المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

حقُّ الأملِ بين القانون الأوروبّيّ والإرادة التركية.. قضيَّة القائد عبد الله أوجلان نموذجاً

6

في تموز _ يوليو 2013 أصدرَتِ المحكمةُ الأوروبّيِّة لحقوق الإنسان حكماً تاريخيَّاً في قضيَّة فينتر وآخرون ضدَّ المملكة المتّحدة. قرَّرَتْ فيه أنَّ حرمان السَّجين المحكوم بالسَّجن المؤبَّد من أيّ أملٍ حقيقي بالإفراج المشروط يُعْتَبَرُ شكلاً من أشكال (العقاب اللاإنساني أو المهين). هذا المبدأ الّذي عُرِفَ إعلاميَّاً باسم (حقِّ الأمل). تحوُّل سريعاً إلى معيارٍ ملزمٍ لجميع الدَّول الأعضاء في مجلس أوروبّا البالغ عددها 46 دولة. لكنَّ تطبيق هذا المبدأ اصطدم بعقبةٍ كبرى تمثَّلت في رفض تركيا المستمر منح هذا الحقّ للقائد عبد الله أوجلان المحكوم بالسَّجن المؤبَّد المشدَّد منذ عام 1999. فما هي تفاصيل هذا المبدأ؟ ولماذا ترفض أنقرة تطبيقه رغم الإدانة القضائيَّة الأوروبّيَّة؟

أولاً: ماهيَّة حقّ الأمل وأصوله القانونيَّة

حق الأمل: ليس قانوناً مكتوباً بمعنى التَّشريع البرلماني، بل هو اجتهاد قضائي ابتدعته المحكمة الأوروبّيَّة لحقوق الإنسان. يستند هذا المبدأ إلى المادة الثَّالثة من الاتّفاقيَّة الأوروبّيَّة لحقوق الإنسان الّتي تحظر التَّعذيب أو العقاب القاسي أو اللاإنساني أو المهين.

ويرى قضاة المحكمة الأوروبّيَّة أنَّ سجناً مؤبَّداً لا يتضمن أي آليَّة للمراجعة الدَّوريَّة ولا يمنح السَّجين أدنى أمل في الإفراج المشروط بعد قضاء فترة زمنيَّة معقولة. يصبح عقاباً غير إنساني بحد ذاته، وقد اشترطت المحكمة في حكمها لعام 2013 أنْ تتضمن القوانين الوطنيَّة ثلاثة عناصر أساسية:

ـ إمكانيَّة تعليق العقوبة المؤبَّدة.

ـ آلية قانونيَّة لمراجعة العقوبة تمهيداً للإفراج المشروط.

ـ إجراءات واضحة لإنهاء العقوبة بشكلٍ كاملٍ.

ثانياً: الدول المطبقة لحق الأمل

بما أنَّ حقَّ الأمل هو اجتهاد قضائي ملزم فإنَّ جميع الدَّول الأعضاء في مجلس أوروبّا ملزمةٌ بتعديل قوانينها وفقاً له، وقد بادر العديد من الدَّول إلى ذلك عمليَّاً.

المملكة المتحدة: بعد صدور حكم المحكمة الأوروبية ضدَّها تحديداً عام 2013 عدلت أنظمتها القضائيَّة لضمان مراجعة دوريَّة لقضايا المحكومين بالمؤبد.

أوكرانيا: تعرضت لأحكام مماثلة، فقامت في عام 2022 بتعديل تشريعاتها لتحويل عقوبة المؤبَّد إلى عقوبة قابلة للمراجعة. حيث يمكن تحويلها إلى حكم يتراوح بين 15 و20 سنة ثمَّ الإفراج المشروط، وفي عام 2024، صادقت المحكمة الأوروبّيَّة على الإجراءات الأوكرانيَّة الجديدة باعتبارها توفر الآن أملاً حقيقيَّاً وواضحاً للإفراج المبكر، وقد استفاد من هذه التَّعديلات مئات السُّجناء، بينهم السَّيد ميدفيد الّذي حصلت قضيَّته على مراجعة فعليَّة.

هولندا: أُدينت في قضية (موراي) لعدم توفير أمل حقيقي بالإفراج عن سجين يعاني من اضطرابات نفسية، وقامت بتعديل سياساتها.

وبحسب كُتيب صادر عن مجلس أوروبّا عام 2023 قامت 9 دول أعضاء على الأقل بما فيها (بولندا وبلغاريا) بتعديل قوانينها بشكلٍ صريحٍ لضمان هذا الحقّ.

ثالثاً: قضيَّة القائد عبد الله أوجلان – التَّفاصيل والأسباب

القائد عبد الله أوجلان، محكومٌ عليه منذ عام 1999 بالسَّجن المؤبَّد المشدَّد على جزيرة إمرالي، وهي أشدُّ العقوبات المنصوص عليها في القانون التُّركي. إذ تنبع استثنائيَّة هذا الحكم من كونه صادراً بموجب قانون مكافحة الإرهاب الّذي يحظر بشكلٍ قاطعٍ إدراج أي سجين من هذه الفئة ضمن آليات الإفراج المشروط.

