الأيكولوجيا في فلسفة القائد عبد الله أوجلان
ليست الأيكولوجيا في الفكر السياسي المعاصر مجرد قضية بيئية تتعلّق بحماية الغابات أو الحدّ من التلوّث ، بل أصبحت مدخلاً لفهم أزمة الحضارة الحديثة ذاتها ، ففي فلسفة القائد عبد الله أوجلان تتخذ الأيكولوجيا بعداً حضاريّاً عميقاً ، إذ ترتبط بتحرر المجتمع و إعادة بناء العلاقة الأخلاقيّة بين الإنسان و الطبيعة ، فالبيئة ليست مجرد إطار خارجي للحياة البشريّة ، بل هي البنية الحيويّة التي يتشكّل فيها المجتمع و الثقافة و الاقتصاد ، و عندما تختلُّ هذه العلاقةُ ، فإنّ ذلك يشير إلى خللٍ أعمق في نمط الحضارة و نظام السلطة .
ينطلق الفيلسوف عبدالله أوجلان من فكرة أنّ الأزمةَ البيئيّةَ ليست حادثةً عرضيّةّ ، بل هي نتيجةٌ مباشرةٌ لبنية النظام الرأسمالي الذي حوّلَ الطبيعة إلى سلعة و مصدر ربح ، فالحداثة الرأسماليّة ، بما تحمله من منطق التراكم اللامحدود ، تدفع المجتمعات إلى استنزاف الموارد الطبيعية دون اعتبارٍ للتوازن البيئي أو للاستمراريّة التاريخيّة للحياة ، لذلك يرى أنّ القضايا الأيكولوجيّة أصبحتْ نافذةً تكشفُ الجوهرَ الحقيقيَّ للنظام الرأسمالي ، فالكوارث البيئيّة المتزايدة – من الاحتباس الحراري و حرائق الغابات و التصحر و تلوّث الأنهار – ليست سوى أعراضٍ لهذا الخلل البنيوي ، و لهذا يؤكد الفيلسوف عبدالله أوجلان هذه الفكرة قائلاً :
” ربما لم تتميز أيّةُ قضيّة بالأهمية و الشأن اللذين يحوّلانها لبسط الوجه الباطني الحقيقي لأنظمة رأس المال – الربح على أجندة البشرية جمعاء ، مثلما هي حال القضايا الأيكولوجيّة ” .
إنّ الحداثة الرأسمالية ، و كما يشرحها الفيلسوف عبدالله أوجلان ، لا تقتصر على النظام الاقتصادي فحسب ، بل تتجسّد في ثلاثة أركان متداخلة : ” الرأسماليّة ، و الدولة القوميّة ، و الصناعوية ” ، و هذه الثلاثية ، أو ، كما يسميها القائد عبد الله أوجلان ، الفرسان الثلاثة لمحشر الحداثة الرأسماليّة ، أنتجت نمطاً حضاريّاً يعادي الطبيعة بصورة غير مسبوقة في التاريخ ، فالدولة القوميّة عزّزت المركزيّة و الهيمنة على الموارد الطبيعيّة ، و حوّلت الأرض إلى مجال للسيطرة السياسية و الاقتصادية ، أما الصناعويّة فقد دفعت نحو استغلال مكثّف للموارد ، حيث تحوّلت الأنهار إلى مجارٍ للنفايات الصناعيّة ، و الغابات إلى مواد خام ، و الهواء إلى حيّز للتلوّث .
و من أبرز نتائج هذا التحوّل انهيار البنية التقليدية للمجتمع الزراعي ، فالمدن التي كانت في السابق امتداداً طبيعيّاً للمجتمع الريفي ، تحوّلت في ظل الرأسماليّة إلى مراكز ضخمة للاستهلاك و الإنتاج الصناعي ، ما أدّى إلى تفكّك التوازن بين المدينة و الريف ، و هذه الظاهرة ، يشرحها الفيلسوف عبدالله أوجلان من خلال تحليل اجتماعي عميق ، إذ يرى أنّ تدمير المجتمع الزراعي – القرية أدّى إلى تفكيك العلاقات المجتمعيّة الطبيعيّة التي كانت أكثر انسجاماً مع البيئة ، و في هذا السياق يقول بعد تحليل هذه الظاهرة :
” يتبدّى صُلب أضرار الحداثة الرأسمالية في انهيار المدينة ، و التضخّم السرطاني للطبقة الوسطى ، و في القضاء على مجتمع الزراعة – القرية ” .
إنّ هذا التحوّل الحضاري لم يترك أثره في أوروبا الصناعية فقط ، بل كان أكثر قسوةً في مناطق الشرق الأوسط ، فهذه المنطقة التي كانت مهداً للحضارات الإنسانيّة تعرّضت عبر قرون طويلة لعمليّة تدمير بيئي تدريجي ، فالأراضي التي كانت تغطيها الغابات ، و السهول الخصبة التي ازدهرت فيها الزراعة الأولى ، تحوّلت مع الزمن إلى مناطق متصحرة نتيجة الحروب و الاستغلال المفرط للموارد ، و هنا ، يستحضر الفيلسوف عبدالله أوجلان تاريخ المنطقة ليبيّن أنّ الأزمة البيئيّة ليست معاصرة فحسب ، بل هي نتيجة مسار طويل من اغتراب الحضارة الطبقيّة عن الطبيعة .
