دوران كالكان: الديمقراطية وحدها تقود مستقبل المنطقة – مُحدث
أكد عضو أكاديمية العلوم الاجتماعية لعبد الله أوجلان، دوران كالكان، أنهم يؤمنون بحقيقة العملية التي أطلقها القائد آبو، ولذلك يواصلون المضي فيها، مشيراً إلى هجمات الحرب الخاصة في كردستان.
أكد عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية، دوران كالكان إن عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي” تتقدم رغم الغموض القائم، مؤكداً أن الديمقراطية وحدها قادرة على قيادة المنطقة نحو المستقبل.
تحدث عضو أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية، دوران كالكان، لقناة مديا خبرMedya Haber ، حيث قيّم عملية “السلام والمجتمع الديمقراطي”، والتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، وهجمات الحرب الخاصة، وخط الفدائية المتمثل في شخص زيلان. وفيما يلي نص المقابلة مع دوران كالكان:
تدور نقاشات حول العملية الجارية. هناك نقاشات جادة، لكن في الوقت نفسه توجد حالة من الغموض الجدي. هل سيتم إصدار القانون أم لا؟ هناك نقاش من هذا النوع. كيف تقيّمون هذه الحالة الغامضة والمقاربة العامة تجاه العملية؟
قبل كل شيء، أوجه تحياتي واحترامي للقائد آبو. مرّ ما يقارب الشهر دون انعقاد لقاء جديد معه. لا نعرف ما هو الوضع تماماً. لكن في آخر لقاء بتاريخ 24 أيار، قيل إنه سيتم إعداد قانون، وبعد عيد الأضحى سيتم تسريع عملية تقييمه وتوضيحه، ثم إرسال نصه إلى القائد آبو، ونصل نحن أيضاً إلى معلومات بشأنه. وفي شهري آذار ونيسان كان هناك وضع مشابه. لكن في ذلك الوقت لم يتم تنفيذ الأمر. والآن أيضاً وُضعت خطة مشابهة. انتهى العيد، وقيل إنه سيتم بعد ثلاثة أيام من العيد. وتم الإعلان أن القائد آبو قدّم مقترحاً مكتوباً حول مضمون القانون. كما قال حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إنهم أعدوا مقترحاتهم، وعقدوا لقاءات مع حزب العدالة والتنمية ورئيس البرلمان.
والآن يُقال إن القانون سيكون قانوناً إطارياً يتكون من 7 إلى 8 مواد. لكن في الوقت نفسه يقال إن هناك تأخيراً كبيراً. وقبل كل شيء يجب التأكيد على هذا: لا يوجد حتى الآن نص واضح. ولا توجد معلومات للرأي العام. ولا نملك نحن أيضاً معلومات حول المضمون. نحن ننتظر. وإذا وصل القانون إلينا سنبدي رأينا بشأنه.
لكننا نؤكد هنا على أمر أساسي: نحن جعلنا القائد آبو مفاوضنا الرئيسي. وهو يواصل أداء هذا الدور ومهامه. ولا يوجد أي تغيير في هذا الأمر. أما نحن، كحركة وكنساء ورجال وشباب وكبار سن من الشعب الكردي، فقد عبّرنا خلال 14 إلى 15 شهراً عن موقفنا بشكل واضح ومتواصل. قلنا إن الحرية الجسدية للقائد آبو هي مفتاح كل شيء، ومن هنا يجب أن يُفتح الباب. يجب أن يمتلك القائد آبو ظروف عمل وحياة حرة. وإذا تحقق ذلك سيكون القانون ذا مضمون. وسننظر إليه بإيجابية وسنقيّمه. لكن إذا لم يحمل هذا المضمون، فهذا خطنا الأحمر. هذا ما تقرر في المؤتمر الثاني عشر. وقرار المؤتمر يجب أن يُنفذ، ولا يمكن لأحد أن يتصرف بعكسه. وإذا لم يتم التعامل وفق هذا الأساس، فلن أقول الكثير، لكن كحركة وكشعب لن ننظر إليه بإيجابية. يجب أن نؤكد هذا منذ البداية، ولا يجب أن تُظهر مقاربات مختلفة.
