جيدم دوغو: ميلاد القائد عبد الله أوجلان يعني إعادة خلق أمل الحرّيّة للنّساء
شاركت عضوة المجلس التّنفيذي في منظومة المرأة الكردستانيّة (KJK)، جيدم دوغو، في برنامج خاص على قناة مديا خبر، حيث أكّدَتْ أنَّ ميلاد القائد عبد الله أوجلان يحمل دلالات كبيرة للشّعب الكردي، وخاصة للنّساء.
وقالت: “في البداية، أهنئ جميع البشريّة، والشّعب الكردي، والنّساء بميلاد القائد عبد الله أوجلان. يُعبَّر عن الرّابع من نيسان عادةً كعيد ميلاد شخص، لكنَّ مثل هذه المناسبات نادرة جداً في التّاريخ. فقد تحوّل ميلاد فرد إلى ميلاد شعب، ومعه تجدَّدَتْ آمال حرّيّة النّساء. هذه حقيقة قلّما شهد لها التّاريخ مثيلاً. وقد عرّف القائد عبد الله أوجلان يوم الرّابع من نيسان بوصفه ميلاداً جسديّاً ووجوديّاً. وبالفعل، فإنَّ أسلوبه في إضفاء المعنى على حياته تطوَّر بشكلٍ مميز. فالميلاد الأول هو الميلاد الجسدي في الرّابع من نيسان، أما الميلاد الثّاني فيتمثّل في تأسيس حزب العمال الكردستاني، وبداية نضال الحرّيّة للشّعب الكردي. فيما يرتبط الميلاد الثّالث بمرحلة ’المؤامرة الدّوليّة‘ وبداية عمليّة الاعتقال في إمرالي، والّتي يمكن توصيفها كتحوّل أيديولوجي عميق. وهذا الأمر لا يخصُّ حياة فرد واحد فحسب، بل يمثّل أيضاً انبعاث شعب بأكمله منذ 77 عاماً. عند النّظر إليه من منظور النّساء، فهو يوم ينهضن فيه بقوتهنَّ الجوهريّة. إنَّ ميلاد القائد عبد الله أوجلان هو أيضاً ميلاد للآخرين، وهي حقيقة تتطلب تعميقاً أكبر من النّاحية الفلسفيّة والنّموذجيّة. إذ إنَّ إعطاء الحياة معناها عبر هذه “الولادات الثّلاث” يعني في جوهره إضفاء المعنى على النّضال التّحرّري للشّعب والمرأة.
ومن أبرز القضايا الّتي عبث بها النّظام الرّأسمالي هي العلاقة بين الفرد والمجتمع، إذ إنَّ هذه العلاقة بطبيعتها علاقة عضوية ومتوازنة. غير أنَّ تدخل السّلطة الرّأسماليّة أدَّى إلى نشوء تناقض وجودي عميق بين الفرد والمجتمع. وتتجلَّى هذه المسألة بوضوح في شخصيّة القائد؛ فهو فردٌ، لكنَّهُ في الوقت نفسه يعبّر عن ذاته داخل المجتمع بشكلٍ متوازن إلى درجة يمكن معها تجسيد حقيقة الاشتراكيّة. ففي فكره، يتجسد المجتمع من خلاله، كما يكتسب المجتمع هويَّته من خلال هذه الرُّؤية، بحيث يصبح المجتمع فرداً والفرد مجتمعاً في آنٍ واحد، لتتبلور بذلك ملامح مجتمع ديمقراطي ذي توجه اشتراكي.
وأودُّ أيضاً التّأكيد على أنَّ هناك دائماً حالة من تجاوز الذّات. فعند النّظر فلسفيّاً إلى حياة الإنسان، يبرز تساؤل على سبيل المثال: كيف يمضي الإنسان عمره؟ هل يعيش الإنسان معناه ووجوده عبر التّكرار، أم يمنحه معنى متجدَّداً من خلال تجاوز ذاته باستمرار؟ لا شكَّ أنَّ هذه مسألة في غاية الأهمّيّة. ومن هذا المنطلق، نرى أنَّ القائد عبد الله أوجلان خاض دوماً نضالاً قائماً على تجاوز الذّات، نضالاً يمنح فيه لحياته معاني متجدَّدة باستمرار. وبهذا المعنى، أصبح “الميلاد الثّاني” أيضاً ميلاداً للمجتمع الكردي. غير أنَّ هذا المسار تخلَّله دائماً استفسار ذاتي، إلى جانب نضال دائم لتجاوز الذّات. وقد بلغ هذا النّضال مستوى أعمق، خاصة خلال مرحلة إمرالي، حيث جرى الاستفسار عن مفاهيم الدّولة والسّلطة والاشتراكيّة التّقليديّة وتجاوزها، لتبرز مرحلة جديدة. وفي هذا السّياق، ظهرت مفاهيم مثل الأمّة الدّيمقراطيّة، والكونفدراليّة الدّيمقراطيّة، والمجتمع الدّيمقراطي، والاندماج الدّيمقراطي، وحقيقة الكومونات، والاشتراكيّة الدّيمقراطيّة المجتمعيّة، بوصفها تعبيراً عن المرحلة الأعمق من “الميلاد الثّالث”.