لقد كانت أرض ميزوبوتاميا ، أي بلاد ما بين النهرين ، إحدى أعظم البيئات الطبيعية التي احتضنت نشوء الحضارة الإنسانية.
ففي منطقة الهلال الخصيب ، حيث يجري نهرا دجلة و الفرات ، نشأت أولى المجتمعات الزراعيّة المنظّمة ، و قد وفّرت هذه الأنهار المياه و التربة الخصبة التي سمحت بظهور المدن الأولى ، و تطوّر الزراعة ، و بناء الثقافة الإنسانية المبكّرة .
لكنّ هذه البيئة التي كانت يوماً “شرايين العطاء” للحضارة الإنسانية تعرّضت لتدهور طويل عبر التاريخ ، و يصف الفيلسوف عبدالله أوجلان هذه العمليّة التاريخيّة قائلاً :
“التاريخ في الشرق الاوسط ، هو التاريخ الذي قضت فيه الأيكولوجيا نحبها ، و لدى اغتراب حضارة المجتمع الطبقي عن الطبيعة ، تطوّر دمار البيئة الدائم يوماً بعد يوم ، شهراً بعد شهر ، سنةً بعد سنة ، قرناً بعد قرن ، ألفيّةً بعد ألفية ، لتتحوّل كلّ غاباتها و أراضيها إلى صحراء قاحلة ، رغم أنّ تلك الغابات و الأراضي هي التي شكلت شرايين الإنسانية الأكثر عطاءً ” .
إنّ هذا التحليل يقود إلى فكرة أساسيّة في فلسفة القائد عبدالله أوجلان ، و هي أنّ فهم التاريخ البيئي ضروريٌّ لفهم مستقبل المجتمعات ، فالتاريخ التقليدي ركّز على الحروب و الدول و الملوك ، لكنّه تجاهل تاريخ الطبيعة و علاقتها بالمجتمع ، كما تجاهل دور المرأة و الطبيعة في تشكيل الحضارة الإنسانيّة ، لذلك يرى أنّ كتابة تاريخ الأيكولوجيا هي خطوة ضروريّة لإعادة بناء المجتمع على أسس أكثر انسجاماً مع الطبيعة.
فكما أنّ تحرير المرأة يتطلّب معرفة تاريخ اضطهادها ، فإنّ بناء مجتمع أيكولوجي يتطلّب معرفة تاريخ تدمير البيئة ، ومن دون هذا الوعي لا يمكن لأيّ مشروعٍ ديمقراطي أو تحرّري أن يكون حقيقيّاً ، و لهذا يربط الفيلسوف عبدالله أوجلان بين الحريّة الاجتماعيّة و الوعي البيئي ربطاً وثيقاً قائلاً :
” تاريخ الأيكولوجيا في الشرق الأوسط لم يُكتب ، كما لم يُدوّن تاريخ المرأة أيضاً ، فمثلما هو ضروريّ معرفة تاريخ المرأة من أجل بلوغ المرأة الحرّة ، فمن الضروري أيضاً معرفة تاريخ الأيكولوجيا في سبيل بناء المجتمع الأيكولوجي ، و أيّ ديمقراطية ، أو مجتمع يناديان بالحريّة الجنسيّة ، و لا يستندان إلى وعي البيئة و علمها و عملياتها ، لا يمكن أن يكونا الخيار الحق للشعوب ” .
و من هذا المنطلق ، يقترح بديلاً حضاريّاً يتمثّل في بناء المجتمع الأيكولوجي الديمقراطي ، و هذا المجتمع لا يقوم على الاستغلال غير المحدود للطبيعةو، بل على مبدأ التوازن و التكامل بين الإنسان و البيئة ، فالطبيعة- في هذا التصور- ليست مادة خاماً للاستهلاك ، بل كيان حي يتشارك مع الإنسان في الوجود .
و لذلك فإنّ حماية البيئة ليست مجرد سياسة بيئيّة ، بل هي أساس أخلاقي و ثقافي لتنظيم المجتمع .
إنّ الكوارث البيئية المعاصرة – من تغيّر المناخ و ذوبان الجليد إلى التصحر و تلوّث المياه – تشير بوضوح إلى أنّ النموذج الحضاري الحالي وصل إلى حدوده القصوى ، و لهذا يرى الفيلسوف عبدالله أوجلان أنّ الحل لا يكمن في إصلاحات تقنية محدودة ، بل في إعادة النظر في الأسس الفلسفيّة للحضارة الحديثة ، فالأيكولوجيا ، في جوهرها ، ليست علماً عن الطبيعة فقط ، بل رؤية جديدة للحياة تعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي داخل شبكة الوجود .
و بهذا المعنى تصبح الأيكولوجيا في فكر القائد عبدالله أوجلان مشروعاً للتحرر الإنساني ، فهي دعوةٌ لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان و الأرض ، و بين المجتمع و الطبيعة ، و بين الحريّة و المسؤولية ، إنّها دعوةٌ للعودة إلى روح الهلال الخصيب الأولى ، حيث نشأت الحضارة في تناغمٍ مع الأنهار و الغابات و السهول الخصبة ، لا في صراع معها .
و بناءً على ما سبق ، يمكن القول إنّ المستقبل الإنساني ، إذا أراد أن يستمرّ ، لا بدّ أن يمرّ عبر بوابة المجتمع الأيكولوجي الذي يعيد التوازن المفقود بين الإنسان و الطبيعة .
بقلم : جيان أركندي