ومن جهة أخرى، هذا القانون هو قانون إطاري. وبحسب ما فهمناه، حالياً لا يتضمن الكثير من الحديث عن الدمقرطة أو الاندماج الديمقراطي أو قانون الحريات. ربما يُعتبر خطوة أولى. وإذا صدر قد تتبعه خطوات لاحقة. لذلك له طابع خاص. ولذلك، فهو ليس قانوناً شاملاً لكل شيء. وليس وضعاً غير قابل للتحقيق. الدولة سبق أن أصدرت قوانين مماثلة تحت مسميات مختلفة. وما زالت تتعامل مع القضية، إلى حد ما فهمنا، ضمن إطار مكافحة الإرهاب. ولهذا فإن الدولة حتى الآن لا تتقدم بخطوات قانونية حقيقية من أجل إضفاء الطابع القانوني على العملية أو حل القضية الكردية أو تحقيق الدمقرطة. وهذا ظهر بوضوح في البيان الختامي الأخير لمجلس الأمن القومي. وعندما ينظر المرء إليه لا يجد سبباً كبيراً للتفاؤل.
بيان مجلس الأمن القومي التركي وموقف الدولة
إن البيان الختامي لاجتماع مجلس الأمن القومي (MGK) في 18 حزيران يُظهر بوضوح مقاربة سلطة حزب العدالة والتنمية والدولة التركية. فالقضايا التي كنا نناقشها بطرق مختلفة، يبدو أنهم اعتمدوها رسمياً. لا يزالون ينظرون إلى العملية ضمن إطار “الإرهاب”، ويتحدثون عن كيفية مواصلة النضال ضد ما يسمونه التنظيمات الإرهابية. لا يوجد أي جديد، ولا أي تغيير. لا يوجد تغيير في مجلس الأمن القومي. البيان نفسه كما كان قبل شهرين أو أربعة أشهر أو حتى أربع سنوات. يبدو أنهم يعيدون نفس النصوص. لا يوجد أي جديد في اللغة أيضاً. نحن ننتقد الإعلام والعديد من الأوساط بسبب اللغة، لكن لغة مجلس الأمن القومي واضحة أمام الجميع. ما زالوا ينظرون إلى حزب العمال الكردستاني (PKK) باعتباره “منظمة إرهابية”. ويبدو أن المجلس يريد استمرار حزب العمال الكردستاني بهذا الشكل. رغم أن حزب العمال الكردستاني تم حله، إلا أنهم لا يأخذون ذلك بعين الاعتبار. لا يوجد أي تغيير في اللغة، ولم يتم إخراجه من القوائم. هذا واضح. ويمكن استنتاج أنهم يريدون استمرار حزب العمال الكردستاني بهذا الشكل. هذا ما يفهم من البيان. لكنهم مخطئون، ونحن مصممون. لقد غيّرنا حزب العمال الكردستاني. ولن تكون هناك عودة إلى الحزب السابق. لقد أصبح جزءاً من التاريخ. سواء أراد مجلس الأمن القومي أو أي جهة أخرى، فهذا لن يحدث. لأن توازناً سياسياً جديداً قد تشكل. هناك مصالح كبيرة نشأت حول الصراع. ومع التغيير، الجميع مضطر للتغيير. بعض الدوائر التي استفادت من الوضع القديم ستخسر مصالحها. ولهذا فإن بعض الأطراف التي يفترض أن تنتج السياسة تخشى التغيير نفسه.
هناك أيضاً جهات تريد عودة الحزب السابق وتريد استمراره، لكن هذا لن يحدث. أقولها بوضوح. مهما كتبوا أو تحدثوا، هذا لن يستمر. وفي النهاية، الدولة وحزب العدالة والتنمية أظهرا موقفهما من خلال مجلس الأمن القومي. يتهموننا بعدم التغيير، لكن في الحقيقة هم الذين لم يتغيروا. لا تغيير في العقلية أو السياسة.