وحول عدم وجود رفض لدى القائد عبد الله أوجلان لأي من الولادات الثلاث، أوضحت جيدم دوغو قائلةً: “في الحقيقة، هناك رفض، لكنَّهُ ليس رفضاً قاطعاً، في بيانه الأخير، يُفسّر القائد الماديّة الجدليّة بشكلٍ أكثر انفتاحاً، هناك، يختلف جوهر هذه الجدليّة اختلافاً جذريَّاً، الفكرة هي أنَّهُ في الحياة الكوموناليّة، وفي المجتمع الكومونالي، هناك رفض وانكار شديدين، بعبارة أخرى، هناك منهج يرفض تناقض الواقع، ومنهج دوغمائي، ولكن في جدليّة القائد، لا يُرفَض الماضي رفضاً قاطعاً، أي أنَّ فيه قيماً راسخة، فيه معنىً دائم للمجتمع، وللفرد، ولحياةٍ ذات معنى، وللطّبيعة، وللنّساء. يرى القائد ذلك، بل ويضيف إليه معاني أعمق، لكن ثمَّة مستويات يجب رفضها، يجب تجاوزها، لقد ظهر حزب العمال الكردستاني، لكنَّنا حلّلناه العام الماضي. عندما حلّلنا حزب العمال الكردستاني، هل حلّلنا أو رفضنا جميع قيمه، حقيقة مقاومته؟ كلا، في هذا، وخاصة برنامج الاشتراكيّة الواقعيّة، والفهم الذي بناه، ونهجه، تمَّ تجاوز أمور كان من الممكن تجاوزها، لكن قيماً عظيمة انبثقت مع ذلك. ماذا نفعل؟ بهذا النّهج الّذي يتبعه القائد، نجعل تلك القيم أعظم.
وتابعت: “نعم، بعبارة أخرى، ينبغي النّظر إلى معنى الولادة، فهي تعبّر عن حقيقة الحياة والوجود، بمعنى آخر، حيثما يولد الإنسان، يولد في الحياة، إنَّها تعبّر عن حقيقة وجود الكائن الحي، والآن، إذا نظرْنا إلى واقع كردستان، واقع كردستان في تلك السّنوات، سنعود إلى عام ١٩٤٩، نجد أنَّ هناك ولادة في ظلّ ظروف ذلك الزّمان، إنَّها ولادة ضمن واقع الحياة، وعندما ننظر إلى واقع هذه الولادة، نجد أنَّها حدثت بالكامل تحت الحكم الاستعماري لكردستان، في كردستان تمَّ طمسها، أي أنَّ القائد ولد في مثل هذه الحياة، حتّى في سن السّابعة، كان لديه إدراك بأنَّ هذه الحياة ليست حياة، أي أنَّه كان يشكّك في الحياة القائمة، من هذا المنطلق، وبسبب صغر سنّه، لا يمكن وصف هذا الإدراك بالمعرفة، بل هو شك وتساؤل، شعور فطري، ينظر إلى الحياة دائماً بهذا الشّعور، ودائماً ما يتساءل عنها، هل هذه الحياة حقاً حياة حقيقيّة، حياة حرّة حقاً؟ يقول القائد: “أنا أتساءل دائماً”، هذه هي حقيقة التّساؤل عن الذّات، وحقيقة التّساؤل عن المجتمع، والتّساؤل عن الحياة ككل، عندما ينظر المرء إلى الحياة دائماً بشكّ بهذه الطّريقة، يرى أنًّها حياة خاطئة، لا يمكن عيشها بهذه الطّريقة، ثمَّ إذا سألنا: من أين خرج هذا النّضال؟ إذا بحثْنا مجدَّداً في سبب ظهوره، فسنجد أنَّهُ بينما كانت الدّول الاشتراكيّة الحقيقيّة في العالم تنهار واحدةً تلو الأخرى، ظلّ واقع حزب العمال الكردستاني صامداً، عزّز دوماً من نضاله، وبقي صامداً، هذا أحد أهم جوانبه، لقد تمَّ اكتشاف ديناميكيات الحياة، أي أنَّ هذه الحياة خاطئة، فكيف ينبغي أنْ تُعاش؟ ستحدث ولادات جديدة، وتستمرُّ الحياة، ولكن عندما تحدث هذه الولادات، أي نوع من الحياة ينبغي أنْ يسلكه هؤلاء؟ كيف يمكن أنْ تكون هذه الحياة حقيقيّة، جميلة، طيبة؟ يتضمن البيان تساؤلات كونيّة عميقة، هذا أمر مهم للغاية فيما يتعلق بالحياة البشريّة، مجرّد الولادة والعيش لا يكفي، إذا كنا بشراً، فما الفرق بين البشر والكائنات الحيّة؟ يجب أنْ نُضفي معنى على هذا الاختلاف، يجب أنْ نعرف معنى حياتنا، على المرء أنْ يتساءل: هل يعيش حياة ذات معنى؟ هذه فلسفة مهمّة جداً”.
وعما يحمله 4 نيسان للمرأة من معنى، قالت جيدم دوغو: “فيما يتعلق بالمرأة، يمكن القول إنَّ أكثر من يعيش أعمق أزمة وجود هي المرأة، وكما يُقال دائماً عن الشّعب الكردي إنَّ وجوده قد تعرّض للإنكار، وأنَّ هذه المشكلة قد تمَّ تجاوزها إلى حدٍ ما، إلّا أنَّهُ عند النّظر من زاوية المرأة، فإنَّ هذه ليست مشكلة عمرها 100 أو 200 أو 300 عام فقط، بل هي قضية تمتدُّ لعشرات الآلاف من السّنين، أي أنَّها مشكلة عميقة جداً ومتجذّرة.
فعند النّظر إلى مراحل الولادة الأولى والثّانية والثّالثة، نرى أنَّ عملية تشكّل حركة المرأة تتطابق مع مرحلة الولادة الثّانية، أمَّا الفترة بين الولادة الأولى والثّانية، أي من لحظة الولادة وحتّى ظهور حزب العمال الكردستاني (PKK)، فهي في جوهرها مرحلة إعداد وبناء.
في الطّفولة المبكّرة مثلاً، كانت هناك صديقات طفولة من الفتيات، وعند النّظر إلى واقع مجتمع ككردستان، نرى أنَّ هذا وضع خاصّ ومختلف، فالعلاقات مع الفتيات كانت مميّزة، لكن في الوقت نفسه كانت هناك مشاهد مثل تزويج الفتيات في سن مبكّرة، بدءاً من أخته وصولاً إلى فتيات القرية، وكذلك رؤية العنف الّذي تتعرّض له النّساء، والأزمات الّتي كانت تعيشها والدته، كل ذلك شكّل محاولة لفهم هذا الواقع المتأزّم، ومحاولة النّضال ضدَّه وفهمه في آنٍ واحد.
فكما قيل: “لقد وُلِدْتُ في حياة، لكنَّها حياة خاطئة”، ومن أهمّ النّقاط الّتي تمَّ التّساؤل حولها كانت وضع المرأة: لماذا تعيش المرأة في هذا الوضع؟ لماذا تُباع الفتيات الصّغيرات، صديقات الطّفولة، مقابل كيس من القمح أو حفنة من المال؟ لماذا تتعرّض النّساء لكلّ هذا العنف؟ ولماذا لم تعد تلك الفتاة الّتي كان يلعب معها قادرة على اللّعب بعد فترة؟ هذه الأسئلة كانت تعبيراً عن إحساس عميق بالظّلم ورفض له.
هذه الحقيقة، أي إنكار وجود المرأة، تمَّ الإحساس بها منذ الصّغر، ليس كنظريّة جاهزة بل كإحساس عميق لا يمكن قبوله، وقد قيل في العديد من المرّات: “لقد أخذْتُ ثأر أختي من خلال بناء حركة المرأة”، أي ثأر كلّ النّساء اللّواتي تعرّضْنَ للعنف وكلّ الفتيات الصّغيرات.
