المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

مقالة:للأستاذ أنس المرفوع

82

الدولة المركزية: القمع والدمار وبدائل التحرر من منظور المفكر عبدالله أوجلان :

منذ ولادة الدولة كنظام حكم ونحن نشهد صراعات وحروب طاحنة وابادات بأبشع الطرق والوسائل بل وتم تطوير اسلحة لتكون اكثر فتكا والسبب هو الرغبة في تركيز السلطة في يد فئة محدودة مما يؤدي إلى إلغاء التعددية وقمع الحريات هذه النزعة المركزية التي تفرض هيمنة ثقافة وسياسة واحدة على مجتمعات متنوعة كانت هي السبب الرئيسي في نشوء الحروب الإبادات الجماعية والاغتيالات السياسية حقيقة من خلال فكر وفلسفة المفكر عبد الله أوجلان يمكننا فهم جذور هذه المشكلة واستكشاف بدائل تحررية تعتمد على اللامركزية واحترام التنوع فحقيقة الدولة المركزية هي آلة قمع كما يصفها المفكر أوجلان فهو يرى أنها نظام هرمي يهدف إلى إخضاع الشعوب تحت سيطرة سلطة واحدة هذا النظام لا يعترف بالاختلافات الثقافية أو السياسية بل يسعى إلى توحيد المجتمع تحت هوية واحدة مفروضة من الأعلى هذا النموذج ينتج عنه قمع منهجي للهويات المحلية مما يؤدي إلى تفاقم الصراعات الداخلية واندلاع الحروب الأهلية وايضا المفكر أوجلان يرى أن الدولة المركزية هي نتاج تاريخي للأنظمة الأبوية والاستعمارية التي سعت إلى السيطرة على الموارد والبشر وهذه الأنظمة من وجهة نظر المفكر أوجلان يرى انها بدلا من أن تكون أداة لخدمة المجتمع تتحول إلى آلة قمعية تقمع أي محاولة للتمرد أو التحرر ومن الأمثلة التاريخية على تلك الإبادات الجماعية التي حدثت في ظل الأنظمة المركزية القمعية حيث بتم تهميش وإبادة المجموعات العرقية أو الدينية بأكملها تحت ذرائع توحيد الأمة كما حصل للأرمن 1915 حيث يشير المفكر أوجلان إلى أن الإبادة الجماعية للأرمن كانت محاولة من الدولة العثمانية المركزية لفرض هوية تركية موحدة على مجتمع متعدد الثقافات فحقيقة هذه الإبادة تعكس النزعة القمعية للدولة المركزية التي تسعى إلى إلغاء أي تنوع يهدد سلطتها وايضا لهولوكوست (1939-1945) في ألمانيا النازية تم تنفيذ إبادة جماعية ضد اليهود والغجر كجزء من سياسة الدولة المركزية التي سعت إلى تطهير المجتمع الألماني حيث يرى المفكر أوجلان أن هذه الإبادة كانت نتاجا طبيعيا للنزعة المركزية القمعية التي تسعى إلى فرض هيمنة ثقافية وسياسية واحدة وايضا الإبادة الجماعية في رواندا (1994) حيث أدت السياسات المركزية القمعية إلى إبادة جماعية ضد التوتسي وايضا حرب البوسنة والهرسك 1992–1995 حيث اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا كانت واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية حيث شهدت إبادة جماعية ضد المسلمين البوسنيين من قبل القوات الصربية التي كانت تسعى إلى فرض هيمنة قومية صربية على منطقة متعددة الثقافات حيث يشير المفكر أوجلان إلى أن هذه الإبادة كانت محاولة لفرض هيمنة مجموعة واحدة على مجتمع متنوع وهذا يعكس النزعة القمعية للدولة المركزية وما حصل في العراق من مجازر خلال حملة الانفال في حلبچة حيث يقول الكاتب كريستوفر هيتشنز معلقا على الحادثة: إن هذا التطهير كان لحظة فاصلة أصبح فيها صدام سيدا مطلقا على العراق وهو ما يقابل ليلة السكاكين الطويلة في ألمانيا النازية أو قتل “سيرجي كيروف” في الاتحاد السوفيتي . ومن خلال ذلك يرى المفكر أوجلان أن السلطة المطلقة والدولة المركزية هي نتاج نظام هرمي قمعي يقمع التعددية والحرية ويرى أن الدولة المركزية أداة قمعية تهدف لإخضاع الشعوب