حزب العمال الكردستاني اتخذ قراراته، ومع ذلك لا يغيرون حتى لغتهم. فكيف يطالبون الآخرين بالتغيير؟ ولماذا هذا التركيز على الحزب؟ إعلام الحرب الخاصة يرفع يومياً مستوى الحرب النفسية عبر القول “لن يحدث شيء”. هذا وضع غير جدي. يجب أن يكونوا أكثر جدية. نحن نقول بوضوح: لن نعود إلى الوراء. نحن لا ندير هذه العملية من أجل الدولة أو حزب العدالة والتنمية، بل لأننا نؤمن بحقيقتها. القائد آبو وصفها بأنها عملية نضال، ونحن انخرطنا فيها. ونحن مستمرون في هذا النضال. هناك من ينتظرون عودة الوضع السابق، لكن هذا انتظار بلا معنى. لقد حدث التغيير، وسنواصل النضال من أجل ترسيخه. نضالنا من أجل الدمقرطة والحل السياسي الديمقراطي للقضية الكردية سيستمر على أساس استراتيجية السياسة الديمقراطية. هذه عملية نضال، وقد قلنا ذلك دائماً. وسنواصل هذا المسار عبر النضال. ولذلك لا أحد ينتظر من أحد شيئاً. على الجميع أن يتحمل مسؤولياته ويناضل. يجب توسيع النضال، وتطويره، ودفعه إلى الأمام. وعندها فقط يمكن الوصول إلى النتائج.
لنقيّم المرحلة الحالية من منظور إيجابي، من حيث الأنشطة والفعاليات. عُقد في إسطنبول كونفرانس التحوّل الديمقراطي للجمهورية. ثم عُقد في آمد كونفرانس الإسلام الديمقراطي. وفي أوروبا تُنظَّم فعاليات. ماذا يمكنكم أن تقولوا بشأن هذه التطورات؟
هذه مرحلة نضال مستمرة، ولا توجد قوة من الدولة أو السلطة أو التيارات الفاشية أو القوميين المتطرفين أو أصحاب المصالح قادرة على إيقافها. بل إن هذه العملية تتقدم وتتمدد مع مرور الوقت، وهي تتطور ضمن إطار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي عبر نضال متعدد الأبعاد، وقد وصلت إلى مرحلة متقدمة وتواصل التقدم، مع نتائج وتأثيرات واضحة في مسار دمقرطة تركيا والحل الديمقراطي للقضية الكردية.
لذلك يجب تطوير هذا النضال وتوسيعه بأساليب جديدة ومبتكرة، وأن يكون نضالاً قائماً على النتائج والفعالية، مع الإشادة بكل الجهود المبذولة ضمن هذا الإطار.
كما أن الأنشطة الدولية الداعمة، خصوصاً في إطار “حق الأمل” مهمة وفعالة، حيث تم إرسال رسائل إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا من نقابات دولية وأكاديميين ومثقفين وحائزين على جائزة نوبل وشخصيات عديدة، للمطالبة بالحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان ودعم العملية، مع التأكيد على أهمية هذه الخطوة.
وكذلك مناوبة الحرية في ستراسبورغ التي يواصلها الشعب الكردي منذ 14 عامًا، والتي تدخل عامها الخامس عشر، تعد أطول وأهم فعالية نضالية، بمشاركة النساء والرجال في أوروبا، لذا يجب أن تستمر هذه الفعالية وتتطور وتصبح أقوى مع أساليب جديدة، لما لها من تأثير كبير في أوروبا.
وفي تركيا هناك أيضاً تطورات إيجابية، من بينها فعاليات ونشاطات في مدن مثل مرسين وإسطنبول وآمد ووان، إضافة إلى مؤتمرات ونقاشات مهمة، خاصة كونفرانس “التحول الديمقراطي للجمهورية في المئوية الثانية”، الذي تم خلاله طرح أفكار وتحليلات ومقترحات للحل، مثل فكرة تحالف الجمهورية الديمقراطية وحركة الجمهورية الديمقراطية، حيث تم التأكيد على أن هذه النقاشات يمكن أن تقود إلى تحولات مهمة.