إلى جانب التّناقضات المرتبطة بالوجود الفيزيائي، فإنَّ العامل الحاسم كان إنكار وجود المرأة، فهي موجودة لكنَّها مُنكرةٌ، تعيش اغتراباً عميقاً وتتعرّض لعنف شديد، ومن هنا نشأت قوّة الدّافع للنّضال.
مع السّبعينيات، والبحث عن الاشتراكيّة وتجاوز إنكار وجود الشّعب الكردي، ظهر حزب العمال الكردستاني، أي “الولادة الثّانية”، ومع هذه الولادة، بدأت يقظة الشّعب الكردي من جديد، وبالتّوازي ظهرت يقظة المرأة أيضاً، إذ إنّ هذين المسارين مترابطان جدليَّاً، فحين يعبّر الشّعب عن وجوده، تبدأ المرأة أيضاً بإثبات وجودها.
وبهذا المعنى، تولد المرأة من جديد. فمع ولادة حزب العمال الكردستاني (PKK) وكما ولد الشّعب الكردي من جديد، نشهد أيضاً ولادة جديدة للمرأة من خلال النّضال واكتساب هويّة جديدة، وهذا يشكّل تحوّلاً تاريخيّاً، بل يحمل طابعاً عالميّاً، لأنّ اضطهاد المرأة هو أقدم أشكال الاضطهاد في التّاريخ، لذلك فإنَّ تطوّر نضال حرّيّة المرأة ضمن الحركة الكرديّة لا يقتصر على الكرد فقط، بل يؤثّر على جميع النّساء في العالم، وخاصّةً في الشّرق الأوسط.
ومع تقدّم النّضال، تتوسّع هذه الولادة باستمرار، ويمكن القول إنَّ ذلك كان سبباً في ولادة نضال المرأة الحرّة، أي أنَّ كلا الوجودين، وجود الشّعب ووجود المرأة، أعادا ولادة نفسيهما من خلال هذا النّضال.
في المراحل الثّلاث للولادة، كان للمرأة دور أساسي، بل يمكن القول إنَّ هناك ثلاث ولادات للمرأة أيضاً، ففي التَّحوُّل الفكري (الولادة الثّالثة)، تمَّ توجيه نقد كبير للاشتراكيّة الواقعيّة، واعتُبر أنَّ أحد أسباب فشلها هو تأجيل تحرير المرأة إلى ما بعد الاشتراكيّة، وعلى هذا الأساس حدث تحوّل فكري جذري.
ففي الولادة الأولى كان هناك إحساس وبداية تشكّل، وفي الثّانية ظهر مشروع اتّحاد حرّيّة المرأة الكردستانيّة (YAJK) أما في الثّالثة، ومع التّحوّل الفكري والاستراتيجي، دخلت حركة المرأة مرحلة جديدة.
في هذه المرحلة، تمَّ بناء تنظيمات مثل منظومة المرأة الكردستانيّة (KJK) أو نظام كونفدراليّة المرأة، أي تنظيم المرأة ذاتياً داخل المجتمع على أساس الكونفدراليّة الدّيمقراطيّة، عبر الكومونات والمجالس، بحيث لا يقتصر نضالها على الجبال أو نطاق ضيق، بل يشمل المجتمع كلَّهُ ويهدف إلى تحقيق الحرّيّة والمساواة والعدالة في الحياة.
وبعد عام 1999، أصبح نضال المرأة أكثر مجتمعية وانتشاراً عالمياً، مع نشر أيديولوجيا تحرّر المرأة وتطوير مفاهيم مثل جنولوجي (علم المرأة) ومشاريع تغيير الرّجل والمجتمع.
وأخيراً، مع الدّعوة الأخيرة “السّلام والمجتمع الدّيمقراطي” الّتي أطلقها القائد، تمَّ التّأكيد على دور المرأة القيادي، بحيث لا يتكرّر ما حدث في التّجارب الاشتراكيّة السّابقة من تهميش المرأة بعد الوصول إلى السّلطة، بل يتمُّ ضمان استمرار وجودها ودورها القيادي على أساس الحرّيّة.
لذلك يمكن القول إنَّ نضال المرأة اليوم دخل مرحلة جديدة، سواءً من حيث الرّؤية التّاريخيّة أو الدّور القيادي في الحاضر، وهو استمرار وتجديد لمسار “الولادة الثّالثة”.
