لا وقت لإضاعته .. القائد عبدالله أوجلان يواصل توجيه مسار السلام
رسالة تلو الآخر للقائد عبدالله أوجلان تصل من إمرالي، يواصل فيها توجيه مسار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.
تحمل الرسالة الأخيرة للقائد عبدالله أوجلان، الصادرة عقب لقائه بوفد حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب”، مضامين فكرية وسياسية بالغة الأهمية، ترسم خارطة طريق لتجاوز الأزمات البنيوية في تركيا والشرق الأوسط، وتعيد توجيه خطوط مسار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي تمر بحالة من التعثر جراء مواقف السلطة التركية.
وينطلق القائد عبدالله أوجلان من تشخيص دقيق للواقع الراهن، معتبراً أن المجتمعات الإقليمية تعيش حالة من “التعثر والتقييد” الأخلاقي والسياسي والاقتصادي، مدفوعة بفيضان من الغضب والنـزعات القومية الضيقة والتشدد الإقليمي، كما هو الحال في السياسات القائمة على فكرة الدولة القومية والحداثة الرأسمالية، سواء في إسرائيل أو إيران أو تركيا.
الديمقراطية كضروة حيوية
ولتفكيك هذه الأزمات، يطرح القائد عبدالله أوجلان في رسالته “الديمقراطية” كضرورة حيوية وجودية، وليست مجرد ترف سياسي و شعارات ديماغوجية. ويتميز هذا الطرح بنقله من الفضاء النظري إلى المسار الإجرائي؛ حيث يربط القائد آبو نجاح التحول الديمقراطي بالانتقال من “مرحلة الآمال والتوقعات” إلى “مرحلة الأطر القانونية الملزمة”.
وهنا يبرز دور البرلمان التركي في تبني “قانون إطاري” يشكل حجر الزاوية لإنهاء هذه العقود من الصراع والاتجاه نحو السلام، وتهيئة بيئة ديمقراطية حقيقية تتجاوز الممارسات الإقصائية (مثل التضييق على الأحزاب السياسية كحزب الشعب الجمهوري).
وفي عمق هذا التحليل، تتجلى إعادة صياغة مفهوم المواطنة من خلال أطروحة “دمج الكرد في الجمهورية الديمقراطية”. ولا ينظر القائد عبدالله أوجلان إلى القضية الكردية كملف أمني، بل كفرصة تاريخية لإعادة هيكلة وتحديث العلاقات التركية الكردية بشكل منهجي يقضي على العنف نهائياً. ويؤكد أن الحل في جوهره يكمن في إحياء المضمون الديمقراطي الكامن في أصل فكرة الجمهورية، وبناء نظام قانوني يحمي التعددية ويهيئ ثقافة السلام والمشاركة.
التزام بالحياة الديمقراطية
في هذا السياق، يقول نيازي حامد الباحث في شؤون الشرق الأوسط، لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إن القائد عبدالله أوجلان أكد مجموعة من الأمور المهمة في رسالته، فقد أكد بقوة التزامه الثابت بالحياة الديمقراطية في تركيا، وشدد على أن بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي يمثل “خطاً أحمر” لا يمكن التنازل عنه مهما بلغت التضحيات.

ولفت إلى أن القائد آبو أعرب عن قلقه العميق إزاء الانتهاكات الأخيرة التي طالت أبواب الأحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري (CHP). واعتبر أن هذه الأحداث دليل واضح على غياب السياسة الديمقراطية والفشل في تطبيق ديمقراطية حقيقية، مؤكداً أنه لا يمكن في ظل نظام ديمقراطي حقيقي اقتحام مقرات الأحزاب السياسية على سبيل المثال.
وتوقف نيازي حامد عند حديث القائد آبو بشأن التهاون مع الديمقراطية واعتبارها ترفاً أو مجرد خطاب، حيث شدد على أن هذا خطأ فادح له عواقب وخيمة على البلاد. وقدم الحل بالدعوة إلى ضرورة ملحة لبناء وتطوير الطابع الديمقراطي للجمهورية، مشيراً إلى أن الحل الأمثل يكمن في بناء ثقافة ومضمون ديمقراطيين للجمهورية، وإرساء نظام قانوني يضمن ذلك.
وحملت رسالة القائد عبدالله أوجلان أبعاداً أيديولوجية وإنسانية منفتحة، حيث يُبدي جاهزية تامة لتقييم المبادرات والنقاشات الدولية، مستنداً إلى الدعم الأكاديمي والمثقف العالمي لعملية السلام. وبالتالي قدم رؤية بصفة عامة تقوم على أن معالجة غياب الديمقراطية في الداخل التركي هو المفتاح الأساسي لتحصين المنطقة ضد المخاطر الكبرى، ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق جميع الأطراف دون إبطاء.
لا وقت يجب تضييعه
بدوره، يقول محمد أمين كليج وهو باحث سياسي تركي، لوكالة فرات للأنباء (ANF)، إن المجتمع التركي يعيش اليوم حالة اختناق كبرى على كافة المستويات الحياتية، سواء من الناحية الأخلاقية، والسياسية، والقانونية، أو الاقتصادية؛ ولهذا السبب يأتي الإصرار على مسار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، ونتعجل في المضي قدماً، مشيراً إلى أن ظروف الشرق الأوسط لا تزال حبلى بكل الاحتمالات. فدول مثل إيران وإسرائيل تتصلب في مواقفها، ويبدو أنها ستزداد تصلباً.

وأضاف أن تعزيز النزعات القومية والتفتت، وتنمية “القوميات المجهرية” في الشرق الأوسط، يلحق ضرراً بالغاً بالمنطقة. فيما أن مسار السلام والمجتمع الديمقراطي يريد إنهاء الصراعات الدموية. وأكد أنه من الأهمية بمكان أن تكتسي كل هذه الجهود بأساس قانوني.
وشدد كليج على أن البقاء في حالة انتظار دائم لا يولد سوى المخاطر، وليس هناك وقت لتضييعه. وهنا يرى أن سن قانون إطاري يمكن أن يشكل “الخلية الجذعية” لمسار الدمقرطة؛ فالتنظيم القانوني هو ما سيدخل البلاد في مرحلة بناء إيجابي حقيقي، وفي مسار تتحرك فيه عجلة الديمقراطية. فالديمقراطية كما أكد أوجلان ضرورة حيوية ونجاح مسار السلام سيقرب تركيا منها.