وتحتاج تركيا في مرحلتها الجديدة (القرن الثاني) إلى تحول ديمقراطي حقيقي، وأن استمرار الدولة بنفس نهج القرن الأول غير ممكن، وأن هذا يجب أن يُفهم ويُقبل، لأن التطور المستقبلي مرتبط بهذا التحول.
لا يمكن إلا للديمقراطية أن تقود مجتمع تركيا إلى المستقبل
في ظل الظروف العالمية الحالية وتصاعد الصراعات الإقليمية، تُطرح مسألة البقاء، ويُؤكد أن الديمقراطية وحدها هي التي يمكن أن تقود مجتمع تركيا نحو المستقبل، لأنها قادرة على تجديد الدولة، وحمايتها، وإبقائها قائمة أمام التحديات، وإدارتها بشكل مستقر. لذلك فإن التحول الديمقراطي يُعد ضرورة أساسية.
ويُطرح أن النموذجين السابقين في تركيا—الجمهورية القومية العلمانية (في مرحلة حزب الشعب الجمهوري) والجمهورية القومية الدينية (في مرحلة حزب العدالة والتنمية)— قد استنفدا دورهما، وأن القومية بنوعيها العلماني والديني لم تعد صالحة للمرحلة الحالية. المطلوب الآن هو الانتقال إلى الديمقراطية، بحيث تصبح جميع الأيديولوجيات—القومية، والاشتراكية، والديمقراطية الاجتماعية، وحتى الإسلام—أيديولوجيات ديمقراطية. فالعقل الديمقراطي وحده قادر على تجديد هذه التيارات وجعلها تتعايش وتساهم في قيادة المجتمع والدولة ضمن مناخ سياسي ديمقراطي.
وفي هذا السياق، يُعتبر كونفرانس “الإسلام الديمقراطي” في آمد مهماً للغاية، حيث تم تعريف البعد الديمقراطي للإسلام بالاستناد إلى وثيقة المدينة، وتم التأكيد على إمكانية فصل الدين عن السلطة وربطه بالمجتمع، باعتباره أساساً لما يُسمى بالإسلام الديمقراطي، والذي يُعد قوة داعمة لبناء المجتمع الديمقراطي. كما أوضح الكونفرانس أن ديمقراطية الأديان جميعها تشكل عنصراً أساسياً في بناء مجتمع ديمقراطي، وأن تحقيق التحول الديمقراطي للجمهورية وبناء المجتمع الديمقراطي شرط أساسي لما يُسمى بالاندماج الديمقراطي.
ولا يمكن تحقيق هذا الاندماج الديمقراطي إلا ضمن إطار جمهورية ديمقراطية ومجتمع ديمقراطي، وأن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي قد فتحت المجال لهذه النقاشات، وأزالت المحظورات والعوائق، ما سمح للمثقفين والدوائر الإسلامية والشباب والنساء بالمشاركة في نقاشات مفتوحة حول مستقبل تركيا والكرد. ويعتبر هذه الدينامية تطوراً إيجابياً لأنها تولّد الأمل، وتعزز الثقة، وتفتح أفقاً سياسياً جديداً، نحن نؤمن أن النضال على هذا الأساس سيتوسع أكثر ويتقدم وينتشر.
وادعو الجميع إلى تحمّل مسؤولياتهم ضمن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي وتنفيذها عملياً بنجاح. لقد قيل لنا سابقاً أن الكفاح المسلح كان يُعتبر عائقاً وتم إيقافه، وعلى هذا الأساس يجب أن يتولى كل طرف دوره في إطار السياسة الديمقراطية. وخلال عملية حرق الأسلحة وتسليم قائمة الأسلحة إلى ممثل جمعية حقوق الإنسان (İHD)، حيث قالوا: أن ما جرى لم يكن مجرد تسليم أسلحة، بل أيضًا تسليم مسؤوليات، أي الانتقال إلى مرحلة النضال السياسي الديمقراطي. فهذا الفهم صحيح، وأن المطلوب الآن هو تطبيقه عملياً من قبل جميع الأطراف بشكل ناجح.
