صالح مُسلم: جدلية الخلود كيف يُدفَن الموتى موتهم بحياة المناضلين
صالح مُسلم: جدلية الخلود كيف يُدفَن الموتى موتهم بحياة المناضلين
بقلم: [آمنة خضرو عضوة ادراة المبادرة السورية لحرية القائد عبدالله أوجلان ]
مقدمة:
في سجلّات الحركات التحرّرية الإنسانية، قلّما نجد أسماءً تفلت من قبضة النسيان بمجرد تسطيرها في لوائح الشهداء. هناك رجالٌ لا يُكتَبون بالحبر، بل يُنقشون في صلب الوجدان ، فيتحوّلون من مجرّد كائنات بيولوجية إلى أيقونات فلسفية خالدة. الرفيق صالح مسلم، أبو الشهيد وقريب القلب من الفكر والفعل، ينتمي إلى هذه الفئة الاستثنائية من الجبابرة الذين اقتحموا الموت من أوسع أبوابه. لم يفعل ذلك طمعاً في جنّة مفترضة، بل ليؤسّس في اللحظة الفدائية ذاتها أسمى معاني الانتصار للإرادة الإنسانية على أدوات الإبادة والدمار. إنه النموذج الحي الذي يترجم عملياً مقولة القائد عبدالله أوجلان الخالدة: “ليس الموت أن تفنى، بل الموت أن تعيش بلا قضية”
-من يكون المناضل؟
لا يمكن فهم عظمة الرفيق صالح مسلم بمعزل عن التجسيد الحي لمبادئه. إنه المناضل الذي اختزل في مسيرة حياته تناقضات الصراع الطبقي والوطني، فجسّد فيها أقصى درجات الزهد الثوري. فعندما يقول بلسان حاله ومقاله:
“ليس لدي قصر… ولا رصيد بنكي في مصرف… أملك حقيبة صغيرة فيها وصية ابني الشهيد وجواز سفر… لا أنام على الحرير… سريري مقعد في طائرة… لا أضع ربطة العنق… ولا ألبس الجوخ… ولا أهتم إن فُرِش لي في المطارات السجاجيد الحمر.”
إنه هنا لا يقدّم سيرة ذاتية بقدر ما يؤسس لـ “حقيقة المناضل”؛ أي نظرية في الوجود تقوم على نبذ كل مظاهر التراكم الرأسمالي والزيف البرجوازي. هذا الزهد ليس نابعاً من فقر مادي بقدر ما هو نابع من غنى وجودي؛ غنى يجعل من القضية وطناً، ومن دم الابن وصية، ومن مقعد الطائرة سريراً يليق بثائر لا يعرف الكلل.
تتجاوز عبقرية صالح مسلم شخصه لتصل إلى أسرته، حيث يتحوّل “البيت” من فضاء خاص حميمي إلى ثكنة أخلاقية وقيمية. يصف لنا هذا التحول صديقه واصفا اياه
“أملك بيتاً صغيراً طالت القذائف ركنه… عائشتي… تتعطر بالبارود فيه… وتدندن أغانيها الحزينة تحت ظلال الشجر… على عتبة بابه يلوح شهيدي الصغير شرفان للرفاق… مبشراً بالربيع القادم… بالمجد المنتظر.”
هنا يصبح البيت الصغير الذي طالته القذائف رمزاً للوطن كله. البارود ليس رائحة موت، بل هو عطر الحياة تحت القصف. الأغاني الحزينة ليست يأساً، بل هي دندنة الصمود. وعتبة الباب التي يلوح منها الشهيد الصغير تتحول إلى منصة إعلان لربيع قادم لا محالة. لقد طبق فقيدنا الغالي صالح مسلم على أسرته ما نادى به القائد أوجلان: جعل من التربية أداة نضال، ومن الأسرة خلية مقاومة، لتثبت التجربة أن الثورة تلد الثوار، والشهداء يلدون الأحياء قبل أن يلد الموتى.
-جدلية الموت والحياة-قراءة في منعطفات الخلود الاوجلانية
يستند فكر القائد عبدالله أوجلان إلى مفهوم متقدم للموت، حيث يُنظر إليه ليس كنهاية بيولوجية، بل كلحظة انعتاق قصوى من عبودية الخوف. لقد جسّد الرفيق صالح مسلم هذه المعادلة الصعبة: دفن الموت بالحياة. كيف يحدث ذلك؟
يحدث عندما يتحول الدم المراق إلى ينبوع أمل يروي عطش الأجيال.
عندما تتحول الجثة المادية إلى فكرة عابرة للحدود والأزمنة.
عندما لا يخلف المناضل خلفه فراغاً، بل زخماً متجدداً من العزيمة.
الرفيق صالح مسلم انتصر على الموت لأنه لم يعش لنفسه. فعندما يأتي الموت ليأخذ الجسد، يجد أن صاحبه قد سبقه إلى الحياة الحقيقية: حياة النضال، حياة الدفاع عن حقوق الشعوب، حياة المقاومة حتى الرمق الأخير. في لحظة استشهاده، لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت الفصل الأكثر خلوداً.
_الركيزة الثورية – الجسر بين الفكر الأوجلاني والممارسة الحياتية
-العلاقة بين القائد المفكر والمناضل كان فقيدنا صالح مسلم من بين الركائز التي ارتكز عليها الفكر الأوجلاني ليتحول إلى واقع معاش. لم تكن العلاقة بينهما مجرد انتماء تنظيمي جامد، كانت حالة من الالتحام الوجودي.
لقد طبّق الشهيد صالح مسلم هذا الفكر على ذاته، فصقل شخصيته بمشاق الجبال وصبر السجون وعزة المنفى. وفي اللحظات الأكثر ظلاماً، حين تحاول قوى الظلام طمس الهوية، يظهر أمثال صالح مسلم ليؤكدوا أن الإنسان إذا آمن بفكرته، صار أقوى من كل آلة قتل، وأعتى من كل رصاصة غادرة.
خاتمة: رحيل الجسد وبقاء المعنى
نختم بهذا القسم الذي لخصه صالح مسلم بنفسه كوصيته الأخيرة لكل الأحرار:
“أنا صالح مسلم… أقسمت بدم الشهيد أن أفني لأجل حرية شعبي ما تبقى من هذا العمر.”
بهذا القسم، يختتم المناضل مسيرته الدنيوية ليبدأ مسيرته الخالدة. لقد رحل الجسد الذي كان يحمل اسماً، لكنه أبقى لنا معنى. رحل السياسي والمناضل الثوري صالح مسلم ليصبح جزءاً من ذاكرة الإنسانية النضالية، وليؤكد أن الرجال العظماء لا يولدون مرتين، بل يولدون آلاف المرات في قلوب الأحرار.
هو رفيق الدرب للقائد أوجلان في الفكر، ورفيق الخلود له في التاريخ. في لحظة وداعه، ندرك جميعاً بأن روحه كانت ولا تزال هنا.. في كل من يحمل راية الحرية، وفي كل طفل يلوح على عتبة داره مبشراً بربيع آتٍ لا محالة.
تحية إجلال للرفيق الخالد صالح مسلم…
ورحمة ونور لروحه الطاهرة…
والخلود لنهجه وللنضال من أجل حرية الشعوب.