وإلغاء هوياتها الثقافية والسياسية ويصف صعود صدام حسين إلى السلطة المطلقة في العراق أنه يمكن فهمه كتجل لنموذج الدولة المركزية التي تسعى إلى توحيد السلطة تحت قيادة واحدة مما يؤدي إلى إلغاء التعددية السياسية والثقافية ويرى أن هذه النزعة المركزية هي السبب الرئيسي للصراعات الداخلية والقمع الذي تعاني منه المجتمعات في الشرق الأوسط. وايضا من الامثلة ايضا على الابادات الجماعية التي تقوم بها الدولة المركزية ما تقوم به الدولة التركية ضد الاخوة الأكراد وما يجري في السودان وفلسطين وما جرى في سوريا فحقيقة يرى المفكر أوجلان ايضا أن من أبرز نتائج الدولة المركزية هي الحروب الداخلية والخارجية التي تشنها هذه الأنظمة للحفاظ على سلطتها فهو يشير إلى أن هذه الحروب ليست فقط بالشكل العسكري التقليدي بل أيضا هناك حروب ثقافية وسياسية حيث يتم قمع أي صوت معارض أو مختلف ومن الامثلة على الحرب الثقافية قمع اللغة والهوية الكردية في تركيا حيث تم حظر استخدام اللغة الكردية في التعليم والإعلام لفترات طويلة كمحاولة لفرض الهوية التركية الموحدة وايضا تدمير التراث الثقافي ففي مناطق مثل البوسنة تم تدمير المساجد والمواقع الثقافية الإسلامية خلال الحرب كجزء من سياسة التطهير العرقي قمع الممارسات الدينية ففي الصين ومينمار يتم قمع الممارسات الدينية للأويغور والتبتيين و الروهينغا كجزء من سياسة الدولة المركزية لفرض الهوية الموحدة. ومن الامثلة على الحرب السياسية قمع التعددية السياسية وهذه العملية تشمل إلغاء الأحزاب السياسية قمع المعارضةومنع أي محاولة للتمرد ففي العديد من الدول يتم إلغاء وقمع الأحزاب والمعارضة السياسية التي تدافع عن حقوق الأقليات كجزء من سياسة الدولة المركزية التي تسعى إلى فرض هيمنة سياسية واحدة كما يحصل اليوم في تركيا حيث يشير المفكر أوجلان إلى أن هذا القمع هو نتاج طبيعي للدولة المركزية التي تسعى إلى إلغاء أي تنوع او صوت معارض يهدد سلطتها. ومن الامثلة على الحرب السياسية الاغتيالات والاعتقالات السياسية والتي تعتبر أداة شائعة في الأنظمة المركزية للتخلص من القادة أو المفكرين الذين يشكلون تهديدا لسلطة النظام حيث يقول المفكر أوجلان :أن الدولة المركزية تخلق أعداء وهميين لتبرير قمعها . ومن اشهر عمليات الاغتيال : اغتيال سيرجي كيروف (1934) : في الاتحاد السوفيتي حيث تم اغتيال سيرجي كيروف وهو سياسي بارز كجزء من التطهيرات السياسية التي نفذها ستالين يقول المفكر أوجلان أن هذه الاغتيالات كانت محاولة لتعزيز سلطة الدولة المركزية والقضاء على أي معارضة. وايضا اغتيال باتريس لومومبا (1961) :في الكونغو تم اغتيال باتريس لومومبا أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطيا كجزء من سياسات الدولة المركزية التي سعت إلى الحفاظ على الهيمنة الاستعمارية. حيث يشير المفكر أوجلان إلى أن هذا الاغتيال يعكس النزعة القمعية للدولة المركزية التي تسعى إلى إلغاء أي صوت معارض. وايضا اغتيال مهاتما غاندي (1948): في الهند حيث تم اغتيال مهاتما غاندي الذي كان يدعو إلى الوحدة الوطنية واحترام التعددية الدينية من قبل متطرف هندوسي. حيث يرى المفكر أوجلان أن هذا الاغتيال يعكس الصراع بين التعددية والهيمنة المركزية. وايضا اغتيال رفيق الحريري 2005 في لبنان واغتيالات اخرى كثيرة اما الاعتقالات السياسية: منها اعتقال المفكر عبد الله أوجلان نفسه (1999): المفكر أوجلان الزعيم الكردي تم اعتقاله من خلال عملية قرصنة دولية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة بسبب نضاله من أجل حقوق الشعب الكردي اعتقاله يعكس سياسة الدولة التركية المركزية في قمع الأصوات المطالبة بالحقوق الثقافية والسياسية. وأيضا اعتقال نيلسون مانديلا (1962-1990) : في جنوب أفريقيا حيث تم اعتقال نيلسون مانديلا لمدة 27 عاما بسبب نضاله ضد نظام الفصل العنصري فحقيقة يعتبر اعتقاله كان جزءا من سياسة الدولة المركزية لقمع المعارضة السياسية وايضا الاعتقالات في العديد من الدول العربية حيث يتم اعتقال الآلاف من النشطاء السياسيين كجزء من سياسة الدولة المركزية لقمع المعارضة. وايضا هناك آليات أخرى تستخدمها الدولة المركزي لتوحيد المجتمع كشعارات المقاومة والشعارات الوطنية أو الدينية أو القومية بينما الهدف الرئيسي هو تعزيز سلطة النخبة الحاكمة وهذه السياسات تؤدي حقيقة إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإلى مزيد من العنف والدمار كما حصل ويحصل في سوريا والعراق وفلسطين واليمن والسودان وفي كثير من الدول. وفي مواجهة هذا النموذج القمعي يقترح المفكر أوجلان نظاما بديلا يعتمد على الديمقراطية الإيكولوجية واللامركزية. فالديمقراطية الإيكولوجية كما يصفها هي نظام سياسي يعترف بالتنوع الثقافي والبيئي ويسمح للمجتمعات المحلية والبيئية بإدارة شؤونها بشكل ذاتي. هذا النموذج يعتمد على التشاركية واحترام حقوق الإنسان والطبيعة بدلا من الهيمنة والاستغلال فالمفكر أوجلان يؤكد أن التحرر الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالهويات المتعددة وبناء نظام سياسي يعكس هذا التنوع. فحقيقة اللامركزية في هذا السياق تعني توزيع السلطة بين المجتمعات المحلية مما يسمح لها باتخاذ القرارات التي تخدم مصالحها دون تدخل مركزي قمعي، فالمفكر أوجلان يقترح حلولا منها: إنشاء مجالس محلية تدير شؤون المجتمع بشكل مباشر مما يقلل من اعتمادها على السلطة المركزية وهذه المجالس يمكن أن تكون أداة لتعزيز المشاركة السياسية وضمان تمثيل جميع الفئات الاجتماعية.وايضا إنشاء اقتصاد تشاركي بدلا من الاقتصاد المركزي الذي يسيطر عليه عدد قليل من النخب حيث يقترح المفكر أوجلان نظاما اقتصاديا يعتمد على التعاونيات والمشاريع المحلية التي تخدم المجتمع بشكل مباشر. وايضا حماية البيئة الديمقراطية الإيكولوجية والتي تعني احترام البيئة واستقلالها من خلال إدارة شؤونها بشكل ذاتي دون تدخل الانسان واعتبارها جزءا لا يتجزأ من النظام السياسي الابتعاد عن الهيمنة عليها واستغلالها. فالمفكر أوجلان يدعو إلى تبني سياسات بيئية تحمي الموارد الطبيعية وتضمن استدامتها للأجيال القادمة. الخلاصة : تعتبر الدولة المركزية ومن خلال تركيزها على السلطة والقمع سببا رئيسيا في الحروب والإبادات والاغتيالات التي شهدتها البشرية عبر التاريخ ومن خلال فكر وفلسفة المفكر أوجلان يمكننا فهم جذور هذه المشكلة واستكشاف بدائل تحررية تعتمد على اللامركزية والديمقراطية الإيكولوجية وهذه البدائل حقيقة ليست فقط حلولا سياسية بل هي أيضا رؤية لمجتمع أكثر عدلا وحرية على كافة المستويات حيث يتم احترام التنوع وحقوق الإنسان والطبيعة. نختم برؤية وبتذكير لنا جميعا من المفكر عبدالله أوجلان حيث يؤكد لنا من خلال مقولته الرائعة : بأن التحرر ليس مجرد تغيير في النظام السياسي بل هو تحول في الوعي والعلاقات الاجتماعية. وهذه الرؤية من قبل المفكر أوجلان يمكن أن تكون طريقا نحو بناء مجتمعات أكثر سلاما وعدلا في عالم يعاني من آثار الدولة المركزية القمعية.
من فكر وفلسفة المفكر عبدالله أوجلان
اعداد الاستاذ : أنس المرفوع