عندما بدأت العملية، طُرح أن يكون هناك طرف ثالث، ودارت نقاشات بهذا الشأن. كما أُشير إلى ذلك أيضاً في تقرير البرلمان الأوروبي، حيث ورد أنه يمكن أن يضطلع بدور الوسيط. كذلك صدرت تصريحات مماثلة من ألمانيا. فما هو رأيكم بشأن وجود طرف ثالث؟ وهل ترون أن هناك حاجة إلى طرف ثالث لإنجاح هذه العملية؟
نعم، هناك مطالب بوجود طرف ثالث، وقد ازدادت هذه المطالب في الفترة الأخيرة، كما أن عملية السلام نفسها فتحت الباب أمام مثل هذه الطروحات. ولهذا نرى اليوم مؤتمرات ومسيرات ومشاركة واسعة من المثقفين والأكاديميين وشرائح مختلفة داخل البلاد وخارجها، وكل ذلك يُعد من نتائج عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.
في الآونة الأخيرة صدرت دعوات بهذا الاتجاه، منها موقف لوزارة الخارجية الألمانية نُشر في صحيفة أوزغور بوليتيكا، استند إلى اتفاق وُقّع قبل نحو 30 عاماً، عام 1996، مع القائد عبد الله أوجلان، ودعا إلى أن تلعب ألمانيا دور الوسيط لدفع عملية السلام والحل. كما أعلن البرلمان الأوروبي، إلى جانب جهات أوروبية أخرى، استعداده للقيام بدور مماثل.
أما موقفنا، فنحن لا نعارض وجود طرف ثالث أو أي جهود من هذا النوع، ولن نقف عائقاً أمامها، لكن الأمر لا يتوقف على رغبتنا وحدها، بل يعتمد أساساً على موقف تركيا. لذلك يجب توجيه هذه الدعوات إلى أنقرة أيضاً. ونحن نثمّن كل الجهود الرامية إلى دمقرطة تركيا وإيجاد حل ديمقراطي للقضية الكردية.
لكن حتى إذا وصلت تركيا إلى مرحلة تطلب فيها وساطة خارجية، فإنها ستكون في الوقت نفسه قادرة على حل المشكلة بنفسها، وعندها لن تكون بحاجة إلى البرلمان الأوروبي أو ألمانيا أو أي جهة أخرى. القضية الأساسية هي امتلاك الإرادة والسياسة اللازمة للحل، وليس مجرد الانضمام إلى عملية الحل بعد انطلاقها.
لذلك، إذا كانت أوروبا جادة في دعم الحل، فعليها استخدام علاقاتها مع تركيا لإثارة قضايا الديمقراطية والحقوق الثقافية والقضية الكردية. فهي تملك أدوات ضغط وعلاقات واسعة مع أنقرة، لكنها لا تستخدمها بالشكل المطلوب، بل تنتظر ما ستفعله تركيا ثم تتبعه. ولهذا لا نرى أن المواقف الأوروبية حاسمة أو موحدة بما يكفي.
كما أن أوروبا تتحمل مسؤولية تاريخية عن هذه القضية، لأنها كانت من بين الأطراف التي ساهمت في نشأتها، وخاصة بريطانيا وفرنسا. كذلك لعبت ألمانيا دوراً في اعتقال القائد عبد الله أوجلان، إذ أصدرت مذكرة توقيف بحقه ثم تراجعت عنها عندما وصل إلى روما، ورفضت، إلى جانب فرنسا، مبادرة لعقد مؤتمر كردي كان يمكن أن يسهم في إيجاد حل. ولو وافقت على تلك المبادرة، لكان مسار الأحداث مختلفاً، ولكانت أوروبا شريكاً مؤثراً في الحل.
