المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله اوجلان

حقُّ الأمل بين القانون الأوروبّيّ والقرار التُّركي.. معادلة الضَّغط المعطّلة

دائماً ما يعيد حقُّ الأمل سؤالاً مهمّاً عن حدود التَّأثير الأوروبّيّ في الملفّات الحقوقيَّة التُّركيَّة، وهو سؤال تكشف الإجابة عنه عن مفارقة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعليّة.

11

 

تتمسّك المؤسّسات الأوروبّيَّة، بدءًا بالمحكمة الأوروبّيَّة لحقوق الإنسان  حتَّى لجنة مناهضة التَّعذيب، بموقف معلن يدعم مبدأ مراجعة الأحكام المؤبّدة المشدّدة، إلّا أنَّ هذه المواقف تظلُّ حبيسة الصّياغات الدَّبلوماسيَّة العامّة الّتي لا تفرض التزاماً حقيقيّاً على الجانب التُّركي، وبرغم المعطيات الرّاهنة إلّا أنَّ هذا التَّناقض ليس جديداً، بل هو نتاج تراكم طويل من العلاقة الملتبسة بين أنقرة وبروكسل، تتحرّك فيها الملفّات الحقوقيَّة ضمن هامش محسوب بعناية لا يسمح بأيّ اختراق للقرار التُّركي.

قضيَّة ثانويَّة

جوهر الإشكاليَّة يكمن في أنَّ أوروبّا، على الرّغم من امتلاكها أدوات قانونيَّة ورمزيَّة يمكن أنْ تشكّل ضغطاً فعليّاً، تتعامل مع الملفّ بوصفه قضيَّة ثانويَّة ضمن سلّة أوسع من القضايا الّتي تحكم العلاقة مع تركيا، بدءاً من ملفّ الهجرة وانتهاءً بالتّنسيق الأمني والعسكري في حلف النّاتو، ومن ثمَّ فإنَّ  هذا التَّموضع يجعل أيّ بيان أوروبّيّ بشأن حقوق السُّجناء السّياسيّين أو ضرورة مراجعة قوانين العزل والمؤبّد المشدّد يصدر بصيغة الحثّ أو التَّذكير، لا بصيغة المطالبة الملزمة،  والفارق بين الصّيغتين ليس شكلياً، بل هو الفارق بين موقف يمكن أنْ يترجم إلى أداة تفاوضيَّة وموقف يظلُّ مجرّد بيان يستهلكه الإعلام لساعات قليلة ثمَّ يطويه النّسيان.

تدرك أنقرة جيداً حدود هذا الضَّغط، ولذلك تتعامل مع الملف من موقع من يملك القرار النّهائي بلا منازع، فالتَّشريعات المتعلقة بأنظمة السَّجون، وآليات الإفراج المشروط، وتعريف الانتماء لأيّ منظمة مصنّفة، جميعها قرارات تشريعيَّة محلية بحتة، لا تخضع لأيّ آلية مراقبة أوروبّيَّة فعليَّة يمكن أنْ تفرض تعديلاً، وحينما تصدر قرارات من المحكمة الأوروبّيَّة تطالب بإعادة النَّظر في أنظمة العزل، تجد الحكومة التُّركيَّة في آليات التَّنفيذ المحلّيّ مساحة واسعة للمناورة، تتيح لها الاستجابة الشَّكليَّة دون تغيير حقيقي في طبيعة العقوبة أو شروط تطبيقها، ومن ثمَّ فإنَّ هذه القدرة على الإفلات من المساءلة الفعليَّة تجعل من معادلة الضَّغط الخارجي معطّلة بالكامل، إذ يتحوّل الضَّغط إلى طقس دوري يتكرّر دون أنْ يترك أثراً ملموساً على الأرض.

مسار متجمّد

الرّهان على أوروبّا كرافعة لإحداث تغيير في هذا الملف، يستحق إعادة المراجعة خاصّةً وأنَّ التَّجربة التَّاريخيَّة تشير إلى أنَّ المواقف الأوروبّيَّة تجاه الملفات الحقوقيَّة التُّركيَّة غالباً ما ترتبط بمسار انضمام تركيا إلى الاتّحاد الأوروبّيّ، وهو مسار شبه متجمّد منذ سنوات طويلة، ما يجعل الورقة الحقوقيَّة تفقد قيمتها التَّفاوضيَّة، خاصّةً حينما تغيب الحوافز الكبرى، كعضوية الاتّحاد أو الاتّفاقيّات الاقتصاديَّة الاستراتيجيَّة، حيث تتراجع جدّيَّة الملفّات الحقوقيَّة إلى مرتبة متأخّرة في سلّم الأولويات. وبالتَّالي، فإنَّ انتظار أنْ تتحوّل البيانات الأوروبّيَّة إلى أداة ضغط حقيقيّة يبدو رهاناً ضعيفاً، أكثر من كونه استراتيجيَّة واقعيَّة قابلة للتَّطبيق.

شبكة حسابات

رامي زهدي السّياسي المصري أكّد في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، أنَّ الوساطات الإقليميَّة تطرح نفسها كمسار محتمل، لكنَّها تواجه تحدّيات لا تقلُّ تعقيّداً عن التَّحدّيات الأوروبّيَّة، بل ربَّما تتجاوزها في بعض الجوانب، فالأطراف الإقليميَّة الّتي يمكن أنْ تلعب دور الوسيط تجد نفسها مقيّدة بشبكة من الحسابات الدَّاخليَّة والخارجيَّة المتشابكة، حيث تتقاطع مصالحها مع أنقرة في ملفّات أمنيَّة وسياسيَّة أكثر حساسيَّة من ملفّ واحد، كما أنّ التَّوتُّرات الدَّاخليَّة الّتي تعيشها بعض الأطراف تجعلها أقلّ استعداداً لتحمّل أيّ كلفة سياسيَّة مرتبطة بالضّغط على أنقرة في قضيّة تصنّفها الأخيرة ضمن خطوطها الحمراء.

الدكتور حسني أحمد الأكاديمي المختصّ في علم الاجتماع قال في تصريح لوكالة فرات للأنباء «ANF»، إنّ المشهد بمجمله يكشف عن معادلة مغلقة من جميع جوانبها: أوروبا تمتلك أدوات رمزيّة لكنّها تفتقد الإرادة السياسية لاستخدامها بجدّية، وتركيا تمتلك القرار التشريعي الكامل ولا ترى ضغوطاً تستدعي تغييره، والوسطاء الإقليميّون يفضّلون النأي بالنفس عن ملفّ لا يحقّق لهم مكاسب مقارنةً بحجم المخاطر، وفي ظلّ هذا التوازن، يظلّ حقّ الأمل أسير معادلة لا تتحرّك إلا بفعل ديناميّة داخليّة تركيّة بحتة، بعيدة كل البعد عن أيّ تأثير خارجي حقيقي، وهو ما يجعل أيّ حديث عن اختراق قريب لهذا الملفّ أقرب إلى التفاؤل النّظري منه إلى التحليل المستند إلى معطيات الواقع السياسي الرّاهن.