وحول تقييمات القائد عبد الله أوجلان بشأن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، قالت جيدم دوغو: “القائد يُعرّف هذه العمليّة بنفسه، لكن من زاويتنا يمكن القول إنَّها تُبرز حقيقة فلسفيّة وأيديولوجيّة أعمق لما يمكن تسميته الولادة الثّالثة، وهي ليست فقط فلسفيّة أو أيديولوجيّة، بل تحمل أيضاً بُعداً سياسيّاً قويّاً، فقد طرح القائد مفاهيم مثل المجتمع الدّيمقراطي، والاندماج الدّيمقراطي، وعبّرت عنها كطريق نحو السّلام والسّياسة الدّيمقراطيّة.
هذه قضايا يجب فهمها بعمق كبير، فهي تمثّل عمليّة ولادة جديدة في مسار الحلّ، ليس فقط للشّعب الكردي بل تتجاوز ذلك، إذ إنَّ استراتيجيّة الاندماج الدّيمقراطي في الشّرق الأوسط وكردستان بأجزائها الأربعة تحمل تأثيراً واسعاً يشمل المنطقة كلّها.
ومن هذا المنطلق، فهي تطرح للكرد منظوراً جديداً للنّضال، أي أنّ المجتمع يحوّل نفسه إلى هويّة من خلال الاندماج الدّيمقراطي والمجتمع الدّيمقراطي والكومونات، ولكن في المقابل، هناك أيضاً واقع الدّولة، الّتي ينبغي أنْ تتحوّل هي الأخرى وفق مبادئ ودستور ديمقراطي نحو جمهوريّة ديمقراطيّة، أي أنَّ هناك مسارين متوازيين: ديمقراطيّة المجتمع وديمقراطيّة الدّولة، وعلى هذا الأساس يتحقّق الاندماج الدّيمقراطي.
يمكن القول إنَّ هذه الاستراتيجيّة، في ظلّ ما يُسمى “الحرب العالميّة الثّالثة” وهذه الأوضاع الكارثيّة، تشبه علاجاً شاملاً للأزمات، وإذا تساءلنا عن دور النّساء في ذلك: فإنَّ واقع الشّرق الأوسط، سواءً بالنّسبة للكرد أو لشعوب المنطقة، لم يعرف السّلام، والكرد خصوصاً لم يعيشوا دون انتفاضات أو مجازر، وكذلك عانت شعوب المنطقة من حروب دينيّة وقوميّة وعشائريّة وقبليّة وعائليّة.
وفي خضم كلّ ذلك، كانت النّساء والأطفال هم الأكثر تضرّراً، سواءً جسديّاً أو نفسيّاً أو روحيّاً أو اقتصاديّاً، والمسؤول الأكبر عن ذلك هو نظام الدّولة القوميّة، القائم على الإنكار والإقصاء، والّذي كان سبباً في الحروب الكبرى، لذلك، هناك اليوم استراتيجيّة يُفترض أنْ تضع حدّاً لكلّ ذلك، أي أنَّ الخطَّ الّذي طرحه القائد يمكن أنْ يخفف تدريجيّاً من هذه الصّراعات التّاريخيّة، وإن لم يكن بشكلٍ فوري.
وبالنسبة لنا كنساء، فإنَّ النّضال من أجل الدّيمقراطيّة والسّلام والمساواة والحرّيّة ـ سواء على مستوى النّوع الاجتماعي أو النّضال المجتمعي ـ يصبح استراتيجيّة أساسيّة لإبراز إرادتهنَّ، أي أنّ استراتيجيّة السّياسة الدّيمقراطيّة والاندماج الدّيمقراطي هي طريقهنَّ أيضاً، ولهذا، لا ينبغي للحركات النّسوية أنْ تنظر إلى هذه العمليّة بشكلٍ ضيق أو محدود، لأنَّ قضيَّة المرأة ليست قضيَّة جزئيَّة، بل هي قضيَّة عامة مرتبطة بالمجتمع كلَّه وبقضايا الإنكار والإقصاء، لذلك، يجب التّعامُل مع النّضالين معاً دون تفضيل أحدهما على الآخر، وبالفعل، فإنَّ القائد يطرح هذا المنظور بشكلٍ واضح، وتمنح النّساء دوراً كبيراً ومهمّة أساسيّة في إنجاح هذه العمليّة، أي عمليّة الحلّ الّتي تُوصف أيضاً بأنَّها ولادة جديدة.