وعندما ذهب القائد إلى روما، قدّم لأوروبا فرصة تاريخية لتحقيق حل ديمقراطي للقضية الكردية، لكنها رفضتها. ولذلك، فإن على المسؤولين الأوروبيين، ومنهم وزير الخارجية الألماني، مراجعة تلك المرحلة، وتقييم مواقفهم السابقة، بل والاعتذار عنها إذا لزم الأمر.
لذلك فإن الاكتفاء بالقول: “إذا طُلب منا سنقوم بالوساطة” ليس موقفاً كافياً أو صحيحاً. فإذا كانت أوروبا تريد بالفعل المساهمة في دمقرطة تركيا وحل القضية الكردية، فهناك اليوم فرص وإمكانات كثيرة للتحرك، ومن يريد أن يساعد يستطيع القيام بذلك عملياً، وليس بالاكتفاء بالتصريحات.
كانت أوروبا تصف حزب العمال الكردستاني (PKK) بأنه منظمة إرهابية أكثر من تركيا نفسها، في حين أعلن الحزب الآن حلّ نفسه وإنهاء هيكلته التنظيمية. إذن؛ ما هو تقييم الاتحاد الأوروبي لهذه الخطوة؟ وما هي القرارات أو المبادرات التي اتخذها على هذا الأساس؟ لا نرى أي خطوات ملموسة، بل إن أوروبا لا تزال تنتظر ما ستفعله تركيا، بينما كان ينبغي عليها التحرك قبل ذلك.
لذا على أوروبا أن تتحمل مسؤوليتها في حل القضية التي ساهمت في صنعها، وأن تتخلى عن سياسة التعامل مع الكرد بمنطق المصالح الاقتصادية والتجارية فقط. كما ادعوها إلى الكف عن استغلال القضية الكردية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية، وأن تلتزم فعلاً بالقيم الديمقراطية، وأن تتعامل مع الكرد وفق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وليس وفق المصالح الظرفية.
عندما تحدثتم عن العملية، أشرتم إلى حالة الغموض القائمة. وهناك ملف آخر يحيط به الغموض أيضاً، وهو وضع الولايات المتحدة وإيران. يُتحدث عن اتفاق بينهما، لكن لا يزال هناك الكثير من الغموض بشأنه. وفي الوقت نفسه، ورغم الحديث عن هذا الاتفاق، تواصل إيران ممارسة ضغوط داخلية شديدة، وما تزال الإعدامات مستمرة. فهل يمكن اعتبار الوضع الحالي كافياً بالنسبة لإيران؟ وهل تستطيع إيران، من خلال هذا النهج، أن تنقذ مستقبلها وتتجاوز أزماتها؟
لم تكن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حرب شعوب إيران، ولا حرب شعوب الشرق الأوسط، بل كانت حرباً على المصالح المرتبطة بمنظومة الرأسمالية العالمية والسلطة والدولة، وكان مضيق هرمز أحد محاورها الأساسية. ومن الضروري وقف هذه الحرب فوراً، لأن شعوب إيران دفعت ثمناً باهظاً وستحتاج إلى سنوات طويلة لتعويض خسائرها. أما الحديث عن اتفاقات ومفاوضات، فما يزال يكتنفه الكثير من الغموض، وتغلب عليه المصالح والمناورات والخداع، كما استُخدمت خلال الحرب قدرات عسكرية وتقنيات تدميرية هائلة، ويجب ألا تستمر هذه السياسة عبر الدبلوماسية أيضاً، بل ينبغي التوصل سريعاً إلى اتفاق ينهي الحرب، وهو ما تريده شعوب إيران والشرق الأوسط.
ثانيًا، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق أهدافهما، كما أعلنت إيران النصر، لكن الواقع أن أياً من الأطراف لم يحقق انتصاراً حقيقياً، بل إن المستفيد الأكبر من الحرب كانت شركات صناعة السلاح التي حققت أرباحاً كبيرة. وفي المقابل، أوصل النظام الإيراني رسالته من خلال إجراءاته الداخلية ضد الشعب، بينما أوصلت الولايات المتحدة وإسرائيل رسالتهما عبر الهجمات العسكرية. لكن الأهم الآن هو وقف الحرب لإفساح المجال أمام المجتمع الإيراني للتعبير عن مطالبه وآرائه بحرية، لأن ما يطالب به الشعب الإيراني هو الديمقراطية والتحول الديمقراطي، وليس ما تريده الولايات المتحدة أو النظام الإيراني.
