في عموم الشّرق الأوسط.  

في وضع من هذا القبيل، يُقال إنَّ النّموذج قد فشل، وأنَّ فكرة الحياة المتساويّة والحرّة والدّيمقراطيّة للشّعوب، وبناء المجتمع الدّيمقراطي، قد انهارت وأصبحت خيالاً في شخص الإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا. كيف ترون هذا التّقييم؟

إنَّ القول بأنَّ نموذج المجتمع البيئي والدّيمقراطي وتحرير المرأة، وبناء المجتمع الدّيمقراطي على هذا الأساس، قد انهار، يعني أنَّ البشريّة بحاجة إلى الرّأسماليّة، والنّظام الاستعماري القمعي. في وقت من الأوقات، قال فرانسيس فوكوياما إنَّ التّاريخ قد انتهى. بمعنى آخر، قيل إنَّ النّيوليبراليّة هي النّظام النّهائي للبشريّة؛ لا يوجد نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي يتجاوزها. فبعد انهيار الاشتراكيّة الواقعيّة بسبب أخطائها الداخليّة، اعتُبر ذلك انتصاراً للرّأسماليّة.

إذا كان هناك نظام منهار اليوم، فهو نظام الحداثة الرّأسمالي السّلطوي والدّولتي. ألا توضح المشاكل التي جلبها هذا النّظام على البشرية، والأزمة العالميّة الحالية، للبشريّة أنَّهُ يجب إلغاء هذا النّظام؟ أولئك الذين يدّعون أنَّ فكرة الحياة المتساويّة والحرَّة والدّيمقراطيّة للشّعوب قد انهارت في شخص شمال وشرق سوريا، فإنَّ عقولهم هي نفسها في حالة انهيار. فهؤلاء الأفراد والدّوائر الذّي هم عبيد لأفكار البعض، محرمون من فكرة الحياة الدّيمقراطيّة والحرَّة. وبغض النّظر عن انهيار هذا النّموذج، فإنَّ هذه الفكرة هي نظام سياسي واجتماعي يمثّل أملاً جديداً للبشرية، أملاً ستتبنّاه البشرية خطورة بخطوة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فهذه هي التّصريحات الدّيماغوجيّة لدوائر لا تعرف نظاماً سوى النّظام القومي ونظام الحداثة الرّأسماليّة. في الحقيقة، معارضتهم للقائد آبو وحزب العمال الكردستاني تدفعهم إلى قول ذلك. وهذا هو قول أولئك الذّين يعانون من جنون العظمة، إلى درجة أنَّهم يحاولون منذ خمسين عامًا إيجاد أيّ تقصير لدى القائد آبو وحزب العمال الكردستاني. ومع ذلك، فإنَّ الشّعب والعمال والنّساء والشّباب والقوى السّاعيّة إلى الحرّيّة يرون في هذا النّموذج أملاً.

وهذا النّموذج دخل حيز التّنفيذ عملياً على أرض الواقع في روج آفا وشمال وشرق سوريا منذ 14 عامًا، على الرّغم من عيوبه. وباستثناء تركيا ومعارضي القائد، أصبح نموذجاً يُستشهد به كمثال في جميع أنحاء العالم. وقد ثبت أنَّهُ يمكن إقامة نظام اجتماعي قائم على هذا النّموذج. ففي روج آفا، لديه بعض أوجه القصور في التّطبيق العملي التّي يمكن انتقادها، ونحن بدورنا ننتقدها. ومع ذلك، فقد تمَّ إنشاء نظام اجتماعي للحياة. وحقّقتِ النّساء حياة حرّيّة لا مثيل لها في العالم. إذ يعيش الكرد والعرب والشّركس والسّريان والأرمن والتّركمان معاً في جو من الأخوة، دون أنْ يتقاتلوا. وعلى الرّغم من أنَّ هذا النّظام قد تلقى ضربة جراء هجمات قوى دوليّة وقوى معادية للكرد والدّيمقراطيّة، إلّا أنَّهُ لا يمكن القول بأنَّ هذه الفكرة وهذا المشروع قد انهارا. فقط بعض المناطق التّي كان من المفترض أنْ يُنفذ فيها هذا المشروع احتلتها قوى معاديّة للدّيمقراطيّة.