وبشأن تقييمات القائد حول الرجل المهيمن والمرأة المضطهدة، أوضحت جيدم دوغو قائلةً: “هنا يوجد أمرٌ مهمٌّ جداً، وهو ضرورة رؤية التّرابط بين النّضال المجتمعي ونضال المرأة، على سبيل المثال، يجب على الحركات النّسوية أيضاً أنْ تتناول هذه المسألة بجدّيّة وتناقشها، لأنَّ هناك نضالاً مجتمعيّاً قائماً، داخل المجتمع توجد ظاهرة المرأة والرّجل، فلا وجود لهما خارج المجتمع، لذلك، عندما نجعل المرأة تناضل، نعم، لكن قبل كلَّ شيء يجب أنْ نبني داخل هذا المجتمع حياةَ تكون فيها الجميع أحراراً ومتساوين.
أنا لا أقول المساواة مع الرّجل، لأنَّ الرّجل ليس معياراّ، ولا قمّة، ولا مقياساً للحرّيّة، بل إنَّ الرّجل في موقع أكثر عبوديّة، لذلك، القول إنَّنا سنصبح متساوين معه ليس دقيقاً بحدّ ذاته، لكن، ككلّ المجتمع، وعلى أساس المساواة والعدالة وتكافؤ الاختلافات، وعلى أساس حماية التّنوّع، وفي إطار ظاهرة من الحرّيّة والمساواة، في مثل هذا المناخ الاجتماعي والدّيمقراطي، ستعيش المرأة بشكلٍ متساوٍ وعادل وحرّ، حينها، تكون حرّيّتي كفرد مرتبطة مباشرةً بحرّيّة هذا المجتمع، إنَّ الاقتراب من هذا الموضوع بمنظور نضالي يدرك هذه الحقيقة هو نقطة في غاية الأهمّيّة.
ثانيًا، فيما يتعلق بالرّجل: كإنسانة تناضل من أجل المرأة، فإنَّ من واجبي الأساسي أنْ أُغيّرَ الرّجل أيضاً وأُحوّله، فواقع هيمنة الرّجل ليس قدراً إلهياً، بل هو واقع مُصنّع، هذه الهويّة الذّكوريّة قد أوجدها نظام “الذّكوريّة السّلطويّة القاتلة”، أيّ النّظام القائم على السّلطة والدّولة، وإذا كانت قد صُنعت، فمن الممكن تغييرها أيضاً.
وهنا تظهر مسألة التّحوّل والتّغيير، نعم، يجب أنْ يتغيّر الرّجل أيضاً، وكامرأة، علينا نحن أيضاً أنْ نتغيّر، فطالما أنَّ المرأة لا تغيّر نفسها، أي لا تتجّه نحو الحرّيّة، فلن تستطيع تغيير الرّجل أو إدخاله في هذا المُناخ الدّيمقراطي، لذلك، هما مرتبطان بشكلٍ مباشر، فكلّما تغيّرت المرأة، يصبح الرّجل مضطراً للتغيير أيضاً.
الآن، في هذه النّقطة، يجب على الرّجل أنْ يتناول المسألة على هذا النّحو: إنَّ مشكلة الوجود ليست للمرأة فقط، بل إنَّ الرّجل أيضاً يواجه اليوم مشكلة وجوديّة جدّيّة جداً، ربَّما يشعر الرّجال بالضّعف أمام ذلك، وربَّما يقولون: نحن أقوياء ولدينا سلطة، فكيف تكون لدينا مشكلة وجود؟ لكنَّ الحقيقة هي نعم، لديهم ذلك، سواءً على الصّعيد الرّوحي أو الجسدي، فإنَّ الرّجل أيضاً ليس ذاته الحقيقيّة داخل ما نسميه المجتمع، إذا نظرنا إلى كلّ الهويّات الذّكوريّة الموجودة، من الأكثر ثوريّة إلى الأكثر رأسماليّة، قد لا تكون على المستوى نفسه، لكن هناك بدرجة كبيرة مشكلة عدم الانتماء للذّات وفقدان الذّات.