ثالثًا، أحدثت الحرب تغييراً في إيران، وستقود إلى مزيد من التغيير، حتى وإن لم تتضح بعد آلياته أو مساراته. لم تعد إيران قادرة على الاستمرار بصيغتها السابقة، وأن التغيير لن يكون بعودة النظام الملكي كما تتصور الولايات المتحدة، ولا باستمرار الجمهورية الإسلامية بصيغتها الحالية، وإنما بقيام نظام ديمقراطي، لأن المجتمع الإيراني بات أكثر استعداداً للديمقراطية، ويملك رصيداً قوياً من الوعي والقيم الديمقراطية. لذلك فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة “الجمهورية الديمقراطية” بدل النظام القائم.
وعلى إيران استخلاص الدروس من التطورات الأخيرة. فبينما تجري لقاءات مع الولايات المتحدة ودول أخرى، بل وحتى مع إسرائيل إذا اقتضى الأمر، فإنها ترفض الحوار مع مجتمعها وقواها السياسية في الداخل، ومن بينها الممثلون الكرد، رغم وجود وقف لإطلاق النار منذ 15 عاماً، ورغم أن الطرف الكردي التزم به وحافظ عليه. ويرى أن هذا النهج غير مقبول، وأن الحوار الداخلي كان سيجنب إيران كثيراً من الأزمات التي تواجهها اليوم، ولذلك ينبغي أن تتجه نحو الديمقراطية وإشراك جميع المكونات في إدارة البلاد، ولا تزال القوى الكردية مستعدة للإسهام في هذا المسار إذا اتخذت خطوات ديمقراطية حقيقية.
أعتقد أن شعوب إيران أثبتت خلال هذه المرحلة قدراً كبيراً من الصبر في مواجهة الظروف الصعبة، كما أن كرد شرق كردستان حافظوا على موقف منظم ومتزن، ومن المهم أن يواصلوا هذا النهج القائم على التنظيم والعمل الواعي. وفي المقابل، على السلطات الإيرانية أن توقف الإعدامات وسياسات القمع، لأن هذه السياسات لا تلحق الضرر بالمجتمع فحسب، بل تضر بالنظام نفسه أيضاً، فالإفراط في استخدام العنف والاعتقالات والإعدامات قد يؤدي إلى ردود فعل داخلية غير متوقعة، ولذلك من الضروري اتخاذ خطوات ديمقراطية حقيقية بدل الاستمرار في نهج القمع، لأن ذلك هو السبيل لتجنب مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
نحن الآن في شهر الفدائيين، من الرفيق هلمت إلى الرفيقة زيلان هناك العديد من الشهداء. ومع اقتراب 30 حزيران، كيف تقيّمون يوم الفدائيين؟
إن القضايا التي تناولناها تتعلق بالفدائية. علينا أن نكون فدائيين، لكن الفدائية لا تقتصر على ساحات الحرب فقط، كما أنها ليست محصورة بالعمليات العسكرية. فالفدائية تعني المشاركة بشجاعة وتضحية كبيرة في بناء الحياة الحرة والجماعية، ورؤية الحياة الحقيقية والعمل بلا حدود من أجل نجاحها وتطورها. ومن هذا المنطلق نفهم الفدائية اليوم؛ إذ نعتبر المشاركة في تطوير الحياة الجماعية شكلاً من أشكال الفدائية، ويمكن للجميع الإسهام في ذلك. وفي هذا المعنى، لا شك أن هناك دروساً مهمة يمكن استخلاصها من شهر الفدائيين. فنحن حركة جعلت من الفدائية نهجاً لها، ولم نعمل فقط من أجل بناء حياة حرة وجماعية، بل قدمنا أرواحنا وحياتنا كلما اقتضت الضرورة لتوفير الأرضية المناسبة لهذه الحياة. إن فدائية زيلان، وفدائية الثلاثين من حزيران، تجسدان هذا المعنى بوضوح. فقد أرست المواقف والتضحيات الكبيرة التي قدمها الكريلا الأساس لكل أشكال الحياة الفدائية. ولذلك ينبغي فهم الفدائية بهذا الشكل، بحيث تتجسد في الحياة الحرة، والحياة الجماعية، والسياسة الديمقراطية. كما ينبغي أن نشارك في الحياة ونناضل بروح فدائية، وأن يكون مستوى تضحياتنا وشجاعتنا على هذا القدر من المسؤولية.