ومن المعروف أنَّ أفكار النّبي عيسى والنبي محمد قد اعتُبرت في أوقاتٍ معينة مجرد خيال، وجرت محاولات لإقناع النّاس بالابتعاد والتّخلي عنها. وفي مواجهة نظام الحداثة الرّأسماليّة الذّي يدمّر البشرية، عدم تقديم مثاليّة تمنح الأمل للبشرية يعني، بالمعنى الحقيقي، القبول بالموت كبشرية. ومع ذلك، فإنَّ البشريّة لم تمت بعد. فنموذج القائد هي دعوة تظهر أنَّ البشرية لم تمت، وأنَّ شروط الوجود الإنساني تحيا من جديد بقيم التّنشئة الاجتماعيّة الدّيمقراطيّة. إنَّهُ مشروع تحرري. ولا يمكن للبشرية أنْ تقبل بنظام الدّولة الحالي للسطلة ولا بنظام الحداثة الرّأسماليّة. إنَّ كان هناك نظام أو فكرة منهارة، فهو نظام الدّولة الحاكمة الخاضع للسّلطة الذّكوريّة. هذا النّظام باقٍ، وهو الذّي يمنح الحياة، وسيتحقق مستقبل الإنسانيّة بنموذج القائد آبو.

هل يمكن القول إنَّ الشّعوب لا تستطيع العيش معاً، وأنَّها لا يمكن إلّا أنْ تكون أعداء لبعضها البعض وتقتل بعضها البعض؟ وهل يمكن القول إنَّهُ لا يمكن إقامة نظام متساو وحر وديمقراطي؟ الشّرق الأوسط هو مهد البشرية؛ وقد انتشرت العديد من القيم في جميع أنحاء العالم من هذه المنطقة. وظهرت النّزعة الدّوغمائيّة في وقت لاحق. على هذا الأساس، فإنَّ القول بأنَّ الشّرق الأوسط لا ينتج شيئاً هو تجاهل لقيمه التّاريخيّة. هذه وجهة نظر استشراقيّة، أيّة نظرة بفكر غربي للشّرق الأوسط. إنَّها تعني التّقليل من شأن الذّات والقول بأنَّهُ لا يمكن أنْ يأتي شيء منا. هذه الفكرة لا مستقبل لها. إذ يطرح القائد آبو مشروع تحرير للبشرية جمعاء. ولكن كما يقال إنَّهُ ’لا يمكن أنْ يأتي نبي من نفس القرية‘، يُعتقد أنَّ الشّخص الكردي أو الشّرق أوسطي لا يمكنه طرح مثل هذا النّموذج للتّحرّر. ولن يكون من الخطأ توصيف أولئك الذين يهاجمون نموذج القائد بهذه الطريقة. وبدلاً من الإشادة بنموذج القائد آبو والقيم التي أرساها وتبنيّها، فإنَّ إظهار النّهج المعاكس يعني أنَّ “البشريّة لا يمكنها أنْ تعيش بإخاء وديمقراطيّة وحرّيّة”. وفي وقتٍ ما، كان أصحاب الذّهنيّة اليمينيّة والفاشيّة يقولون للاشتراكيين إنَّ طبيعة الإنسان أنانيّة وفرديّة، ولا يمكنه إقامة نظام مجتمعي كهذا. واليوم يتبيّن أنَّ الذّين يبحثون عن عيوب في نموذج القائد يعانون هوساً مشابهاً. باختصار، هذا النّموذج والمشروع لن ينهارا؛ بل على العكس، سيتطوّران أكثر فأكثر، وستتبنّاهما الشّعوب على نطاق أوسع.

يتبع….