وأخصّ بالذكر الرّجال الذّين يريدون خوض نضال الحرّيّة أو النّضال الدّيمقراطي، أمّا أولئك المعادون والمضطهِدون فنحن نناضل ضدَّهم أساساً، لكنَّ هناك واقع للرجل يقول: أنا وطني، أنا ثوري، أنا اشتراكي، أنا أفضل الشّيوعيين، هذا الشّخص يجب أنْ يسأل نفسه: كهويّة جندريّة، أنا رجل، لكن إلى أيّ مدى أعيش هذه الهويّة بشكلٍ طبيعي وحقيقي؟ هل أنا منتمٍ لنفسي حقاً؟ أم أنّني أنتمي لهويّة الرّجل الّتي صنعها النّظام الرّأسمالي؟ هل أنا رجل ينتمي لهوية قبليّة أو عشائريّة أو عائليّة أو مذهبيّة صُنعت في الشّرق الأوسط؟ أم أنَّني بالفعل أنتمي لمجتمعي؟ هل أنا رجل ينتمي لمجتمع ديمقراطي وطبيعي؟ هل أنا حرّ؟ يجب أنْ يطرح هذه الأسئلة.
القوّة شيء آخر، وهي ليست قوّة حقيقيّة في الأساس، صحيح أنَّهُ في بعض النّقاط يملك الرّجل قوّة، بينما تُترك المرأة بلا قوّة إلى حدٍّ كبير، لكنَّ السّؤال: هل تستطيع أنْ تعيش بهويتك؟ عندما ننظر، نجد أنَّ المشاعر قد تمزّقت، إنَّ نزعة التّملُّك بلغت مستوى خطير، لماذا يحدث قتل النّساء بهذا الشّكل؟ لأنَّهُ عندما يشعر الرّجل أنَّهُ يفقد ما يملكه، تستيقظ لديه نزعة القتل ويتحوّل إلى قاتل، وهذا ما نسميه بـ “القاتل المتعمّد” المرتبطة مباشرة بالملكيّة أو التّملُّك.
لذلك، أينما وُجِدَتِ الذّهنيّة التّملُّكيّة وتركيز القوّة، يوجد هناك فقر، فالرّجل يصبح ملكاً أمام من هو أضعف منه، لكنَّهُ يتحوّل إلى عبد أمام من هو أقوى منه، إنَّها مفارقة متناقضة، إذاً، من هو الرّجل هنا؟، لذلك فإنَّ هذه المسألة ليست تراجعاً أو تنازلاً، بل على العكس، هي عمليّة مساءلة للذّكورة المُنشأة، الرّجل لا يتراجع، بل يتقدّم خطوة إلى الأمام، نحو مجتمعه، ونحو بناء علاقة صحيحة مع المرأة، نحو علاقة قائمة على المساواة والعدالة والاحترام والمحبّة الحقيقيّة، وهذا ما يُتوقّع من الرّجل الاجتماعي السّاعي للحرّيّة، أي لا يتراجع خطوة إلى الوراء، بل يتقدّم خطوة إلى الأمام بشكلِ جميل ومعنى، وعندما يتناول المرء الموضوع بهذا الشّكل، يبدأ العقل بالتّغيير، وهكذا يحدث تصدّع في عقليّة الرّجل التّقليدي المهيمن، وبذلك تبدأ عمليّة التّحوّل والتّغيير، وهنا يلزم قدر من الشّجاعة.
وأضافت: “يعني في الواقع المعيار الحقيقي هو هذا: إذا كانت المرأة هي الأكثر تعرضاً للاضطهاد، فإنّ طريقة التعامل معها تصبح مقياساً، وهذا ينطبق أيضاً على علاقة المرأة بالمرأة، فدرجة حريّة المرأة مرتبطة بكيفية تعاملها مع رفيقتها وجنسها، إلى أيّ مدى تستطيع إقامة علاقة حرّة ومتساوية، قائمة على الحبّ والاحترام والقيم الأخلاقيّة والجماليّة؟ هذا أيضاً معيار أساسي.
أمّا بالنسبة للرّجل، فالأمر أكثر وضوحاً لأنّ الهويّة الذكوريّة القائمة قد بُنيت أساساً على قمع المرأة وفرض الإرادة عليها، وجود الرّجل تحوّل إلى قوّة قائمة على غياب المرأة، بل وعلى قمعها الجسدي والمعنوي، لذلك، فإن الرجل الذي يريد أن يتغير ويصبح اشتراكياً يجب أن يسأل نفسه: كيف أستطيع أن أوجد ذاتي دون أن أقمع المرأة، دون أن أمارس عليها ضغطاً جسدياً أو نفسياً أو فكرياً، بل من خلال الاعتراف بإرادتها والمساواة معها.