ومن أجل ذلك يجب أن نتعلم من الشهداء الفدائيين ونستخلص العبر من مسيرتهم. فهذا العام يصادف الذكرى الثلاثين لاستشهاد الفدائية ورمز حرية المرأة، الرفيقة زيلان. وعلى مدى ثلاثين عاماً تعلمنا على هذا النهج وخضنا النضال على أساسه، فتعلّمنا الشجاعة والتضحية وطوّرنا روح الفدائية. وقد تحقق ذلك انطلاقاً من مسار حرية المرأة وقيادتها. لقد رسم هذا النهج ملامح موقفنا الأيديولوجي، وأسلوب حياتنا، ونضالنا العسكري، ومشاركتنا في القيادة والتنظيم، كما جدد مفاهيمنا وفتح أمامنا طريقاً جديداً. وبهذه المناسبة، وفي الذكرى الثلاثين لاستشهاد الرفيقة زيلان، استذكرها بكل احترام ومحبة وامتنان، وأجدد العهد بالسير على درب أهدافها وتحقيقها. وكما طورنا فدائية عظيمة في زمن الحرب، فإننا اليوم سنمنح هذه الفدائية مزيداً من القوة والمعنى من خلال تطوير الحياة الحرة ضمن مسار النضال السياسي الديمقراطي. ونحن ماضون في ذلك بعزيمة وإصرار.
كما يصادف السادس والعشرون من حزيران ذكرى استشهاد الرفيق هلمت، واستذكره بكل احترام ومحبة وامتنان. فقد انضم إلى الحركة في سن مبكرة قادماً من جنوب كردستان، وتلقى تدريبات لدى القائد وعمل في مناطق عديدة من كردستان. وقد أدى جميع مهامه ومسؤولياته بجدية كبيرة، وكان رائداً حقيقياً للفدائية والوطنية الديمقراطية. كما عُرف بروح المسؤولية والتنظيم والانضباط في أدائه، وكانت الحياة والعمل معه تجربة غنية ومريحة. لم يكن يضيق على الناس أو يفرض عليهم الضغوط، ولم يتهرب يوماً من المسؤوليات أو يتراجع عنها. ومن هذه الناحية كان نموذجاً يُحتذى به. لقد كان بحق قائداً كبيراً، ومثالاً يحتذى في إقناع الناس وتثقيفهم، وفي التقييم الصحيح للظروف، وتحديد المهام والمسؤوليات وتنفيذها. وكان دائماً صاحب جهود ناجحة ومثمرة. لقد سار على خط الرفيقة زيلان، وأعتقد أنه كان يتلقى التدريب لدى القائد عندما استشهدت زيلان. وقد تبنى هذا الخط وسار عليه بإخلاص.
وهكذا كان شهداء حزيران، ولهذا يُعرف حزيران بشهر الفدائيين. ففي هذا الشهر استشهد العشرات من رفاقنا، وجميعهم كانوا على نهج وخطى الرفيقة زيلان. وعلى هذا الأساس استذكر مرة أخرى جميع شهدائنا في حزيران، في شخص الرفيقة زيلان والرفيق هلمت، بكل احترام وامتنان، وأجدد العهد بتحقيق أهدافهم ومواصلة مسيرتهم.