في عام 2014، أصدرت المحكمة الأوروبّيَّة لحقوق الإنسان حكماً في قضيَّة القائد عبدالله أوجلان ضدَّ تركيا (رقم 2) قضت فيه بأنَّ تركيا انتهكت المادة الثَّالثة من الاتّفاقيَّة الأوروبّيَّة. وأرجعت المحكمة أسباب إدانتها إلى أن:

1. القانون التركي (المادة 107/16 من قانون رقم 5275) يمنع بشكلٍ مطلقٍ وفئوي إمكانية الإفراج المشروط لفئات بعينها بمن فيهم القائد عبدالله أوجلان.

2. هذه المنع المطلق يجعل عقوبته غير قابلة للتَّخفيض وهو ما يتعارض مع مبدأ (حق الأمل الحقيقي).

3. العزلة القاسية التي يعيشها القائد عبدالله أوجلان منذ أكثر من 25 عاماً دون اتّصال يذكر بالعالم الخارجي تزيد من وصف العقوبة بأنَّها (لاإنسانية).

رابعاً: لماذا ترفض تركيا التَّنفيذ؟

رغم صدور الحكم منذ 11 عاماً، ترفض تركيا تنفيذه لعدَّة أسباب مترابطة:

السَّبب الأول: الإرادة السّياسيَّة والقوميَّة تتعامل الحكومة التُّركيَّة مع القضيَّة على أنَّها مسألة (سيادة وطنية) ترفض معها أيَّ وصاية من القضاء الأوروبّيّ، وقد صرَّح وزير العدل التُّركي أكثر من مرَّةٍ برفض أيّ تعديلات قانونيَّة في هذا الشَّأن.

السَّبب الثَّاني: التَّعامل كورقة ضغطٍ تتعامل أنقرة مع (حق الأمل) كورقةِ مساومةٍ في العمليَّة السِّياسيَّة الجارية (مبادرة 2025). بمعنى أنَّ أيّ تنازل عن هذا الحقّ مشروط بخطواتٍ ملموسةٍ من جانب حزب العمال الكردستاني تتضمن حلّ نفسه ووقف الكفاح المسلح ونبذ أيّ طموحات للحكم الذَّاتي وليس فقط مجرد منح حق أمل نظري.

السَّبب الثَّالث: التَّعقيد التَّشريعي والإجرائي: القوانين التُّركيَّة لا تمنع فقط إطلاق سراح القائد عبدالله أوجلان بل تمنع تطبيق الإفراج المشروط على أي سجين بتهم إرهابيَّة. تطبيق حكم المحكمة الأوروبّيَّة سيتطلب تغييرات تشريعيَّة شاملة تؤثر على آلاف السُّجناء الآخرين ممَّا يجعل الموقف أكثر تعقيداً من الناحية السِّياسيَّة والإداريَّة.

السَّبب الرَّابع: غياب الإرادة القضائيَّة المستقلة: القضاء التُّركي ليس مستقلاً تماماً عن السُّلطة السِّياسيَّة في قضايا بهذه الحساسيَّة والدَّولة مصرَّة على أنَّ إنهاء قضيَّة القائد عبدالله أوجلان يجب أنْ يكون تحت سيطرتها الكاملة وليس استجابة لضغوط دوليَّة أو إنسانيَّة.

خامساً: الموقف الحالي

في أيلول 2025، وبعد مرور 11 عاماً على الحكم الأوروبّيّ أعربت لجنة وزراء مجلس أوروبا وهي الجهة المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ الأحكام عن أسفها العميق لعدم اتّخاذ تركيا أي إجراء يُذكر. وأعطت اللجنة تركيا مهلة حتى حزيران 2026 لتقديم خطة واضحة وآليَّة مراجعة قانونيَّة تتوافق مع متطلبات حق الأمل.

على صعيد آخر، أطلق القائد عبدالله أوجلان في شباط 2025 نداءً تاريخاً داعياً حزبه إلى حلِّ نفسه وإلقاء السِّلاح وهو ما استجاب له الحزب في أيار 2025. لكن حق الأمل ما زال يمثل نقطة الجمود الأساسيَّة، الكرد يرون أنَّ الإفراج عنه أو منحه أملاً حقيقيَّاً هو شرط أساسي لضمان نجاح العمليَّة بينما ترى تركيا أنَّهُ يمكن مناقشة تخفيف العزلة فقط بعد الإثبات العملي لحلِّ الحزب.

قضيَّة (حق الأمل) تمثل اليوم واحدة من أبرز حالات التِّصادم بين القانون الدَّولي لحقوق الإنسان والإرادات السّياسيَّة الوطنيَّة، فبينما تعتبر المحكمة الأوروبّيَّة أنَّ منح هذا الحقّ هو التزامٌ تعاهدَتْهُ كلّ دولة عضو.

فيما تصرُّ تركيا على استثناء قضيَّة القائد عبدالله أوجلان من هذا المبدأ لأسباب استراتيجيَّة وقانونيَّة وسياسيَّة. مع انتهاء مهلة حزيران 2026، يبقى السُّؤال مفتوحاً. هل ستقدم أنقرة على تعديل تشريعاتها تجنباً لإجراءات عقابيَّة أوروبّيَّة جديدة، أم ستستمرُّ في المماطلة وتتحمل تبعات ذلك على سمعتها الدَّوليَّة ومستقبل عمليَّة السَّلام الجارية؟