هذا يشكّل ولادة جديدة حقيقية، كيف يجب أن يتعامل الرجل مع المرأة؟ هل ينظر إليها من فوق؟ هل يتحدث بصوت عالٍ أو بالصراخ؟ هل يقترب بعنف أو بنظرة تحرُّشية؟ هل يراها دائماً كجسد جنسي؟ أم ككائن إنساني حقيقي؟ فالمرأة هي كائن إنساني له معنى وقيمة، والاقتراب منها وفق هذا المعنى، وبمعايير أخلاقيّة وجماليّة، يخلق رجولة جديدة.
لكن في الوضع الحالي، هناك سلوكيّات شائعة مثل عدم الاستماع للمرأة، توجد أساليب كثيرة لإلغائها، خاصّةً النفسيّة منها، قد لا يدرك الرّجل ذلك، لكنّ المرأة تدركه جيداً لأنّها دائماً في موقع القمع، مثلاً: الرجل لا يُصغي كثيراً للمرأة، بينما يُنصت أكثر للرجل، يضبط صوته عند الحديث مع رجل، لكنه يرفعه أو يتحدّث بعدوانيّة مع المرأة.
إذا صحّح الرجل طريقته في التعامل مع المرأة، واعتمد معايير الحرية والمساواة والعدالة، فإن ذلك يصبح أساساً لحلّ مشكلات المجتمع أيضاً، فنحن نرى في الأخبار أنّ الرّجل قد يدخل في شجار عنيف حتى في المرور، العنف ليس فقط ضد المرأة، بل هناك عنف كبير بين الرّجال أيضاً، لكن مصدره هو طريقة التعامل مع المرأة، إذا تمّ حلّ هذه المسألة، يصبح المجتمع ديمقراطياً، المعاملة الصحيحة مع المرأة تجعل المجتمع ديمقراطياً، بينما العلاقة السلبية تُبقيه غارقاً في واقع عنيف وغير ديمقراطي.
ومع اقتراب الرابع من نيسان (ميلاد القائد عبد الله أوجلان)، تحدثت جيدم دوغو عن ذلك قائلةً: “نعم، في الواقع، تُعبّر أشهر الرّبيع عن ولادة جديدة، ففي ذاكرة البشريّة، تُعد أشهر آذار ونيسان وأيار بمثابة تاريخ تنبض فيه الطّبيعة والحياة البشريّة بالحياة، ويندرج الرّابع من نيسان ضمن هذا السّياق، كحركة نسائيّة، نريد أنْ نربط ميلاد القائد في الرّابع من نيسان بميلاد الطّبيعة وحيويتها، إذا تأمّلنا، سنجد آلاف الولادات في الطّبيعة أيضاً، فكلّ دورة فصل تُعبّر أساساً عن تغيير جديد، وتحوّل جديد، ومرحلة جديدة.
نهدف إلى ربط ميلاد القائد بميلاد الطّبيعة ومنحه معنى، خاصةً في واقع الحياة الّذي حوّل فيه النّظام الرّأسمالي المتوحّش العالم إلى صحراء، وأصبحت الطّبيعة قذرة ومقززة، نريد أنْ نمنحه معنى النّضال البيئي، في هذا اليوم، الرّابع من نيسان، في كردستان والشّرق الأوسط والعالم أجمع، أناشد ملايين النّاس الّذين يعرفون القائد ويؤمنون بنضاله: من المهم جداً أنْ يُزيّن الجميع الطّبيعة ويُحيوها في هذا اليوم.
بهذه المناسبة، أدعو الجميع إلى إحياء الطّبيعة والاحتفال بالرّابع من نيسان في كلّ مكان بحماس، يجب أنْ يربط النّاس هذا اليوم بحرّيّة القائد الجسديّة، وأنْ يحوّلوه إلى قوّة دافعة للنّضال، إنَّهُ ليس مجرّد عيد ميلاد تقليدي تُقطّع فيه الكعكة، دعونا لا ننظر إليه بهذه الطّريقة، عيد ميلاد قائدنا هو يوم نضال، يوم لإضفاء معنى على الحياة، يوم لإحياء الطّبيعة وتحريرها، على هذا الأساس، يجب أنْ نجعل من الرّابع من نيسان، يوماً للنّضال قائماً على الحرّيّة الجسديّة للقائد وتبنّي الذّات، يجب أنْ نعتبره يوماً لفتح الطّريق أمام ولادة جديدة، وتحوّلات جديدة، وإعادة بناء، في الوقت نفسه، وبمناسبة الرّابع من نيسان، أدعو الجميع إلى ذلك وأوجّه إليهم هذا النّداء”.